رئيس جامعة المنيا يهنئ البابا تواضروس الثاني بعيد القيامة    الداخلية تُنظم ورشتي عمل لطلبة الجامعات والمؤسسات الأهلية لمواجهة مخططات إسقاط الدول    "البدوي": نرفض امتهان الكرامة العربية في الخطاب الأمريكي.. والعربي الحر يموت من أجل كرامته    جامعة أسيوط تطلق أولى محاضرات اللغة الروسية بمشاركة الدكتورة لينا فلاديميروفنا من جامعة بياتيجورسك لتعزيز التعاون الدولي    إعلان نتيجة التظلمات للمتقدمين لشغل 7576 وظيفة معلم مساعد قرآن كريم بالأزهر الشريف    الزراعة: تجهيز لجان استلام القمح 2026 في كافة المواقع التخزينية    وزير الصناعة يناقش حوكمة منظومة طرح الأراضي وتبسيط الإجراءات أمام المستثمرين    استقرار سعر الدولار مقابل الجنيه المصري اليوم السبت 11 أبريل 2026 بعد آخر تراجع    تفاصيل طرح وحدات سكنية جديدة للموظفين بالعاصمة الإدارية.. الأسعار وموعد الاستلام    وزارة الزراعة تختتم برنامجا تدريبيا لتمكين ذوي الهمم بمشروع «وقاية النباتات»    أسعار الخردة والكتب القديمة في سوق المستعمل    تشميع 43 محلًا ومنشأة تجارية مخالفة لقرار الإغلاق بأسيوط    مسؤول: أمريكا لم توافق على إلغاء تجميد أصول إيرانية    هرمز على طاولة المفاوضات.. هل تدفع التجارة العالمية الثمن؟    هاتفيًا.. وزير الخارجية ونظيره الجنوب أفريقي بحثان التطورات الاقليمية    البيت الروسي بالقاهرة يزور وكالة الفضاء المصرية احتفالًا بيوم الفضاء العالمي والذكرى ال65 لأول رحلة بشرية للفضاء    صحة غزة: الاحتلال الإسرائيلي يعرقل سفر أكثر من 21 ألف و500 فلسطيني لتلقي العلاج    وزير «الصحة» يعلن الاستعداد لدعم الكويت وإرسال فرق طبية إلى لبنان    بعثة شباب بلوزداد تصل القاهرة الثلاثاء لمواجهة الزمالك    إبراهيم نور الدين: لم يتم تكليفي برئاسة لجنة الحكام وربنا يولي من يصلح    سلوت يكشف ملامح خطة ليفربول لتعويض رحيل صلاح وروبرتسون    مشاجرة بالأسلحة البيضاء تسفر عن إصابة 4 أشخاص فى الدقهلية    إحالة سائق سيارة للمحاكمة بتهمة قتل شاب بالخطأ في حدائق القبة    القبض على المتهم بالتحرش بطفلة في سيناء    تأجيل محاكمة "عريس البراجيل" المتهم بقتل الطفلة رقية    تحذير عاجل من الأرصاد للمواطنين بشأن حالة الطقس    دهسه وفر هاربا.. عرض السائق المتسبب في وفاة طفل النزهة على الطب الشرعي    تصريح بدفن جثة شاب أنهى حياته شنقًا داخل عشة زراعية بقليوب    محافظ الجيزة يكلّف برفع درجة الاستعداد لاستقبال عيد القيامة المجيد وشم النسيم    وزيرة الثقافة تتابع الاستعدادات النهائية لحفلات وعروض أعياد الربيع وعيد القيامة بالمحافظات    فيلم برشامة يحتل المركز الثالث بقائمة الأفلام الأكثر تحقيقا للإيرادات    بعد إثارته للجدل، نقابة القراء تمنع التعامل مع هشام عنتر بسبب قرائته وأحكام التجويد    جامعة القاهرة تواصل فعاليات موسمها الثقافي بمحاضرة «مصر في عالم مضطرب إقليميا ودوليا»    وزيرة الثقافة تطمئن على صحة الفنان عبد الرحمن أبو زهرة وتتابع حالته    حكم الحجاب مع ظهور الشعر والرقبة.. أمين الفتوى يوضح الرأي الشرعي الكامل    في 30 يومًا.. إقبال كبير على «100 مليون صحة» بسوهاج.. 