المكتبات العامة تشتري أعدادا كبيرة من الكتب مما يشكل دعامة أساسية لاقتصاديات النشر - الكتاب الورقي هو الوسيلة الأكثر انتشارا والأيسر والأحب.. وحجم العالم العربي في النشر الإلكتروني لا يتجاوز 0.4% معرض القاهرة للكتاب أكبر حدث ثقافي شعبي عربيا.. وعدد زواره اليومي يصل إلى نصف مليون ومعظمهم من الشباب أفتخر بأنني صاحب فكرة جائزة البوكر العربية جوائز الدولة التقديرية وعيد العلم بدأت في مصر.. وأول جائزة تقديرية في الأدب كانت لطه حسين أكثر ما يقلقني ازدياد المعلومات المضللة والأخبار الكاذبة وتشويه التاريخ الكتاب كان من أقدم صادرات مصر وأوسعها انتشارا وأكثرها تأثيرا وتقديرا جزء كبير جدا من النشر والثقافة اليوم أصبح مرتبطا بالتطور التكنولوجي الهائل والدي محمد المعلم هو الذي نحت في الصخر وبدأ من الصفر ونحن أكملنا بعده المزور يجمع أنجح الكتب لكل ناشر ويتجنب باقي الإصدرات فيمتلك بذلك «منتخب الكتب» المسروقة والمقلدة! مشكلة التزوير ليست مجرد تقليد بل هي سرقة عمر وحياة وجهد الناشر والمؤلف كتاب التفكير فريضة إسلامية جاء نتيجة اقتراح من والدي لعباس العقاد ما أثر النجاح إذا لم تكن هناك مكتبات عامة ولا حركة نقدية فاعلة ولا سماح حقيقي للناشرين بالتنافس بنزاهة وكفاءة في تطوير الكتاب المدرسي؟ استضاف الإعلامي علي الظفيري، عبر برنامج «المقابلة» على شاشة قناة الجزيرة، المهندس والناشر إبراهيم المعلم، رئيس مجلس إدارة مجموعة الشروق، في حوار مطول تناول خلاله مسيرته المهنية، وتحولات صناعة النشر العربي، وحقوق الملكية الفكرية، ومستقبل الكتاب في عصر الرقمنة. استعرض المعلم جذوره العائلية، مشيرًا إلى أن والده محمد المعلم هو المؤسس الحقيقي لتجربة دار الشروق منذ بدأها بدار القلم، بعد رحلة كفاح بدأت من الصفر، ومرت بتجربة التأميم في الستينيات، قبل إعادة الانطلاق بتأسيس دار الشروق عام 1968 في ظروف شديدة الصعوبة عقب هزيمة 1967. وأكد المعلم أن الدار منذ بداياتها راهنت على النشر الفكري والعلمي، واحتضنت كبار مفكري وأدباء مصر والعالم العربي. وتحدث المعلم عن خلفيته الهندسية، موضحًا أن دراسته لهندسة الإنتاج والتخطيط أسهمت في تكوينه الإداري والفكري، وفي فهمه لطبيعة صناعة النشر بوصفها مشروعًا ثقافيًا واقتصاديًا معًا، لا مجرد طباعة كتب. تطرق المعلم أيضًا لتجربته في العمل العام، من خلال رئاسته لاتحاد الناشرين المصريين والعرب، وعضويته في الاتحاد الدولي للناشرين نائبا للرئيس ، حيث دافع عن حرية النشر واستقلال الناشر ومحاربة القرصنة، وغيرها من القضايا الثقافية التي خاضها على مدار أكثر من نصف قرن. وقال الإعلامي على الظفيري في مستهل حديثه: "في هذه الحلقة الجديدة من برنامج «المقابلة» استضيف المهندس إبراهيم المعلم، مؤسس دار الشروق المصرية، والناشر والمثقف البارز الذي أسهم إسهامًا كبيرًا واستثنائيًا في مسيرة النشر العربي، ومسار الثقافة والوعي منذ منتصف القرن العشرين وحتى اليوم. وإلى نص الحوار: ==حضرتك درست الهندسة.. هل تقتصر علاقتك بالهندسة على الدراسة الجامعية فقط؟ = لا، أنا درست هندسة، لكن تخصصي كان مرتبطًا بزيادة الإنتاج والتخطيط ورفع الكفاءة، وهو نوع من الهندسة له علاقة بإدارة أي فكرة أو مشروع. هذا التخصص يستخدم أحيانًا في إدارة مؤسسات كبيرة، مثل المستشفيات وغيرها. والجزء الكبير من النشر والثقافة اليوم أصبح قائمًا على تطور تكنولوجي هائل، انتقل من الطباعة والورق إلى النشر الرقمي والأشكال الجديدة التي تتفتح أبوابها يومًا بعد يوم، وضرورة مواكبة هذا التطور مبكرًا حتى لا يكرر العالم العربي مأساة تأخره في دخول مجال الطباعة والنشر، بعد اختراع المطبعة بنحو أربعمائة عام. - البداية من دار الشروق ==من أين أبدأ.. من دار الشروق أم دار القلم؟ = الحقيقة تبتدي من دار الشروق الأولى 1942. والدي هو اللي بدأ محاولاته في النشر من سنة 1942، وبعدها اشتغل في الصحافة والإذاعة وكان معيدًا في الجامعة، ثم أسس دار القلم 1959، إلى أن أممت بطريقة غير مباشرة، يعني كان هناك شركاء أعلنوا عليهم الحراسة، وبعدها أصبحت الحكومة شريكًا، ثم قررت الحكومة شراء النصيب واعتبرته صفر. ==قبل أن نتحدث عن دار الشروق.. هل يمكن أن تحدثنا عن خلفيتك الأسرية وطبيعة أسرتك؟ =أنا جدي كان فلاح من بلد اسمها الكوم الطويل في محافظة كفر الشيخ، واسمه إبراهيم، وأنا سميّت على اسمه. هو توفي للأسف قبل أن أولد فلم أره، لكن كانوا يقولون إنه كان رجلاً محترماً وله مكانة في البلد كمفكر ومثقف رغم أنه لم يكمل الجامعة. أما والدي، محمد المعلم، فهو أول من دخل الجامعة من قريته، وتوفي والده وهو في السنة الجامعية الأولى، فاضطر للعمل ليتمكن من إكمال تعليمه. فهو المكافح الذي بدأ من الصفر وأسس كل شيء، ودار الشروق هي استكمال لما بدأه. عندما بدأنا دار الشروق، بدأنا تقريباً من الصفر، مستعينين بمكافأة نهاية خدمة والدتي، التي كانت ناظرة في التعليم، وكانت هذه المكافأة هي التي بدأنا بها دار الشروق في عام 1968، بعد تأميم دار القلم في 1966." ==هل كانت عملية التأميم مرتبطة بطبيعة المرحلة فقط أم لها علاقة بالدار نفسها" = لا، مالهاش علاقة بالدار نفسها، دار المعارف أيضاً أممت، لكن في حالتنا الحكومة اشترت نصيبنا بعدما اعتبرته صفر. وبعدها، والدي عُين رئيس مجلس إدارة الشركة القومية للتوزيع لمدة سنة، ثم حدثت ظروف أخرى لها علاقة بصراعات داخلية. المهم، هو لم يكن يرغب في هذه الوظيفة فتركها." ==هل كان لديه موقف سياسي من التغييرات التي شهدها النظام المصري في تلك الفترة.. أم كان مهتماً بالثقافة والنشر فقط؟ = الثقافة والسياسة وحقوق الإنسان وكرامة الإنسان تتكامل. أنا مؤمن بأهمية الثقافة وأنها الركيزة الأساسية في بناء الإنسان وفي التنمية البشرية. وأن الثقافة لا بد أن تكون منفتحة وحرة، وأن يكون هناك نطاق من حرية الفكر وحرية الرأي وتنوع الآراء. وهذا أمر واضح وسهل لكنه صعب كذلك. ==هل يمكن القول إن الثقافة نجحت في ظروف استبدادية مثلما حدث في بدايات الاتحاد السوفيتي.. حيث شهدت بعض الحالات نهضة ثقافية بالمعنى الفني لها؟ =طبعا ممكن، لكن النجاح الأكبر يتحقق عندما تكون هناك حرية أكبر. فمثلًا قصة الشاعر الروسي بوريس باسترناك، فهي قصة من رحم الظلم والمعاناة، لكن هذا لا يخلق نهضة ثقافية شاملة في البلد كلها ولا لأ؟، ولذلك مؤلفاته لم تُنشر داخل الاتحاد السوفيتي، بل كانت تُنشر في الخارج. ==ماذا كان دورك في تأسيس دار الشروق عام 1968 مع والدك؟ = والدي كان القائد والزعيم ورئيس مجلس الإدارة، ولديه اثنين عساكر؛ أنا وأخي، وكنا نقوم بكل شيء. عندما بدأنا دار الشروق في 1968، كنا نشارك في جميع جوانب النشر: اختيار الكتب، مراجعة التصحيح، الطباعة، عرض الكتب، أي أننا مارسنا كل تفاصيل مهنة النشر عمليًا من الألف إلى الياء. - التركيز على نشر الكتب العلمية ==ماهي أول الكتب التي نشرت في بدايات دار الشروق؟ =أول كتب نشرت في دار الشروق الأولى سنة 1942 كانت ثلاثة كتب مهمة جدًا: كتاب للدكتور مصطفى مشرفة عن الذرة والقنابل الذرية، وكتاب في الفلك للدكتور عبد الحميد سماحة، وهو أستاذ فلك مشهور، وكتاب في الرياضيات ومستقبل العلم للدكتور منتصر. ==هذه الاختيارات لافتة لأنها عن العلوم المختلفة وليست في الأدب. لماذا كان التركيز على هذا النوع من الكتب؟ =لأن تفكير والدي وقتها كان أننا بحاجة للعلم وتبسيطه، والنهضة بالعلوم. والحقيقة مرحلة دار القلم كانت تتميز بتنوع هائل، لدرجة أنها أصدرت كتب لمؤلفين حاصلين على جائزة نوبل، وكتب في التاريخ، وأيضًا عملت المكتبة الثقافية التي ضمت أهم الكتب والسلاسل التي صدرت في العالم العربي، والكتاب الأول فيها كان هو أكثر كتاب وزع في تاريخ النشر العربي، وهو "الثقافة العربية أسبق من الثقافتين اليونانية والعبرية" بقلم الأستاذ عباس محمود العقاد. وهذا الكتاب كان نتاج خلاف فكري ومناقشة بين عباس العقاد وطه حسين في مجمع اللغة العربية. وقتها كانت الناس في مصر منقسمة بين العقاد وطه حسين، فكان رأي العقاد أن الثقافة العربية أسبق. الكتاب باع وقتها 40,000 نسخة خلال نصف يوم، وذلك سنة 1960–1961، بينما كان تعداد مصر حوالي 20–23 مليون نسمة. واكد المعلم على تعليق "الظفيري" بأن الدار اكتسبت سمعة كبيرة كناشر، قائلًا: "طبعا وناشر جريء ومغامر، لأن أصحاب والدي كانوا يقولون له: أنت مجنون، الكتاب لن يبيع كل هذه النسخ، ستخسر إذا طبعت 40,000 نسخة"، ولكن الحقيقة أنه باع النسخ في نصف يوم. وعندما بدأنا في دار الشروق