مدبولي: مصر تنشد العدالة والتنمية لمختلف دول إفريقيا    بعد 8 سنوات.. إسدال الستار على قضية التلاعب بالبورصة    ب28.8 طن..مصر تسجل أعلى نمو في الطلب على شراء الذهب    إنجاز 86% من أعمال الحي الثالث بالعاصمة الإدارية    «بلجراد للسياحة» يكرم مصر.. ويروج للآثار المصرية    السيسي يستقبل رئيس مجلس نواب شيلي    بعد تفشيه في إيران.. كيف يحارب العراق «كورونا»؟    الخرطوم وكمبالا تتفقان على دعم مسيرة السلام بجنوب السودان    «كورة لايف Barca» مشاهدة مباراة برشلونة وايبار يلا شوت بث مباشر KORA STAR كورة جول KOORA LIVE ماتش اليوم برشلونة    رئيس الوزراء يتفقد الصالة المغطاة استعدادا لكأس العالم لليد 2021    وزير الرياضة يشيد باختيار أسوان لاستضافة كأس الرئيس العالمية للتايكوندو    السجن 5 سنوات وغرامة مليوني جنيه لخبير في "العدل" بتهمة الرشوة    غدا طقس شديد البرودة ليلا.. وسقوط أمطار    وزيرة الصحة تتفقد أعمال التطوير بالمبنى البحري بمستشفى بورسعيد العام    وزير الصحة اللبناني: لا إصابات جديدة بفيروس كورونا    رقم قياسي جديد ل«صلاح» قبل مواجهة وست هام    وزير الخارجية الباكستانية: عملية السلام الأفغانية سوف تمضي قدما    «عبدالغفار» يرأس اجتماع المجلس الأعلى للجامعات بحضور وزير التربية والتعليم    وزيرة التجارة والصناعة تفتتح المؤتمر الدولي السنوي السادس لسيدات شركاء النجاح    مدبولى: برنامج لتحفيز النقل الجماعى للعمل بالغاز الطبيعى    انتخابات الأمانة العامة للصحفيين العرب بلبنان.. أبريل المقبل    رئيس الوفد: إعداد قائمة بأسماء المرشحين المحتملين للبرلمان    حجز قضية «حريق أنابيب البترول» في إيتاي البارود لجلسة 27 فبراير للحكم    إحالة المتهمين بقتل الطفلة ندى في واقعة الختان للجنايات    تشريح جثة فتاة قتلها شقيقها بحلوان    وزيرة الثقافة ومحافظ أسوان يتابعان إحتفالات التعامد بالسوق الشعبي    وزيرة الثقافة تتفقد أعمال ملتقى أسوان الدولي للنحت    راندا البحيري: "الدكتور مجدي يعقوب أرقي من أنجبت مصر"    محافظ المنوفية ينتقد مستوى نظافة مستشفيات المحافظة    مهرجان البحر الأحمر السينمائي يعقد شراكة إستراتيجية مع مجموعة "إم بي سي"    شاهد.. "سيلفي" ياسيمن عبد العزيز من كواليس "ونحب تاني ليه"    التليفزيون يكشف أسباب استضافته محمد رمضان    لماذا سمي شهر رجب بهذا الاسم ؟    الرئيس التركي يعترف بإرسال المقاتلين السوريين إلى ليبيا    عبد الرحيم علي يشيد بتبرعات "صناع الأمل" الإماراتية لمستشفى مجدي يعقوب للقلب    قافلة جامعة عين شمس الطبية تستهدف إجراء 250 عملية جراحية لشعب دولة مالي    المحافظ أثناء تفقد المستشفى العام القديم: الافتتاح 30 يونيو ولن أقبل تأخير    الثمن سيكون باهظا.. أردوغان يعترف: لدينا قتلى في ليبيا    برلمانيون: ناتج معالجة محطة الصرف بالجبل الأصفر أفضل من مياه الشرب بالجيزة    23 مايو الحكم في دعوى إلغاء فرض تدابير وقائية على واردات حديد العيدان    وزير الأوقاف: حماية السائح وحسن معاملته واجب شرعي ووطني    26 مارس.. الحكم على مدير العقود بوزارة التخطيط و2 آخرين بتهمة الرشوة    مثال للأمانة.. 4 مُسعفين يعيدون 370 ألف جنيه للشرطة فى كفر الشيخ    طبيب الأهلي يطلب من رمضان صبحي "أشعة" جديدة    أبو القاسم يخسر من بطل هونج كونج فى دور ال16 بكأس العالم للشيش    تعيد القوة الناعمة.. شوقي: دول افريقية طلبت الاستفادة من تجربة مصر في التعليم    ختام ناجح لمهرجان شرم الشيخ الدولي للهجن بدعم إماراتي وبمشاركة 1030 هجينا (صور)    هل صوت المرأة عورة    هل يجوز دفن المرأة مع الرجل في قبر واحد    حكم تحميل الكتب من النت مجانا.. دار الإفتاء تجيب.. فيديو    شهيد فلسطيني برصاص الشرطة الإسرائيلية في القدس المحتلة    فتح ابواب استاد الألومنيوم لاستقبال الجماهير ضد البنك الأهلي    خالد العناني يزور ورشة لانتاج المستنسخات الأثرية بأثينا    بالصور .. رئيس جامعة القاهرة يتفقد الحرم الجامعي ويجري حوارًا مفتوحًا مع الطلاب    الإفراج عن 240 نزيل بعفو رئاسي و431 سجين بالإفراج الشرطي    كوريا الجنوبية: ارتفاع عدد الإصابات المؤكدة بفيروس كورونا ل 433 حالة    أبرز مباريات اليوم .. المواعيد والقنوات الناقلة    حكم تهذيب حواجب المرأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الحاكم بأمر الله رجل العجائب والغرائب
نشر في الشروق الجديد يوم 14 - 02 - 2010

شهدت فترة حكم الدولة الفاطمية فى مصر حاكما جمع بين عدد من الصفات وذخرت شخصيته بالعديد من المتناقضات فعلى ما كان فيه من شدة وبأس وما ذكر عنه من عدل وإنصاف فهو متقلب المزاج، غريب الأطوار يفعل الشىء ونقيضه فى ذات الوقت، يصدر أمرا ثم بعد سريانه يعود ويتراجع عنه، يحب العلماء حينا ويكرههم حينا آخر، يقرب بعض القادة إليه ثم ما يلبث أن ينقلب عليهم ويأمر بقتلهم، يأمر على غير العادة بفتح الأسواق ليلا وغلقها نهارا، إلى غير ذلك من هذه الأفعال العجيبة.