150 ألف مستفيد    وزارة الصحة: تناول الفسيخ الفاسد قد يؤدي إلى الإصابة بالتسمم الغذائي    نجاح إجراء أول حالة سحب جلطة حادة بالمخ بمستشفى طيبة التخصصي بإسنا    أهمها تشوش الذهن.. ماذا يحدث لجسمك عند النوم أكثر من اللازم؟    عاجل- قوافل طبية مجانية تصل آلاف المواطنين.. الحكومة تكشف تفاصيل جهود اللجنة الطبية العليا في دعم القطاع الصحي    حسين عبد اللطيف يكشف قائمة ناشئي الفراعنة استعدادًا لنهائيات أمم أفريقيا بالمغرب    مكتبات مصر العامة تتجاوز نصف مليون زائر بالجيزة والمتنقلة تخدم قرابة مليون ونصف    "اتجوز واحدة بس".. محمد الحلو يحسم موقفه من الزواج المتعدد    في ذكراه.. كيف نجح محمود الجندي في تنويع أدواره الفنية؟    أربيلوا: نستحق ركلة جزاء أمام جيرونا.. وسنواصل المنافسة على الدوري    دعاء الفجر.. اللهم إنى وكلتك أمرى فأنت خير وكيل    شبح الدكة يطارد مصطفى محمد في مباراة أوكسير ضد نانت الليلة    السيسي يهنئ البابا تواضروس وأقباط مصر بمناسبة عيد القيامة المجيد    رفاهية أوروبية.. مواعيد قطار تالجو ومحطات الوقوف اليوم السبت 11-4-2026    اعتراض مسيّرة فى كريات شمونة وصفارات إنذار تدوى بالجليل الأعلى    الدوري الممتاز| الأهلي يواجه سموحة اليوم على استاد القاهرة    مواقيت الصلاه اليوم السبت 11ابريل 2026 بتوقيت محافظه المنيا    رغم محاولات إثيوبيا منع المياه عن مصر، شراقي: زيادة إيراد السد العالي    السبت العظيم.. استعدادات مكثفة في كنيسة القبر المقدس بانتظار النور المقدس    ميلان يسعى لمصالحة جماهيره ضد أودينيزي بالدوري الإيطالي    هل يجوز أن تكون شبكة الخطوبة فضة؟    اتفاق الزوجين على الطلاق الرسمي ثم المراجعة الشفوية «حرام»    بمشاركة وزير الشباب والرياضة.. ختام مميز للنسخة 14 من بطولة الجونة للإسكواش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فاروق جويدة يكتب : إلى أين تحملنا ميلشيات الفكر؟
نشر في الشروق الجديد يوم 02 - 05 - 2010

أزعجني كثيرا ما وصلت إليه لغة الصراع ولا أقول لغة الحوار بين أهل الثقافة في مصر الآن.. تحولت مواكب الفكر والعقل والإبداع إلى ميلشيات تستخدم كل ما لديها من إمكانيات الردع والتصفيات رغم أن أعظم ما في الفكر سماحته، وأجمل ما في الحوار لغته رقيا وترفعا.. وكان أعظم ما في مصر هذه النخبة التي شيدت هذا الدور الثقافي والحضاري لرائدة الثقافة العربية.