عام 1968، كانت الظروف صعبة بعد هزيمة 1967. وقد انطلقنا بثلاثة مشاريع: كتاب للشيخ الإمام الأكبر حينها محمود شلتوت، وكتاب للكاتب أنيس منصور، بالإضافة إلى الدكتور زكي نجيب محمود، الذي كان يلقب آنذاك بفيلسوف العرب الأكبر. وكانت هذه البداية ثمرة الإنتاج الأولى. == وعلق الظفيري قائلاً: "هذه عظمة على العظمة كما يقال." إذًا رسخت دار الشروق موقعها المتقدم بسرعة لافتة مستندة إلى خبرتها في دار القلم ورؤية الوالد القائمة على تجربة مبكرة في النشر العلمي والثقافي منذ أوائل الستينيات؟ = بالضبط.. لأننا بعدها مباشرة أنجزنا عملًا نفخر به دائمًا، وهو مشروع «في سبيل موسوعة علمية» للدكتور أحمد زكي، وهو عالم كبير، ورئيس تحرير مجلة «العربي» ومؤسسها، وأحد أبرز الأسماء الثقافية في العالم العربي. وكان أسلوبه نموذجًا لأجمل كتابة علمية ذات بعد أدبي. ==ما الذي نشرتموه تحديدًا؟ وهل كانت دار الشروق استحوذت على المساحة الأكبر في النشر خلال تلك الفترة؟ = بدأنا نبذل مجهودًا كبيرًا، وبدأ يظهر التقدير، وأهم ما في الأمر كان تقدير القراء والإقبال على الكتب. وفي الوقت نفسه، بدأنا نواجه مشكلات ما زلنا نكافحها حتى اليوم، على رأسها مشكلة الرقابات في العالم العربي، وما يرتبط بها من قضايا حرية النشر، وأن الرقابة حتى حين توافق يستغرق الأمر وقتًا طويلًا. كما أن وجود 22 دولة يعني 22 رقابة، وفي بعض الدول توجد ثلاث رقابات، لكل واحدة معايير مختلفة. والمشكلة الثانية هي تزوير الكتب وعدم احترام حقوق الملكية الفكرية، وكل هذا يحطم أي ناشر وأي مؤلف. ==قرأت لك رأيًا تشير فيه إلى أن المشكلة الأساسية التي قام عليها اتحاد الناشرين الدوليين الذي تأسس في أواخر القرن التاسع عشر.. تتمثل في أمرين يتعلقان بالنشر: أولهما حرية النشر، وثانيهما حقوق الملكية الفكرية هل هي نفسها المشاكل القائمة الآن؟ =هذان هما بالفعل الركيزتان الأساسيتان اللتان بني عليهما اتحاد الناشرين الدولي عام 1896. وبالنسبة للعالم المتقدم، فهاتان المشكلتان لم تعودا مطروحتين منذ زمن طويل؛ إذ كانت الشكاوى تتركز على الاعتداء على حقوق بعض كتبهم في بلدان العالم الثالث، وليس داخل أوروبا أو الولاياتالمتحدة، حيث يصعب حدوث مثل هذه الانتهاكات. فبالنسبة لهم، يعد احترام حقوق الملكية الفكرية عاملًا في زيادة النجاح وتحقيق مزيد من الأرباح، أما نحن، كصناعات ناشئة في العالم الثالث والعالم العربي، فإن التعرض لمثل هذه الاعتداءات قد يقضي علينا، وقد يحول دون استمرارنا. - انفتاح مصر على حركة النشر منذ البداية == صف لي حال النشر العربي في أواخر الستينيات وبدايات السبعينيات، حين كانت مصر سيدة المشهد العربي، وكان ما ينشر وينتج فيها موجهًا إلى العالم العربي كله، لا إلى مصر وحدها. = الحقيقة مصر كانت منفتحة على النشر في العالم