عُرِضَ في رمضان هذا العام 33 مسلسلا عبر القنوات الفضائية ومنصات العرض الرقمية ليقع المشاهد في حيرته السنوية عند اختيار ما يستحق المتابعة. ومع شُح المعلومات عن قياس معدلات المشاهدة "ميتر المشاهدة"، أصبح التفاعل عبر وسائل السوشيال ميديا أحد أهم الأدوات النوعية لتخمين ردود أفعال الجماهير تجاه الأعمال المعروضة. برز مسلسل "الهرشة السابعة" كأحد المسلسلات الواعدة من خلال برومو شيق ذو لمحة غربية في المونتاج و سَمْت الحوار. كتب السيناريو فريق كتابة تماشيا مع تيار ورش الكتابة المتسارع حديثا. قاد الفريق "دينا نجم" و أشرف على الورشة "مريم نعوم" في تركيبة تذكرنا بتجربة ناجحة سابقة لمسلسل "ليه لأ". أما الإخراج لكريم الشناوي الذي اكتسب رصيدا جماهيريا كبيرا بعد نجاح مسلسل "خلي بالك من زيزي". ملامح تفرد المسلسل تجلت منذ البداية مع تتر المقدمة الذي اعتمد على رسومات تعبيرية بسيطة تتناغم مع صوت "هاني الدقاق", الدافئ. مَهَّدَ الشناوي بذكاء عبر تلك المقدمة لأجواء المسلسل .الموسيقى التصويرية الناعمة لخالد الكمار و مختارات أغاني "الأندر جراوند" العربية عموما سيتم توظيفها عبر الحلقات في تكثيف المشاعر. "الهرشة السابعة" دراما نفسية اجتماعية، عن رحلة زواج حبيبي الطفولة آدم "محمد شاهين" ونادين "أمينة خليل" المنتميين إلى الطبقة "فوق المتوسطة". يحاولان معا الابحار بمركب الزوجية عبر دوامات الحياة المادية المعاصرة إلى شاطئ الأمان. لعب الحوار العائلي اليومي بين الزوجين دور البطولة في تحفيز الدراما و تحريك الأحداث. آدم مهندس معماري شاب يخفي إرثا ذكوريا شرقيا أسفل قشرة من نمط الحياة المعاصر تذوب عند كل منعطف للعلاقة. نادين مهندسة ديكور شابة تعاني صراعا عاصفا بين إيثار النفس من أجل العائلة و بين انسحاق طموحها الشخصي. كلاهما يستكشف الطور الجديد لعلاقتهم القديمة فيتفاجأ بنسخة جديدة من شريك حياته لم يعهدها من قبل. الخط الدرامي الثاني هو شريف "علي قاسم" و سلمى "أسماء جلال". علي شاب ذو أصول مختلطة يحمل أفكارا تقدمية متمردة على ثوابت المجتمع .يسعى لعيش نمط حياته الخاص رغما عن العالم. أما سلمى فتاة متمردة أيضا على المجتمع لكن سبب تمردها مختلف. إذ يعكس تمردها غضبا مكظوما من اهمال والديها لها منذ الصغر. علاقة تبدو مثالية على السطح لكنها تواجه أكبر تحدياتها حين ترغب سلمى في الإنجاب. جاء الحوار ديناميكيا مكثفا و مشحونا طول الوقت كأن فريق الكتابة حرص على مناقشة كافة موضوعات الخلافات الزوجية المعاصرة في جرعة واحدة. الحوار والمونتاج و الموسيقى التصويرية أو المصاحبة ساهموا جميعا في ضبط إيقاع الأحداث معظم حلقات المسلسل إذ لم يتسلل إلينا الضجر المعتاد من المط و ترهل الدراما. لذا نشكر القرار الحكيم في جعل مدة المسلسل 15 حلقة فقط كسرا للقاعدة المُقَدَّسَة البالية التي تستوجب شرعا أن يكون المسلسل الرمضاني 30 حلقة بالتمام! بل لعلي تمنيت لو أن المسلسل لا يحوي أكثر من عشر حلقات فقط! فالمرحلة الأضعف من المسلسل هي الخمس حلقات الأخيرة الواقعة بين ذروة الأحداث و النهاية حيث تجمد الزمن وأصبحت النزاعات الكلامية مفتعلة بلا مبررمنطقي. حتى الوصلات الموسيقية فقدت حساسية ايقاعها إذ طالت أكثر من اللازم في بعض المشاهد. الحل الدرامي في النهاية جاء متوازنا دون ابتذال نهايات سعيدة غير منطقية ودون صفع المشاهد بنهايات سوداوية تقتل أي أمل في الحل! أبدع الشناوي في خلق عالمه البصري بامتياز إذ نجح إلى حد كبير في نقل ملامح بيوت وحياة الطبقة فوق