من يتابع الآن المعارك التي تدور بين من يسمون أنفسهم دعاة الفكر يجدها تعكس خللا في الرؤى.. وسقوطا في لغة الحوار واعتداء صارخا على كل قيم الفكر والثقافة.. لا ينبغي أن نختصر واقعنا الثقافي بكل تراثه التاريخي في تيارين لا ثالث بينهما وبعد ذلك نتصور أن ذلك يخلق مناخا صحيا في الفكر والإبداع.. حين نجد أنفسنا أمام خيارين كلاهما مر تتحول الأقلام إلى سهام.. ويصبح الصراع بديلا عن خلاف الرأي وهنا تفقد النخبة أهم مقومات وجودها في الوعي والفهم والرسالة.
صراع الدين والعلمانية
كان من الظلم للثقافة المصرية العريقة أن تختصر نفسها فى تيارين لا ثالث بينهما.. نحن أمام تيار يرتدى عباءة المعاصرة والحداثة والتنوير ويرفض كل الثوابت ويرى أن الهجوم على الأديان هو طريقة لفرض سيطرته الفكرية، بل والسياسية على واقعنا الثقافى.. وهذا التيار تسانده بقوة مؤسسات الدولة الثقافية فى السنوات الأخيرة..
أما التيار الثانى فهو يرتدى عباءة الدفاع عن الثوابت الدينية والأخلاقية ويقف وراء هذا التيار معظم المؤسسات الدينية والتربوية، بل والتعليمية فى أحيان كثيرة..
إن دعاة التنوير والحداثة يعتقدون أن التخلص من الثوابت هو أول خطوة نحو دولة عصرية قادرة على مواجهة أعباء المستقبل بينما يرى المدافعون عن الثوابت أن دعوات التنوير والحداثة لها أهداف سياسية واضحة وهى تمثل أصواتا لقوى أجنبية تسعى إلى تخريب هذه الأمة وتشويه جذورها الحضارية والثقافية.. بمعنى آخر، هناك تيار يدعو لدولة تحكمها الثوابت الدينية والأخلاقية التى لا غنى عنها فى أى مجتمع من المجتمعات وهذا يعنى باختصار شديد أننا أمام دعاة العلمانية وفصل الدين عن الدولة ودعاة الفكر الدينى بكل تراثه التاريخى والفكرى.
يظهر هذا التناقض الشديد بين تيارين فى المدرسة، حيث يتحدث المدرس عن الآخرة وعذاب القبر بينما يتحدث دعاة المعاصرة عن الشذوذ والحريات وحقوق الإنسان وعبدة الشيطان ولغة الجسد فى الإبداع.
كانت المعارك بين التيارين حتى وقت قريب تتسم بالسخونة الشديدة ولكنها كانت تحتكم أحيانا للعقل ولغة الحوار وآداب الحديث.. ومنذ سنوات بدأت رحلة التجاوزات التى سرعان ما تحولت إلى اتهامات ووجدنا أنفسنا أمام صراع حقيقى لا يستخدم أدوات الفكر وأساليبه ولكنه يلجأ إلى كل ما هو مشروع أو غير مشروع لهزيمة التيار الآخر..
لقد وصل الصراع بين دعاة العلمانية ودعاة الدولة الدينية إلى ساحات القضاء ولم يعد غريبا أن يصدر حكم قضائى يدين قصيدة شعرية أو يتهم كاتبا بالتهجم على الدين.. وأصبحت ساحات القضاء مجالا واسعا للخصومات الفكرية والدينية تصدر فيها الأحكام وتفرض فيها الغرامات..
وقد شجع على هذا المناخ المغالاة فى الهجوم على الدين أو الدفاع الشديد عن المفاهيم العلمانية.. وإذا كانت المجتمعات الأخرى قد شهدت هذه الصراعات بقوة فى أزمنة مضت إلا أن المجتمع المصرى كان يتسم دائما بأن هناك مناطق فكرية تستطيع أن تجذب الغالبية من أصحاب الفكر وهى الوسطية التى تميز بها الفكر المصرى عبر العصور.. كانت هناك كتائب دينية وأخرى علمانية وبينهما مساحة عريضة تقدر ثوابت الدين بكل تأثيرها ولا ترفض الفكر المعاصر بما فيه من منظومة الحداثة.. كانت الشخصية المصرية تميل كثيرا إلى تلك المنظومة الوسطية التى لا تتعارض إطلاقا مع أصول العقائد الدينية والبحث عن مفاهيم معاصرة فى الحريات والدولة المدنية وفتح الآفاق لعقل الإنسان وفكره بما فى ذلك حق الاختلاف والحوار والاعتراف بالآخر.