العربي منذ أواخر القرن التاسع عشر. وفي العصر الحديث كان تصدير الكتاب من أقدم صادرات مصر؛ إذ بدأ منذ عام 1860، وكان الكتاب الصادر في مصر يصل إلى المغرب وموريتانيا غربًا، وإلى إندونيسيا شرقًا. لذلك كان من أقدم صادرات مصر وأوسعها انتشارًا وأكثرها تأثيرًا وتقديرًا، وفي ذلك الوقت كان هناك اهتمام واحتفاء طبيعي بالكتاب في العالم العربي والعالم الإسلامي. ==وماذا عن اهتمام الدولة المصرية بالنشر وقتها؟ =كان النشر في الأساس مستقلًا، لكن الدولة، في عهد محمد علي، اهتمت بإنشاء مطبعة بولاق ودار الكتب، وكانت هناك ريادة واضحة. أما بقية النشاط فكان يقوم به القطاع الخاص، الذي كان يتولى العمل والسفر والتوزيع. وكان الناشر في منتصف القرن التاسع عشر ، يجمع بين أدوار الناشر والمحقق والمؤلف والموزع، ثم ازداد التخصص بعد ذلك. ==نعود إلى الستينيات.. فترة تأسيس دار الشروق؟ =حتى منتصف الستينيات كانت مصر هي المركز الرئيسي للنشر والتأليف وتصدير الكتب. ثم بدأت تصدر قوانين لتنظيم التصدير والصادرات، لكنها بدلًا من أن تحقق نتائج إيجابية خلقت عوائق، فصار التصدير يستغرق وقتًا أطول ويخضع لرقابة أكبر، مع قيود على النقد وغيرها. وفي الوقت نفسه شهد العالم نهضة هائلة في صناعة الطباعة وتطورًا كبيرًا في تقنياتها، لم تواكبها مصر، فانطلقت حينها بيروت انطلاقتها الكبرى وأصبحت مركز إشعاع هائلا للعالم العربي. ولهذا السبب تأسست دار الشروق في القاهرة عام 1968، ثم في بيروت عام 1969؛ إذ كانت الظروف هناك أسهل: لا رقابة مسبقة، ومطابع كثيرة تتنافس، وتوافر استيراد جميع أنواع الورق والأحبار وإمكانات الطباعة الحديثة، وسهولة تصدير الكتاب من بيروت إلى أي بلد عربي بيسر وكفاءة. وهكذا اكتسبت بيروت مكانة كبرى، قبل أن تبدأ المشكلة التي باتت تهدد بيروتوالقاهرة، وتهدد الثقافة والنشر والتأليف كلها، وهي تزوير الكتب. - التزوير بالغ الخطورة على صناعة النشر ==أتذكر عندما كنا في صغرنا كنا نحصل على نسخ رخيصة لكن مقلدة ومشوهة لم تكن بالجودة الأصلية.. ما أثر هذه المشكلة على الناشر والمؤلف؟ = مشكلة التزوير ليست مجرد تقليد أو نقص كفاءة، بل هي سرقة عمر وحياة وجهد الناشر والمؤلف. هناك مؤلف قد يقضي 20 سنة في البحث والكتابة، ثم يسرق جهده بعدما قضى عمره في التعلم والقراءة والبحث!، فكأن الذي سُرق العمر، وهذا الأمر انعكس سلبًا على الصناعة كلها، وأصبح بالغ الخطورة. وعندما بدأت ناشرًا خاصًا، لم يكن من الممكن تجاهل هذه المشكلة، إذ كان الكتاب يزور وتسرق جهود الناشرين. وللأسف، بدأت بعض المؤسسات العربية تحتفي بالمزورين أكثر من الناشرين والمؤلفين الأصليين، لأن المزور يجمع أنجح الكتب لكل ناشر ويتجنب باقي الإصدرات، فيمتلك بذلك "منتخب الكتب" المسروقة والمقلدة!. ==من كان يزوركم في دار الشروق في الفترة بين 1969 و1970؟ أريد أن أستعيد معك المشهد الثقافي في تلك الفترة، وخاصة الأسماء الوازنة من المؤلفين؟ =أولًا، كان الدكتور زكي نجيب محمود، والدكتور أحمد زكي، كنا نزوره نحن. في تلك الفترة جاء أيضًا مصطفى محمود، أنيس منصور، صلاح عبد الصبور، ويوسف إدريس، وكان هؤلاء الكتاب الصاعدون شبابًا لامعين. أما العمالقة، فكانوا جميعهم موجودين مثل عباس العقاد، توفيق الحكيم، طه حسين، ونجيب محفوظ وغيرهم. ==كيف كان التعامل مع هؤلاء العمالقة؟ =كان التعامل معهم جبارًا وعملاقًا. على سبيل المثال، كتاب "التفكير فريضة إسلامية" جاء نتيجة زيارة والدي محمد المعلم لعباس العقاد. وقتها عرض والدي على العقاد نشر كتاب، فقال له العقاد: "طيب، ما رأيك؟" فأجاب والدي: "أريد شيئًا يوضح للناس أنهم يجب أن يفكروا، وأن الحرية والفكر وتنوع الأفكار أصيلة، وليست ضد الثوابت أو الكلاسيكيات". فرد العقاد: "هذه فكرة جيدة، وأفكر بالفعل في كتابة أن التفكير ليس فقط مسموحًا به، بل هو فريضة إسلامية". وهنا علق الظفيري: "هذا يبرز دور الناشر المثقف، الذي ينحت في الصخر ويشعل جذوة الإبداع في المؤلف، موجهًا إياه إلى التأليف والعمل وفق رؤية ثقافية واضحة". وكتاب تجديد الفكر العربي كذلك جاء نتيجة نقاش طويل بين والدي والدكتور زكي نجيب محمود، واستغرق عامًا كاملًا لاختيار العنوان. كان الدكتور زكي متخوفًا من أن يوحي العنوان بالغرور أو الادعاء، قائلاً: "من أنا لأجدد الفكر العربي؟". وقد أصبح الكتاب من أهم الكتب في القرن العشرين. وكذلك مشروع في سبيل موسوعة علمية للدكتور أحمد زكي، فقد قال: "ليس لدي القدرة على كتابة المزيد، لكن لدي مجموعة من المقالات والأبحاث المهمة في مختلف العلوم، فهل يمكن أن ننشرها". حينها قال لوالدي كلف إبنك بالبحث فيها وتنظيمها للشباب. فقمت بدراسة عدد مهول من جميع المقالات والأبحاث، واختيار المواضيع المفيدة والجذابة والعميقة، وتجميعها في مجموعات وأبواب، مع التركيز على الطابع العصري والعلمي، وعرضناها عليه. وقلنا إنه يشبه موسوعة علمية، فقال بمنتهى التواضع: "لا أزعم أنني أعددت موسوعة ، فلنكتف بالقول في سبيل موسوعة علمية". ==من استعصى عليك من كبار المؤلفين في الدار؟ =لا أستطيع أن أقول، فهي ليست في ذاكرتي.. لكن مثلًا، نجيب محفوظ، إحنا ابتدينا نكتب ونعمل كتبه للأطفال فقط، فاخدنا كتبه الميسرة للأطفال، وكان متهيب جدًا من التجربة دي لأنه بيقول الكتابة للطفل تحتاج اعتبارات ومقاييس خاصة بالتربية والتعليم وبسن الطفل وأنا لما بكتب مؤلفاتي مش ملتزم بهذه المقاييس، فأنا أخشى إن يؤدي التبسيط إلى خلل في المحتوى. وفي النهاية قال لوالدي: "ثقتي فيك، أرجو أن تكون أنت من يبسطها.. وبالفعل، تولى والدي بنفسه تبسيط هذه الكتب، وصدرت قبل حصوله على جائزة نوبل بسنة، واستمرت هذه الأعمال