لا يمر شهر الآن إلا ويسود العلاقات التركية الإسرائيلية التوتر بسبب أزمة جديدة. وكل زيادة فى التوتر تفتح جرحا جديدا فى العلاقات بين البلدين. وبعد أزمة «الدقيقة الواحدة» وتلك التى أثارها نائب وزير الخارجية الإسرائيلى دانى أيالون، يأتى الآن الهجوم المسلح على سفينة مساعدات تحمل العلم التركى فى المياه الدولية. كانت هذه هى المرة الأولى التى تسيل فيها دماء العلاقات التركية الإسرائيلية. فكيف يمكن للدماء التى أريقت أن تصلح هذه العلاقات؟ والقول بأن «تركيا لن تشن الحرب بأى حال. وما حدث قد حدث، ودعونا نتطلع الآن للمستقبل»، كما صرحت السلطات الإسرائيلية، كلام غير مقبول. ولن يكفى كذلك نجاح تركيا فى حشد المؤسسات الدولية لإدانة إسرائيل، ولا بياناتها شديدة اللهجة أو مظاهرات الاحتجاج. كذلك، فإن الاعتداء على المواطنين الإسرائيليين أو اليهود أمر غير مقبول وينبغى رفضه. كما أن تعليق العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياسية والعسكرية بين تركيا وإسرائيل لن يحل المشكلة. ما الذى ينبغى عمله إذن؟ علينا أن ندرك أن هناك إدارة يمينية فاشية متطرفة تحكم إسرائيل الآن وتتعمد زيادة حدة التوتر. وهذه الحكومة الفاشية تعمل من أجل تحويل إسرائيل إلى كوريا الشمالية فى الشرق الأوسط، وتلحق الدمار بديمقراطيتها وتسيطر على الرأى العام فى البلاد بإقامة أنفاق للخوف. وقد ازدادت عزلة الرأى العام الإسرائيلى عن العالم وأصبح يرفض استعباده من قبل هذه الإدارة الفاشية. ولهذا السبب، وحتى نحدد شكل العلاقات التركية الإسرائيلية فى المستقبل ينبغى إقامة العلاقات مع الجهات الإسرائيلية الرافضة للعنف، من منظمات أهلية، وأحزاب سياسية ومثقفين. وعلينا كذلك التوصل إلى آليات جديدة للتعاون فى الشرق الأوسط تضم المؤسسات والمثقفين الإسرائيليين المؤمنين بالسلام. ومن الممكن البدء فى بذل الجهود لإنشاء «منتدى تحقيق الاستقرار والتعاون فى الشرق الأوسط» لتهيئة الأجواء للحوار. وبالتوازى مع هذا المنتدى، يمكن تأسيس «بيت الشرق الأوسط» كمنتدى مشترك يجمع بين المثقفين ومنظمات المجتمع المدنى فى الشرق الأوسط. كما أنه من الممكن تأسيس «نادى الشرق الأوسط» بمشاركة رؤساء الدول السابقين. وبهذه الطريقة، وعبر ترك الباب مفتوحا أمام أعلى مستويات الحوار غير الرسمى، يمكن وضع حد للصراعات التى تشهدها المنطقة، أو الحيلولة دون ظهور صراعات جديدة فى المستقبل. ومن الممكن توقيع «خطة عمل للتعاون فى الشرق الأوسط» بين دول المنطقة. وبهذه الطريقة، يمكن إحياء التعاون الاقتصادى والثقافى والتعليمى فى المنطقة. إضافة إلى هذا، يمكن إقامة منظمة «التعاون الاقتصادى فى الشرق الأوسط» للعمل من أجل تحقيق المزيد من الازدهار فى منطقة الشرق الأوسط. ولكى نبنى المستقبل، لا ينبغى أن نكتفى بالنظر إلى الصورة الجزئية للعلاقات التركية الإسرائيلية، بل علينا رؤية الصورة الكبيرة ككل. وهذا يعنى أن علينا التفكير فى كيفية إقامة روابط الأخوة التركية اليهودية من جديد. وحتى إذا كانت ذاكرة الجماهير ضعيفة فيجب أن تكون ذاكرة الدول والمثقفين أقوى. فاليهود والمسلمون جيران. وهم مثل أفراد أسرة واحدة تفصل بينهم الحدود. ومنذ عهود الإسلام الأولى، عاش المسلمون واليهود معا فى الشرق الأوسط، وإسبانيا الأندلسية، وبلاد الإمبراطورية العثمانية، والقوقاز وآسيا الوسطى. كما وقف أبناء الديانتين المتآخيتين، اللتين تتشابهان فى بعض الجوانب، معا فى وجه الأخطار على مدى القرون. وناضلوا معا ضد الصليبيين. وبينما كان المسلمون يتوسعون، عمل أبناء الديانتين معا. وعلى سبيل المثال، عاش المسلمون واليهود معا فى عهد حكم الخلفاء الأربعة، واستقروا معا فى المدن التى فُتحت خلال توسع الإمبراطورية العثمانية (مثل بورصا وإدرين وإسطنبول). وعندما تقهقر المسلمون، عاد اليهود أيضا إلى المركز حيث المناطق الأكثر أمنا. وبتوصية من إسبانيا الأندلسية، وجد العرب واليهود المأوى فى الدولة العثمانية. وفى القرن التاسع عشر، استقر المقام باليهود والمسلمين من البلقان والقوقاز والقرم فى مناطق آمنة داخل الإمبراطورية العثمانية. وكان خلاف اليهود الحقيقى مع أوروبا. ففى عام 70 الميلادى، مهد تدمير الإمبراطورية الرومانية لمدينة القدس وظهور معاداة السامية السبيل أمام الضغوط العنيفة والتطهير العرقى الذى خضع له اليهود خاصة فى وسط أوروبا والذى استمر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. ويعود سعى اليهود إلى إقامة دولة آمنة لهم خلال القرنين التاسع عشر والعشرين إلى عدم توفير العيش الكريم لهم فى أوروبا. وفى الوقت الراهن، وبعد انتهاء الحرب الباردة، يندفع المسلمون واليهود نحو فتنة حمقاء. وقد دب النزاع بين الديانتين اللتين عاشتا فى إخاء على مدى 1400 عام خلال القرن المنصرم، بسبب عنصرية أوروبا الوسطى. ومن الضرورى الخروج من هذا الوضع والتوصل إلى إستراتيجيات جديدة تهدف إلى تحقيق التضامن بين المسلمين واليهود فى القرون القادمة. وبدلا من زيادة الخلافات والنزاعات، يجب وضع استراتيجيات تضمن استعادة روح الإخاء بين الديانتين. اسطنبول نقلا عن صحيفة Today's Zaman التركية