نشر موقع 180 مقالا للكاتب محمد فقيه، تناول فيه تحول الاقتصاد العالمى من وسيلة للتعاون وتبادل المنافع إلى «ميدان صراع استراتيجى» بين القوى العظمى (تحديدا الولاياتالمتحدةوالصين)، وهو ما يُعرف ب «تسليح الاقتصاد» أو «الاعتماد المتبادل المسلح».. نعرض من المقال ما يلى: فى عالم ما بعد العولمة، لم تعد الأسواق فضاءً لتبادل المنافع فحسب، بل تحوّلت إلى ميدان لصراعات النفوذ. فالقوة العظمى اليوم لا تُقاس بعدد حاملات الطائرات أو الرءوس النووية، بل بمدى السيطرة على البنى التحتية اللوجستية وسلاسل الإمداد والمعادن النادرة التى تُحرك الاقتصاد العالمى. ما يُسمى ب«تسليح الاقتصاد» لم يعد مجازا سياسيا، بل أصبح عقيدةً استراتيجية تستخدمها الدول لتحقيق الردع والتفوق دون إطلاق رصاصة واحدة. كان ميزان القوة العالمى فى القرن العشرين قائما على الردع النووى والتحالفات العسكرية. لكن فى العقود الأخيرة، برز نوعٌ جديد من الصراع: غير مرئى تُدار معاركه عبر الرسوم الجمركية، العقوبات المالية، واحتكار الموارد الحيوية. تصف الأدبيات الحديثة هذا التحول بمفهوم «الاعتماد المتبادل المُسلّح»، الذى صاغه الباحثان هنرى فاريل وأبراهام نيومان عام 2019، ويعنى استغلال الترابط الاقتصادى بين الدول كوسيلة للضغط والابتزاز الجيوسياسى بدل التعاون المتبادل. فى هذا الإطار، تُعدّ المواجهة الاقتصادية بين الولاياتالمتحدةوالصين النموذج الأبرز لتحول الاقتصاد إلى أداة صراع استراتيجى عالمى. التحفّظ الأمريكي: تسليح الموانئ ضد التفوّق الصينى
بدأت واشنطن حربها الاقتصادية من البحر. فى العام 2025، أطلقت سلسلة من الرسوم والضرائب الجديدة على السفن والشركات ذات الصلة بالصين، بحجة «إعادة تنشيط صناعة بناء السفن الأمريكية» التى تراجعت أمام الهيمنة الصينية. كانت الصين مسئولة عن إنتاج أكثر من 50% من السفن التجارية الجديدة عالميا، بينما أنتجت الولاياتالمتحدة أقل من 10%. فرضت واشنطن رسوما قُدّرت ب 50 دولارا لكل طن على السفن الصينية المالكة، و18 دولارا لكل طن على السفن المبنية فى أحواض صينية، إلى جانب 120 دولارا على كل حاوية تدخل الموانئ الأمريكية. الغاية كانت واضحة: جعل الموانئ الأمريكية مكلفة لدرجة تُجبر خطوط الشحن العالمية على تغيير مساراتها بعيدا عن الصين. لكن تقارير اقتصادية لاحقة أشارت إلى أن هذه الرسوم كانت رمزية أكثر منها فعالة، وأنها لم تُبنَ على دراساتٍ ميدانية دقيقة بل على تقديرات سياسية وإعلامية. فى المقابل، حذّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) من أن الهيمنة الصينية على بنية الموانئ وسلاسل اللوجستيات الدولية تمنح بكين نفوذا يصعب كبحه بسياساتٍ أحادية. الرد الصينى: تفعيل «أسلحة» المعادن النادرة لم تكتفِ الصين بردٍّ مماثل، بل ردّت بضربة مركّبة من محورين: 1- الضرائب البحرية الانتقامية فرضت بكين ضرائب تصاعدية على السفن الأمريكية عند دخولها الموانئ الصينية، محسوبة على أساس الطن الصافى لا الوزن الكلى، أى على القدرة الربحية للسفينة نفسها. كانت هذه الضريبة تُزاد سنويا وفق جدولٍ تصاعدى يجعل التأمين التجارى عليها شبه مستحيل- وهى خطوة ذكية جعلت شركات الشحن الأمريكية أمام خيارين: الانسحاب أو إعادة تسجيل السفن تحت أعلامٍ أجنبية، وهذا من شأنه إفقاد الولاياتالمتحدة السيادة البحرية المزعومة. 