تيار التنوير يستقوي بالسلطة والعلاقة بالخارج
كانت أمام التيار التنويرى فرص واسعة فى علاقته بالسلطة وقد استخدم أدواتها الثقافية ومسئوليها لتحقيق أهدافه وكان فى مقدمتها تهميش كل ألوان الفكر الأخرى.. ودخل هذا التيار حظيرة الدولة وجنى الكثير من مكاسبها وتحول فى أحيان كثيرة إلى مجموعة من الأبواق التى تدافع بالحق والباطل عن بعض المفاهيم وبعض القرارات والكثير من الأخطاء وهنا اختلطت المصالح بالفكر وفقد هذا التيار الكثير من مكاسبه أمام حسابات خاصة ومكاسب سريعة.
لم يكتف هذا التيار بالسلطة وحدها وما تقدمه من أموال وجوائز وسفريات ومؤتمرات.. بل إنه حاول الاستعانة بقوى خارجية تحت ستار الحوار مع الآخر أو توحيد جبهات المواجهة ضد الإرهاب الفكرى ممثلا فى الدين..
واستطاع هذا التيار أن يكتسب دعما خارجيا غير مسبوق تجسد فى معونات كثيرة تقدمها الدول الغربية للأنشطة الأهلية وجمعيات حقوق الإنسان.. وحاول هذا التيار الاستقواء بهذا الدعم المعنوى والمادى خاصة مع موجات الترحيب المتلاحقة بفرسان هذا التيار على كل المستويات السياسية والفكرية.
ولا شك أن هذا التيار نجح فى إنشاء تشكيلات إعلامية وفكرية وثقافية جمعت بينها لغة المصالح أكثر مما جمعتها لغة الفكر والمبدأ.. بل إن هذا التيار وجد دعما كبيرا من السلطات الأمنية التى رأت أن من واجبها ومسئولياتها أن تكون شريكا فى هذه المواجهة الفكرية وليس الأمنية فقط وقد نجحت أجهزة الأمن فى استقطاب أسماء كثيرة فى الصحافة والإعلام ومؤسسات الفكر للقيام بهذا الدور الغريب..
وربما كان أخطر ما أسفرت عنه هذه العلاقة بين أهل الفكر وسلطات الأمن أن الأدوار كبرت وتجاوزت فى أحيان كثيرة منظومة الأمن الداخلية لتبحث عن سلطات أكبر وأوسع وأشمل وقد نكتشف فى يوم من الأيام أبعاد هذه العلاقة، خاصة فى مجالات الإعلام والفضائيات والنشر والصحافة، لقد تمددت هذه المصالح ووصلت إلى آفاق عالمية من خلال مؤسسات أمنية تسعى لتهجين الفكر واستخدامه فى معارك الأمن والاستقطاب والسياسة.
بالونات فكرية مثيرة للجدل
ولعل ذلك كله يفسر لنا هذه الأضواء السريعة والساطعة التى أحاطت بأسماء كثيرة ورأينا بالونات فكرية تثير الجدل وتحصل على الدعم وتتلقى الجوائز وتترجم أعمالها إلى كل اللغات.
إن صناعة هذه البالونات تدخل فى إطار منظومة أكبر على المستوى السياسى والفكرى والعقائدى.. كان من السهل أن تبدو فى الأفق أضواء فسفورية فى صفحات من الفكر المنحرف أو هدم المقدسات أو تجارة العرى والجنس، وكان من السهل رصد هذه الظواهر التى لم تخجل من الكشف عن نواياها وأهدافها..
