استعرضت مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية، عدد من التغييرات التي قالت إن المجتمع الروسي شهدها بعد 4 سنوات من الحرب في أوكرانيا، والتي تعلقت على نحو خاص بقطاع النشر والإعلام. **وضع المكتبات وأوضحت المجلة في تقرير مطول على موقعها الإلكتروني أنه بعد بدء الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، ارتفعت في روسيا شعبية رواية جورج أورويل "1984"، والتي تتناول نظاما شموليا قائما على المراقبة الجماعية والبروباجندا المستمرة، مضيفة أنه مع اقتراب عيد الميلاد في ذلك العام، علقت إحدى مكتبات سانت بطرسبرج نسخا من الرواية على شكل إكليل فوق صندوق الدفع. كما عرضت مكتبة أخرى عند مدخلها كتبا وطنية، إلى جانب كوب يحمل صورة أورويل وعبارة تُشير إلى زعيم الرواية الغامض، الذي يُفترض أنه يتمتع بالسلطة المطلقة، كُتب عليها: "دع الأخ الأكبر يظن أن في هذا الكوب شاي". وتابعت: "أما مكتبة ريسبوبليكا العصرية في موسكو، فقد وزعت أعمال أورويل في جميع أنحاء المتجر"، وفي احتجاج سلمي على مطالب الكرملين برفض جميع المنتجات الثقافية من "الدول غير الصديقة" - بما فيها فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة - واصلت ريسبوبليكا بيع ألبوم إد شيران الجديد وأسطوانات فرقة رولينج ستونز القديمة. ونوهت المجلة الأمريكية بأن قائمة الكتب الأكثر مبيعا شملت مؤلفين أمريكيين وبريطانيين، إلى جانب روس هربوا من البلاد، مثل بوريس أكونين وديمتري بيكوف، لكن في السنوات التي تلت اندلاع الحرب، اتُهم كل من أكونين وبيكوف ب"التطرف"، وأُضيفت أعمالهما إلى قائمة رسمية تضم 5 ألاف عنوان محظور. وأزالت ريسبوبليكا تلك الكتب من رفوفها، ونقلت أعمال أورويل - التي لم تكن محظورة آنذاك - إلى الطابق الثاني، تحسبا لتفتيش حكومي. وبحسب المجلة الأمريكية، توسعت القيود بجميع أنواعها خلال السنوات الأربع الماضية - ليس فقط حظر الكتب، بل أيضا تقليص الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وقمع الاحتجاجات، واتخاذ تدابير لتشويه سمعة الحركة النسوية. وقالت "فورين أفيرز" إن قانون "العملاء الأجانب" الروسي، الذي تم سنه عام 2012 لتحديد الأفراد والمنظمات التي تتلقى تمويلا دوليا، أصبح أداة لمقاضاة أي شخص يُعارض الدولة وحظره من الحياة العامة، على حد تعبيرها. وأضافت أنه "في أوائل عام 2022، كان 300 شخص ومنظمة على قائمة العملاء الأجانب سيئة السمعة؛ أما الآن، فقد تجاوز العدد 1100". وتابعت: "لكن حتى مع تشديد الخناق، لم يتوقف الروس عن القراءة، فقد أفادت إحدى سلاسل المكتبات أن رواية "1984" كانت أكثر الكتب التي يتم سرقتها لديها في عام 2023. ووفقا للمكتبة نفسها، في النصف الأول من عام 2025، لم يتجاوزها في السرقة سوى نسخ الدستور الروسي، الذي يحظر الرقابة ويضمن حرية الفكر والتعبير والحصول على المعلومات. ويقول الروس ساخرين: "نقرأ أورويل لانعكاسه للواقع، والدستور كمدينة فاضلة جميلة"، وفقا للمجلة الأمريكية. ** تجريم الوصول لمنصات التواصل الاجتماعي وذكرت "فورين أفيرز" أنه قبل فبراير 2022، كان المجتمع الروسي منفتحا إلى حد كبير، حيث كانت وسائل الإعلام الرسمية خاضعة لسيطرة الدولة، لكن المنابر المستقلة ازدهرت، ولم تكن هناك قيود على الإنترنت، وكان بإمكان الناس قراءة أو مشاهدة ما يشاؤون. وأضافت أنه "عندما اندلعت الحرب، قوبلت أي معارضة على الفور بقمع شديد، ففي الأشهر الأولى، اعتُقل أكثر من 15 ألف متظاهر مناهض للحرب من بينهم أكثر من 400 قاصر. ووجد الروس أنفسهم تحت حكم عرفي بحكم الأمر الواقع". وتابعت أنه "تم تجريم الوصول إلى منصات مثل ميتا وإنستجرام وتويتر (إكس حاليا)، وحُجبت المواقع الإخبارية الأجنبية التي تقدم وجهات نظر معارضة، مثل هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" وإذاعة أوروبا الحرة. كما مُنعت وسائل الإعلام الروسية المستقلة، بما في ذلك إذاعة إيكو موسكفي وقناة دوزد التلفزيونية وصحيفة نوفايا جازيتا، في غضون أسابيع. وأصبح نشر أي شيء عن الحرب بخلاف الروايات الرسمية يُعاقب عليه بالسجن لمدة تصل إلى 15 عاما". ** الكومونة الروسية وأشارت المجلة الأمريكية أيضا إلى أن "الكومونة الروسية"، وهي جماعة يمينية متطرفة مؤيدة للحرب، تخوض حربا مباشرة ضد خصومها المحليين، فمنذ عام 2022 بدأت الجماعة التي كانت في الأصل حركة أهلية في مساعدة قوات الأمن الرسمية، حيث تشارك في مداهمات تستهدف الأقليات العرقية أو "غير المرغوب فيهم" في محاضرات جامعية أو حفلات موسيقية. وتابعت المجلة أن متطوعين يقاطعون المحاضرات في مكتبة "موسكفا"، التي تقع على بُعد دقائق من الكرملين، ويتوعدون المتحدثين الذين لا يوافقون عليهم بإثارة المشاكل، ويهددون بحرق الكتب وتحطيم النوافذ. وعندما تتصل المكتبة بالشرطة طالبة الحماية، غالبا ما يرفض الضباط، بحجة محدودية الموارد. ونوهت "فورين أفيرز" بأنه كان من المفاجئ في يوليو الماضي أن تسعى وزارة الداخلية الروسية إلى وضع حد لأعمال العنف غير النظامية. وفي إشارة غير مباشرة إلى الكومونة الروسية، أصدرت الوزارة تحذيرا للمواطنين بشأن الجماعات القومية التي "تستخدم الشعارات الوطنية كغطاء، وتبحث عن أعداء وهميين، وتؤجج الصراعات العرقية". ومنذ ذلك الحين، بلت المسئولين القوميين حتى أكثرهم تعصبا، مثل كيريل كابانوف، عضو المجلس الرئاسي لتنمية المجتمع المدني وحقوق الإنسان، يصرون على ضرورة دمج هذه المنظمات بالكامل في "هياكل الحكومة".