يظل الرئيس الراحل أنور السادات شخصية فريدة ومثيرة للجدل في ذات الوقت، فرحلته وشخصيته منذ الشباب، وحتى الوصول إلى السلطة، ثم معارك السلطة، والحرب والسلام، والنهاية المأساوية، تفرض سنوات السادات بتقلباته ومحطاته على المشهد. لم يكن السادات مجرد رئيس، ولكنه ساهم في تغيير المنطقة للأبد، حقق أول انتصار على العدو الإسرائيلي، وفي نفس الوقت وقع أول معاهدة سلام مع إسرائيل، كما أن ما اتخذه من قرارات سياسية واقتصادية ما زالت تؤثر علينا هي، وتبعاتها حتى الآن. المشهد الأخير أيضا في حياة السادات كان متوافقا مع حياة مليئة بالإثارة، الاغتيال أمام الناس على الهواء مباشرة بأيدي أبناء الجماعات المتطرفة التي رعاها الرئيس نفسه، ولكن ذلك المشهد الأخير حضر والسادات يعادي الجميع. فكرة الصراع مع الخصوم، أو العداء والمواجهة التي دخلها السادات مع كل خصومه قبل اغتياله، والتي أنتجت اعتقالات سبتمبر الشهيرة، هي مفتاح الدخول إلى كتاب "شعرة معاوية.. السادات وخصومه" للكاتب الصحفي أكرم القصاص، والصادر عن منشورات بتانة في بداية هذا العام. عند التعاطي الأول مع الكتاب ندهش لعنوانه بعض الشيء، حيث أن مصطلح شعرة معاوية، والذي يعبر عن حلم معاوية بن أبي سفيان في التعامل مع خصومه وأعوانه على حد سواء، حيث يضرب المثل بذلك الحلم الذي مكن معاوية من كل ما يريد. وعلى عكس معاوية لم يكن السادات حليما مع خصومه، بل كان سريع الغضب، وسريعا في تكوين العدوات، وفي دخول الصراعات بشكل أضحى مبالغ فيه في نهايات حياته. ورغم الاندهاش من عتبة الكتاب، لكن محتواه ينتصر لتلك الفكرة، التي تؤكد أنه لو اتسمت مواقف السادات مع خصومه بحلم معاوية بن أبي سفيان، لربما لم يكن المشهد الأخير في حياته بتلك المأساوية. من المقدمة نلمس ذلك الحيز الموضوعي الذي سيلتزم به القصاص بشكل كبير على مدار فصول الكتاب، وهو شكل موضوعي يغيب عن الكثير من الكتابات التي تتناول فترة رئاسة السادات، أو تتناول شخصيته سواء بالنقد اللاذع أو بالدفاع الذي يرفعه لمكانة صاحب البصيرة النورانية. يفند القصاص في كتابه صراعات السادات منذ توليه الحكم بعد موت عبد الناصر، حيث اصطدامه الأول مع مراكز القوى الذين رأوا فيه كيانا أقل من الزعيم ناصر. يفرد الكاتب صفحات وفصول لتركيز على كيفية إطاحة السادات بمراكز القوى فيما سماه الرئيس ثورة التصحيح في مايو عام 1971. كما أنه يتطرق إلى علاقة السادات بالصحفي الأشهر محمد حسنين هيكل، وكيف بدأت بنفس شكل علاقة هيكل بعبد الناصر، حيث وقف هيكل مع السادات ضد مراكز القوى، ثم ما لبثت أن انقلبت العلاقة إلى خصومة تجاوزت حتى وفاة السادات نفسه. تطرق القصاص إلى صعوبات الحرب والسلام، وإلى التركة الثقيلة التي ورثها السادات في هذا الملف، وعن فكرته الثورية بالنسبة للسلام، وعن رفض القصاص نفسه لذلك السلام عندما كان شابا صغيرا. ولكنه يعود ليؤكد أن السادات كان سابقا لعصره، وهذا ما أثبته التاريخ، وأثبته خصوم السادات أنفسهم بعد ذلك، عندما ذهبوا للتفاوض مع زخم أقل بكثير من وقت السادات. يعرج الكتاب أيضا على صراعات السادات في الجبهة الداخلية، وهنا نرى اللغة والأسلوب تتغير بعض الشيء؛ لتصبح من الدفاعية عن الرئيس الراحل حيث كانت في فصول نقد هيكل، وصراع مراكز القوى، والحرب والسلام، إلى نبرة أكثر موضوعية، بل يمكننا القول نبرة لا تدافع عن السادات، بل تدينه. يحلل هنا القصاص الصراع السياسي، واستخدام السادات للجماعات الإسلامية، وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين في محاربة الشيوعيين واليساريين والناصريين، وكيف أعطاهم الشرعية من جديد؛ حتى أطاحوا به من الحياة كلها. كما يتطرق إلى الصراع التاريخي مع البابا شنودة، وعزله وذهابه للمنفى، ويتحدث عن الأفكار السياسية للسادات، ورؤيته للأحزاب، وصراعه مع المعارضة، وكيف أن كل تلك الصراعات صدعت الحياة السياسية في مصر. في النهاية يمكننا القول أن أكرم القصاص استطاع أن يعرض في قالب موضوعي متوازن إلى حد كبير صراعات السادات وخصوماته، بدفاع في بعض الأوقات، لكن بإنصاف. هنا وضع الكاتب يده على لحظة دقيقة في التاريخ المصري المعاصر حيث رئيس غير الكثير، ورحل بدراميا كبيرة شديد الغضب، ومغضوب عليه بنفس القدر.