وفى هذا السياق وجدنا الهجوم الضارى على الأديان كل الأديان.. ومحاولة تشويه كل الرموز الدينية والسياسية والفكرية.. ومناصرة تيار على آخر وتكوين تربيطات إنسانية بين أصحاب هذا الاتجاه ومحاولة الطعن فى مصداقية كل شىء ابتداء بالشواهد الدينية وانتهاء بالنصوص المقدسة، ورغم كل الإنجازات والمكاسب التى حققها هذا التيار على المستوى الرسمى المحلى بل والعالمى فإنه لم يستطع أن يحقق نفس الدرجة من الإنجاز على المستوى الجماهيرى بين المواطنين وبقى محدود التأثير فى قطاعات كبيرة من البشر.
الأصوليون يستندون للشارع
فى الجانب الآخر من المعركة يقف تيار آخر لا ندرى بماذا نسميه هل هو اتجاه دينى أو تراثى أو أصولى، والغريب أنه لا يدافع عن الإسلام وحده ولكنه يتصدى لكل من يحارب فكرة الأديان تحت دعوى ضرورة الفصل بين الدين والسياسة.. فى هذا التيار تجمعت أسماء كثيرة إسلامية وقبطية من الوسطيين والمتشددين.. كان هذا التيار يرى أن أخطر ما فى هذه المواجهة هو تشويه صورة الأديان نصا وفكرا وعقيدة، والتشكيك فى كل رموزها..
وقد استخدم هذا التيار وسائل عديدة فى هذه المواجهة.. أول هذه الوسائل تلك العلاقة الحميمة بين الشارع المصرى والأديان السماوية.. إن المصريين مؤمنون بالفطرة.. ويمكن أن تلقى التراب على أى شىء فى مصر إلا أن تهدر قدسية عقيدة أو مكان أو رمز من الرموز.. ولم ينجح تيار التنوير فى استقطاب الشارع المصرى بكل طبقاته، خاصة أن الطبقة الوسطى الذى كان من الممكن أن تكون أرضا خصبة لهذا التيار قد تراجع دورها وفقدت الكثير من رصيدها وتأثيرها ووجودها أمام فساد منظومة التعليم وتراجع قيمة الثقافة.
يمكن أن يقال إن المعركة بين التيارين لم تكن متوازنة لأن الشارع بطبيعة تكوينه يميل أكثر إلى الفكر التقليدى، وفى مقدمة ذلك موقفه من الأديان.
من أخطر المجالات التى نجح فيها هذا التيار المحافظ المدارس والجامعات.. لقد تخرجت أجيال كاملة فى كليات التربية التى عملت بالتدريس وكانت صاحبة الدور الأكبر فى نشر هذا التيار الدينى المحافظ فى فكر الأجيال الجديدة، وانتقل ذلك بالضرورة إلى الجامعات، وكانت هى الأرض الخصبة التى انتشر فيها فكر المحافظين.
الدولة تخلط بين عداء الإخوان والموقف من الدين
وبجانب هذا النجاح كان انتشار الفضائيات الدينية أخطر إنجازات هذا الفكر، خاصة أمام انتشار الأمية وحالة التردى التى أصابت واقع مصر الثقافى، والغريب فى الأمر أن هذا الصراع الدامى بين دعاة التنوير والمحافظين استخدم كل الأساليب المشروعة وغير المشروعة فى هذه المعركة بل إن الدولة وهى تخوض حربها ضد جماعة الإخوان المسلمين قد خلطت الأوراق ولم تفرق بين عدائها للإخوان وموقفها من الأديان.. سقطت المؤسسات الثقافية فى هذا الخطأ التاريخى حين وضعت نفسها طرفا فى لعبة تقودها أطراف خارجية لتشويه الثقافة العربية تاريخا وحاضرا ومستقبلا.