لسنوات. كان للأستاذ نجيب محفوظ ناشرًا آخر آنذاك، وفي يوم فوجئت باتصال منه تليفونيًا. والحقيقة قبل ذلك كنت قد فوجئت باتصالين. وجدته يشتكي لي، حينها كنت رئيس اتحاد الناشرين المصريين والعرب، أن بعض الجهات ودور النشر قررت الاعتداء على حقه ونشر أولاد حارتنا رغماً عنه. فقد كان قد وعد الرئيس جمال عبد الناصر بعدم نشرها في مصر، لكنهم اعتبروا أن هذا إبداع من حق المواطن والقارئ، بغض النظر عن رأي المؤلف. وقال لي: "بيعتدوا علي وعلى رأيي وعلى حقي، وأنا عايش!"، والمهم أنني حاولت وتدخلت، وفعلاً تم إيقاف بعض الإصدارات، بينما سبقتنا إصدرت أخرى. و تساءلت: لماذا كلمني هو؟ لأنه كان يمكنه أن يتوجه إلى وزير الإعلام أو وزير الثقافة أو وزير الداخلية، وكل منهم سيتعامل مع الأمر باحترام وجدية. وبقيت حائرًا، ربما لأنه لم يرغب في أن يسلك الطريق الرسمي، بل أراد أن تكون المسألة ثقافية دون إجراءات عنيفة. هل كانت نتيجة للعلاقة والصداقة القديمة بينه وبين والدي، وبينه وبين خالي، وأن هذه المحبة والثقة ورثتها؟ حتى اليوم، هذا شيء أفتخر به رغم عدم معرفتي بأبعاده. وهذا الكلام يعود لسنة 2004، قال لي حينها: "بيُقال إن كتبي لم تعد توزع ولا تباع، ولا يقبل عليها من القراء، فهل تقبل أن تنشرها؟" وبالطبع، كان هذا فخرًا هائلًا لي أن أنشر كتب الأستاذ نجيب محفوظ، وفخرًا أكبر أن هو نفسه يكلمني ويطلب مني ذلك. وفي الوقت نفسه قلت له: "يا أستاذ نجيب، كتبك ستظل محل إقبال، وكلما ارتقى التعليم وارتقت الثقافة سيزداد الإقبال على كتبك، ويشرفني أن أقوم بذلك". وبالفعل، قمنا بنشر هذه الكتب. == من كان أكثر الكتب والمؤلفين تأثيرًا وانتشارًا في الدار؟ = أكثر كتاب وزع في يوم واحد كان كتاب عباس العقاد، حيث وصل إلى 40,000 نسخة. وأما أكثر كتاب وزع خلال أربعة أو خمسة أشهر، فكان عودة الوعي لتوفيق الحكيم، بحوالي 500,000 نسخة، أغلبها في مصر، رغم توزيعه في العالم العربي أيضًا. أما أكثر كتاب من حيث العائد للمؤلف، رغم أنه مؤلف من ثلاثة أجزاء، فكان أسرار المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل للأستاذ محمد حسنين. وزع حوالي 60,000 نسخة، وكان سعره وقتها حوالي 200 جنيه، وهو مبلغ كبير جدًا، كما أن الكتاب مُنع في عدد من الدول، وعُرض في الصحف التي اشترت حقوق النشر. بالمقارنة، كان كتاب توفيق الحكيم يُباع بجنيه ونصف، وكتاب عباس العقاد بعشرين قرشًا فقط. ==وماذا عن رواية عمارة يعقوبيان للدكتور علاء الأسواني؟ = عمارة يعقوبيان حققت توزيعًا هائلًا. في بداية التوزيع، لم تكن دارنا الناشر، بل دار ميريت ومدبولي، ثم نحن. ووزعت الثلاثة دور نشر أعدادًا كبيرة من الرواية في العالم، وكانت نسبة توزيعها في العالم أكبر من مصر والدول العربية، إذ وزعت وفق معلوماتي أكثر من مليون نسخة عالميًا.