2- السيطرة على المعادن النادرة كسلاح استراتيجى تُشكّل العناصر الأرضية النادرة العمود الفقرى للتكنولوجيا الحديثة، من المقاتلات إلى السيارات الكهربائية. تملك الصين نحو 70% من الإنتاج الخام العالمى، وتهيمن على أكثر من 90% من قدرة المعالجة الصناعية. فى إبريل 2025، فرضت بكين قيودا تصديرية على سبعة معادن حيوية منها الساماريوم والديسبروسيوم والتيربيوم، ما أدّى إلى توقف مؤقت فى مصانع أوروبية كبرى، وأظهر هشاشة سلاسل الإمداد الغربية أمام أى قرار صينى. هكذا تحولت المعادن إلى سلاح جيوسياسى يعادل فى تأثيره الطائرات والصواريخ، لكن بلا نار ورصاص ودوىّ. الأسواق تهتز وسلاسل الإمداد تتفكك الهجوم الاقتصادى الصينى أطلق سلسلة ارتدادات فى الاقتصاد العالمى: 1- انهيار مؤقت فى الأسواق المالية الأمريكية: فقدت بورصة NASDAQ نحو ستة فى المائة من قيمتها خلال أيام بعد إعلان القيود الصينية. 2-ارتباك فى سلاسل التوريد: اضطرت شركات الشحن إلى إعادة توزيع الأساطيل واستبدال السفن المبنية فى الصين بأخرى أقل كفاءة. 3-تصاعد كلفة المعيشة الأمريكية: 86% من أثر الرسوم انعكس على المستهلك والشركات داخل الولاياتالمتحدة، لا على الصين. 4-تأثير عالمى ممتد: دول الجنوب مثل فيتنام والبرازيل وإندونيسيا تحولت إلى وجهات جديدة لإعادة توطين الصناعات، ما غيّر خريطة التصنيع العالمية. واى تشى أم شطرنج؟ تُظهر المقارنة أن واشنطن اعتمدت على سياسات تكتيكية قصيرة المدى تركّز على الضغط السريع تشبه مبدأ لعبة الشطرنج المعروفة، بينما خاضت بكين لعبة «واى تشى» استراتيجية طويلة النَفَس تقوم على محاصرة الخصم بطرق غير متوقّعة. استثمرت الصين منذ عقدين فى بناء منظومة تحكّمها الكاملة بسلاسل القيمة - من المنجم إلى التصنيع النهائى - بينما ركّزت الولاياتالمتحدة على ردود الأفعال لا بناء البدائل. تؤكد دراسات مثل تقرير راند (2024) أن الاعتماد البنيوى الأمريكى على الصين لم يتراجع رغم موجات «فك الارتباط». وهذا ما يجعل الاقتصاد المسلّح اليوم شكلاً من أشكال الحرب التى تُربَح بالتحكم فى الموارد، لا بالتحركات العسكرية. تسليح النظام المالى: الصوت الصامتّ للصراع لا تقتصر الحرب الاقتصادية على المعادن والموانئ. تستخدم الولاياتالمتحدة أدواتها المالية -الدولار، نظام SWIFT، العقوبات الثانوية- كوسائل للردع المالى، بينما تطوّر الصين أنظمة بديلة مثل (CIPS) واليوان الرقمى لكسر احتكار واشنطن النقدى. وهكذا تمتد المواجهة من البحر إلى البنوك، فى محاولة كل طرف لإعادة رسم حدود السيادة النقدية عالميا. دروس واستنتاجات: الاقتصاد كجبهة حرب الدول المتوسطة: تواجه الآن امتحانا وجوديا بين الحليف التجارى والحليف الأمنى. الشركات العابرة للحدود: باتت مضطرة لتبنّى استراتيجيات «التنوّع الجغرافى» فى التوريد والإنتاج. المواطنون: يعيشون تبعات الحرب دون أن يروها، تكمن فى تضخم الأسعار، تأخّر السلع، نقص التكنولوجيا. القوى الكبرى: أدركت أن الاكتفاء الذاتى الكامل مستحيل، لكن إدارة المخاطر أصبحت جزءا من الأمن القومى. نحو جغرافيا اقتصادية جديدة الحرب الاقتصادية بين الولاياتالمتحدةوالصين لم تعد حادثة عابرة فى تاريخ التجارة العالمية، بل هى نقطة تحوّل فى مفهوم القوة ذاته. لقد انهارت أوهام العولمة بوصفها ضمانا للسلام، وتحول «الاعتماد المتبادل» من أداة استقرار إلى أداة ابتزاز. فى عصر الاقتصاد المسلّح، أصبحت السيطرة على سلاسل التوريد والمعادن النادرة والأنظمة المالية معادلا استراتيجيا للقوة العسكرية. فالاقتصاد اليوم ليس ساحة للربح، بل ميدانٌ للحرب - تُدار فيه المعارك بالأرقام بدل الصواريخ، وبالرسوم بدل القذائف، وبالقرارات بدل الجنود. النص الأصلى: https://tinyurl.com/ympzc4tf