لا تختلف الرواية الأمريكية التى أعلنت واشنطن بعض تفاصيلها حول اعتقال الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، عما قدمته أفلام هوليوود التى جرت أحداثها فوق تراب أمريكا اللاتينية، قرب «الفناء الخلفى» للولايات المتحدة؛ وخلاصتها انغماس رجال مكافحة المخدرات الأمريكيين فى مغامرات وعمليات اختراق وشراء ذمم لأعضاء شبكات الجريمة، قبل أن تنتهى باعتقال زعيم العصابة واقتياده مكبلا إلى السجون الأمريكية. ووفق اتهامات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وما ردده مسئولون فى إدارته، فإن مادورو كان يقود ما يعرف ب«كارتل الشمس»، وهو شبكة من الفساد وتهريب المخدرات تضم ضباطًا فى الحرس الوطنى والجيش الفنزويلى، وهو ما يمنح واشنطن بحسب زعمها الحق فى ملاحقته والقبض عليه، وزوجته بملابس نومهما، على يد عناصر من قوات «دلتا» الأمريكية. وكما اتهم صدام حسين «كذبًا» بامتلاك أسلحة دمار شامل لتبرير غزو العراق، ها هى واشنطن تتهم مادورو بقيادة عصابات تهريب المخدرات، ذريعة لتغطية ما وصفه البعض بالبلطجة وازدراء القانون الدولى، والاعتداء على سيادة فنزويلا، لضمان السيطرة على حقول أكبر احتياطى نفطى فى العالم. وتمتلك فنزويلا، بحسب معهد الطاقة ومقره لندن نحو 17 فى المائة من الاحتياطيات العالمية، أى ما يعادل 303 مليارات برميل، متقدمة بذلك على السعودية التى تتصدر منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك). ولم يخف ترامب رغبته فى السيطرة «الكاملة» على النفط الفنزويلى، إذ قال من دون مواربة إن الإدارات الأمريكية السابقة تخلت عن حق الولاياتالمتحدة فى النفط الفنزويلى، وهو ما يجب استعادته. ما يهم ترامب، إذن، هو النفط. أو كما قال وزير الخارجية الفنزويلى إيفان جيل، أمام الاجتماع الاستثنائى لوزراء خارجية دول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبى: «سقطت الأقنعة، واتضح أن ما يهمهم حقًا (الأمريكيين) هو الموارد الطبيعية، أى النفط والمياه والتنوع البيولوجى فى المنطقة». ولنثر مزيد من البهارات على قصة اعتقال مادورو واتهامه بالاتجار فى المخدرات، لم تغفل وسائل الإعلام الأمريكية الحديث عن علاقته بزوجته سيليا فلوريس، المحامية السابقة للرئيس الفنزويلى الراحل هوجو شافيز، وصعود نفوذها عقب زواجها من مادورو بعد فترة وجيزة من توليه رئاسة البلاد عام 2013. فلوريس، أو «ليدى ماكبث» كما أطلق البعض عليها، كانت عام 2018 ضمن مجموعة من كبار شخصيات النظام التى فرضت عليها وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات، بتهمة «نهب ثروات فنزويلا» والمساهمة فى ترسيخ «ديكتاتورية عسكرية» فى البلاد. وليدى ماكبث، الشخصية المحورية فى مسرحية الشاعر الإنجليزى الأشهر وليم شكسبير، هى رمز للمرأة القوية المتسلطة، المستعدة للقيام بكل الألاعيب والمؤامرات من أجل دفع زوجها إلى أعلى المناصب، ومحاربة خصومه تحقيقًا لطموحها فى الإمساك بخيوط السلطة. وعلى ما يبدو، يوجد أكثر من «ليدى ماكبث» فى فنزويلا، فهناك ديلسى رودريجيز، نائبة مادورو، التى عينتها المحكمة العليا الفنزويلية رئيسة مؤقتة، قبل أن تدعو فور تعيينها الولاياتالمتحدة لعلاقات متوازنة و«العمل معًا على أجندة تعاون تركز على التنمية المشتركة». لكن ترامب قال إن واشنطن هى «من يقود» الأمور فى فنزويلا، على الرغم من تأكيده التواصل مع رودريجيز. أما «ليدى ماكبث» الفنزويلية الثالثة، فهى زعيمة المعارضة الطامحة إلى الرئاسة، ماريا كورينا ماتشادو. لكن بعد ساعات فقط من إزاحة مادورو عن السلطة، خيب ترامب أمل ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، عندما قال فى مؤتمر صحفى: «أعتقد أنه سيكون من الصعب للغاية عليها أن تكون القائدة، فهى لا تحظى بالدعم أو الاحترام داخل البلاد». ترامب ذكر أنه لم يتصل بماتشادو، واكتفى بوصفها بأنها «امرأة لطيفة للغاية، لكنها لا تحظى بالاحترام». غير أن أحدا لا يعلم: هل تكتفى بالحصول على وصف «اللطيفة للغاية»، أم ستسعى لكسب «الاحترام»؟ خاصة أن دولًا غربية اعتبرتها، فى بعض الفترات، ممثلة للفنزويليين. فى الأخير، القضية ليست مادورو ولا «ليدى ماكبث»، بل نفط يعاد اقتسامه بالقوة، وسردية أمريكية قديمة تلبس الهيمنة ثوب قانونها الخاص، فيما السيادة تساق مكبلة.