كان من الخطأ الشديد أن يصبح كل من له علاقة بالدين إرهابيا وأن تتحول الطقوس الدينية إلى اتهامات وإدانات وأن تتغير أحداث التاريخ فى المناهج الدراسية وأن يطالب البعض بحذف بعض الآيات القرآنية التى تتحدث عن عقائد أخرى، خاصة ما يتعلق ببنى إسرائيل من أجل اتفاقية السلام..
كان من الممكن أن نسعى إلى ترشيد الفكر الدينى المتطرف دون أن نهاجم ثوابت العقيدة، وكان من الممكن أن نسعى إلى استخدام العقل والدعوة لذلك بصورة أفضل ولكن البعض تصور أن الهجوم على الدين يعنى المعاصرة وأن تشويه صورة العقائد هو الحداثة، وظهرت بعض النفوس المريضة وكأن بينها وبين الأديان ثأرا قديما فاستخدمت كل أساليب الهدم والتدمير ضد الثوابت الدينية..
ومع ارتفاع نسبة الأمية ومع اتساع مساحات الخلل الفكرية والانحطاط الثقافى، كان الهجوم على الدين سلوكا وحشيا افتقد الأمانة والمصداقية والنوايا الحسنة، وقبل هذا افتقد الطرفان لغة الحوار التى ينبغى أن تكون هى المعيار السليم بين رأى وآخر وتدفقت أموال نفطية كثيرة على الفضائيات الدينية، وعلى الجانب الآخر تدفقت أموال غريبة كثيرة على دعاة التنوير والحداثة.. وكانت الثقافة المصرية هى الضحية.. وكان العقل المصرى أكبر الخاسرين..
الحوار والوسطية ضحية معارك الدين والتنوير
وأمام دعاة التنوير والحداثة والمدافعين عن التراث والثوابت دارت معارك طاحنة كان الضحية فيها اتجاه وسطى يؤمن بالحوار ولا يفتقد الثوابت ولا يتعارض مع الحداثة.. ولكن هذا الاتجاه تراجع مع الضغوط التى حاصرته من هنا وهناك.. وللأسف الشديد فإن المؤسسات الثقافية لعبت دورا غاية فى السوء فى إشعال هذه المعارك دفاعا وهجوما ودعما، وكانت الضحية فى كل الأحوال هى واقع ثقافى تشرذم وترهل وفقد أهم مقوماته وهى التنوع والحوار..
وأمام غياب النشاط السياسى وتراجع دور الأحزاب السياسية وأمام تحريم النشاط السياسى فى الجامعات المصرية.. وأمام الفراغ الدينى والفكرى بين الأجيال الجديدة استخدم كل فريق أدواته الإعلامية فى هذا الصراع ما بين الإعلام التقليدى من الصحافة والفضائيات والإعلام الحديث ممثلا فى الإنترنت وما بعده، وهنا اتسعت المواجهة ووصت إلى مناطق أبعد ما تكون عن الرأى والفكر والحوار..
أمام هذه الانقسامات والمعارك والتحديات والهجوم المتبادل غابت لغة الحوار واختفت تلك الأصوات العاقلة التى تملك القدرة على إعادة التوازن للمناخ الثقافى المتأزم، وللأسف الشديد فإن الأجهزة الثقافية المسئولة شجعت هذا التوجه حين أبعدت بعض التوجهات واستقطبت توجهات أخرى، وأصبح هناك ما يشبه القطيعة بين مثقفى الوطن الواحد..
أسلحة غير مشروعة في معارك فكرية
تحولت الثقافة المصرية إلى جزر أطلق عليها البعض الاتجاهات السلفية التى تقف وراء ثوابت الدين بينما انطلق اتجاه آخر، يتصور أن الدين هو الخطر الحقيقى على تقدم المجتمع.. ومع قضايا الإرهاب كان من السهل جدا أن تتحول المواجهة إلى حرب فكرية بين ميلشيات تتصور أن بقاء الآخر هو أكبر تهديد لها.