المتوسط بحساسية شديدة تمزج بين جمال الصورة وواقعيتها دون بهرجة الديكورات وضخامة البيوت "أو القصور". كما نجح الشناوي في توظيف مثالي لثنائية الضوء والظل والمسافات بين الأبطال و عناصر الديكور لإيصال رسائل بصرية مع كل كادر. الفائز الأكبر في تحدي التمثيل هو محمد شاهين الذي أدى أفضل أدواره على الإطلاق. مرحلة جديدة من النضج , اجتاز خلالها كافة الصعوبات التمثيلية في تجسيد الانفعالات المتضاربة و التنقل بينهم بسلاسة. أمينة خليل نجحت أيضا في مواكبة شاهين و ايجاد الموجة السليمة للتفاعل مما خلق كمياء إيجابية بينهما أثرت المسلسل. أُقَدِّر ما بذله الثنائي "علي قاسم" و "أسماء جلال" في محاولة التعبير التلقائي ومحاكاة نمط حديث طبقة شريف و سلمى لكن ما زال عليهما ممارسة المزيد من التدريبات على التقمص وضبط الانفعالات خصوصا "علي" الذي عانيت في أحيان كثيرة من تفسير كلامه أو فهم انفعالاته. أما على السوشيال ميديا، فشدني الجدل الدائر بين المعجبين و المنتقدين حول سؤال: هل يمثل الهرشة السابعة دراما حياتية عامة تمس بواقعية عموم المجتمع المصري أم نحن أمام فانتازيا متأثرة بالغرب تخص الصفوة "مجتمع الكومباوندز" فقط و لا تلمس واقعنا العام؟ أولا، لا أرى أي عيب في أن تركز الدراما على فئة بعينها من المجتمع حسب انتمائها الطبقي أو المهني أو الإثني أو الديني وليس بالضرورة اطلاقا أن تكون تلك الفئة ممثلة للأغلبية الساحقة من الشعب. بل لا أرى أن التفاعل الجماهيري مع الدراما يحدده بالضرورة نسبة تلك الفئة المعنية من المجتمع. على سبيل المثال أكم من عمل ناجح جماهيريا تناول فئة الباشوات والباكوات مع أنهم فئة محدودة نخبوية جدا لا تتخطى 1% من تعداد السكان في زمانها. الدراما لم تصنع للمهمشين و الفقراء فقط بل للبشر كافة. ثانيا، بالنظر إلى البنية الفئوية الاقتصادية للمجتمع المصري اليوم, سنرى أن 27% من الشعب يقع تحت خط الفقر حسب التعريف المصري المُعَدَّل. تمتلك فئة ال1% الأغنى من الشعب، 19% من الثروة. و ال 50% الأفقر 17% من الثروة فقط. أي أن 49% من الشعب يمتلك 64% من الثروة و هي المساحة الواسعة الفضفاضة التي ينتمي لها الطبقة الوسطى بأطيافها المتباينة. الكومباوندز أو المجمعات السكنية الخاصة لا تمثل سكن الأغلبية بالتأكيد لكنها قطعا تمثل قطاعا عريضا. وليس دقيقا أنها حصرية لعلية أو صفوة القوم. فلدينا عدد كبير من موظفي الشركات الخاصة والعالمية وممتهني المهن الحرة كالهندسة وأصحاب المشروعات التجارية الصغيرة والمتوسطة يسكنون المجمعات السكنية على اختلاف درجاتها. هؤلاء قطعا أيسر حالا من عامة الشعب لكنهم ما زالوا يعتمدون في عيشهم على دخل الوظيفة أو عوائد مشاريعهم الصغيرة وليس ثرواتهم المتراكمة من إرث أو امبراطويات ضخمة. وبحسبة بسيطة تخمينية سنجد أننا نتحدث في أقل تقدير عن 10 ملايين مواطن. ذلك عدد يماثل ضعف سكان سينغافورا. أيضا هي فئة لها نصيبها من الهموم والضغوط الاجتماعية والاقتصادية. نجاح الدراما ينبع من مصداقيتها في عكس الواقع وتفاصيله بعد إعادة طرحه في إطار فني ترفيهي و ليس في نقل حرفي توثيقي لحياة الجماهير. الهرشة السابعة تجربة مميزة في الدراما المصرية اجتهد صناعها في تقديم لون مغاير عن السائد وفي طرح مشاكل واقعية لأناس نعرفهم أو نعيش معهم. عمل أبرز تألق مواهب شابة في الكتابة والإخراج والتمثيل وحتى الغناء. أتمنى أن يدرك المنتجون أن نقطة البداية هي السيناريو القوي وأن الأهم "حتى تجاريا" هو جودة ما يُقَدَم وليس عدد الدقائق المعروضة!