وحين غابت لغة الحوار المترفع القائم على العقل والمنطق زاد حجم المهاترات واتسعت درجة الاتهامات وتحولت الحياة الثقافية إلى خنادق فكرية وكل قطيع يسعى لتصفية الآخر وليس الحوار مع هذا الآخر.
وجدنا دعوات صريحة بتصفية كل تيارات فكرية تعادى جبهة التنوير..
ودعوات أكثر صراحة بتكفير الكثير من رموز هذا التيار والتشكيك فى ولائهم على المستوى الدينى والوطنى، بل وصل الأمر إلى إصدار الفتاوى وإسقاط الجنسيات والاستعانة بمؤسسات حقوق الإنسان العالمية.. لقد تحول هذا الصراع الدامى بين أصحاب الفكر من السلفين والتنويرين إلى ميلشيات حملت السلاح ضد بعضها، فهذا يطالب بتكفير ذاك وهذا يطالب السلطة بأن تكون أكثر حسما فى مواجهة دعاة الرأى من الإرهابيين..
وما بين الإرهاب والتكفير سقطت وسطية الفكر المصري التي قام عليها دور مصر الثقافي قرنا كاملا من الزمان، ومع سقوط هذه الوسطية سقطت النخبة المصرية في هذا الصراع الذي تدخلت فيه عناصر كثيرة، ابتداء بأجهزة الأمن والثقافة وانتهاء بالاستقواء بمؤسسات وأموال ومعونات خارجية. ولا شك أن هذا الصراع دخل بنا إلى مناطق غير آمنة على كل مستويات الفكر والأمن.
كان من أخطر نتائج هذا الصراع الدامي أن لغة المصالح تجاوزت كثيرا لغة الفكر، خاصة أن أموالا كثيرة تدفقت بين أنصار كل تيار. أموال الحكومات والمؤسسات والجوائز والأسفار والمنح والفضائيات والهبات القادمة من كل جانب.
تدفقت أموال من مؤسسات غربية كثيرة لدعم أنصار الحداثة.. وتدفقت أموال أخرى من مؤسسات عربية خاصة وحكومية ووصلت الأرقام والحسابات إلى مستويات خيالية، وهنا سقطت قدسية الفكر وسماحة الرأى ووجدنا عمليات تجنيد واستقطاب وشراء شملت أسماء كثيرة من أصحاب الفكر وأساتذة الجامعات..
تضاؤل فكري أضاع فرص الحوار
هنا أيضا تدخلت السلطة الثقافية تحت دعوى الدفاع عن الفكر وثقافة الوطن ودعاة التقدم ولكنها فى الحقيقة كانت تدافع من خلالهم عن سياسات خاطئة وأهداف مشبوهة وعمليات نهب للمال العام تسترت فى معارك الفكر والثقافة، وللأسف الشديد فقد سقطت فى مستنقع الدفاع عن هذه المواكب الفاسدة أقلام كثيرة كانت يوما محل تقدير واحترام ونزاهة، ولكن يبدو أن طوفان الفساد كان هو الأقوى.
إن صورة المثقفين المصريين سواء من وقفوا فى حظيرة الدولة من دعاة التنوير أو من استعانوا بسلطة الأديان تعكس حالة من حالات التراجع فى الفكر والحوار.. ولعل أخطر ما فى هذه المواجهة أن كل فريق من الفريقين المتصارعين لا يرى حقا للآخر فى البقاء.
إن كل فريق يسعى لتدمير الآخر تماما وليس الحوار معه وحين يسود منطق التصفيات بين أهل الفكر يختفى الحوار وتفسد النخبة.. وتسود الغوغائية ولا يسمع أحد صوت الآخر..
من ينقذ النخبة المصرية العريقة من ميلشيات المثقفين وحروبهم الوهمية ولغة المصالح التى أفسدت كل شىء؟!!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.