إنه الخليفة أبوعلى منصور الحاكم بأمر الله بن العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله الفاطمى، الخليفة الثالث من خلفاء بنى عبيد الله بمصر، والذى ولد بالقاهرة ليلة الخميس 23 ربيع الأول سنة 375 ه، وتولى الخلافة بعد موت أبيه العزيز بالله فى رمضان سنة 386 ه، وكان له من العمر حينها أحد عشر عاما.
وقد كان للحاكم بأمر الله سياسة خاصة فى التعامل مع المقربين منه فقد كان يحرمهم من ألقابهم التى منحها لهم حتى يؤدبهم ويعودوا إليه صاغرين آسفين لما بدر منهم أو سمعه عنهم، فإذا لم يعف عنهم أمر بقتلهم، ولكى يعرف ما يدور فى بيوت أمرائه ووزرائه كان يرسل العجائز من النساء إلى بيوتهم ليتعرفوا على أخبارهم ثم يعودوا لينقلوا إليه هذه الأخبار، ثم يفاجئ الحاكم قادته بما لديه من أخبار وما وصله من معلومات وكأنه يعلم الغيب. قال ابن إياس فى «بدائع الزهور»:
«فلما تزايد هذا الأمر منه، كتب له بعض الناس رقعة، ولصقها بالمنبر وفيها:
بالجور والظلم قد رضينا وليس بالكفر والحماقة
إن كنت أوتيت علم غيب بين لنا كاتب البطاقة
فلما قرأ تلك الرقعة، سكت عن الكلام فى أمر ما كان يدعيه فى علم المغيبات».
ويحكى المؤرخون عن بعض نوادر الحاكم فمنها أنه منع النساء من الخروج إلى الطرقات ودخول الحمامات ومن التطلع من الطاقات، ثم إنه منع الناس من بيع الزبيب والعسل الأسود، ومن زرع الملوخية والقرع والترمس.
وتذكر روايات عديدة أن الحاكم كان يحب الجلوس فى الظلام كثيرا، وفى أحيان أخرى كان يوقد الشمع ليلا ونهارا، وذكر ابن إياس عن الحاكم أنه «مر فى السوق يوما بالنهار فرأى شيخا يعمل فى النجارة فقال له: ألم أنهكم عن العمل بالنهار؟ فقال له الشيخ: يا أمير المؤمنين، أما كان الناس يسهرون بالليل، وهذا من جملة السهر، فتبسم وتركه، ثم أعاد الناس إلى ما كانوا عليه يتقاضون أشغالهم بالنهار».
كما جاءت روايات متعددة لتصف الحاكم بأمر الله بالشدة فى الحق أحيانا والبطش بمن يجور على الحق، فيحكى أن رجلا مغربيا جاء إلى مصر فى طريقه إلى الحج فأودع عند رجل جرابا فيه ألف دينار، وعندما رجع من سفره طلب ماله فأنكره عليه، فذهب إلى الحاكم وشكاه فقال له الحاكم عندما أمرُّ فى الطريق تكلم معى كأنك تعرفنى، فلما رآه الرجل على ذلك الحال ظن أنه صديق للحاكم، فذهب وأحضر الجراب وقال له لقد تذكرت وديعتك، وذهب المغربى إلى الحاكم فأخبره بما حدث، وفى الصباح وجد الرجل الذى أنكر الجراب مشنوقا على باب داره.
ومن غرائب الحاكم بأمر الله أيضا ما ذكر المقريزى فى «الاتعاظ» أنه فى صفر من سنة 395 ه «كتب على المساجد، وعلى أبواب الحوانيت والحجر والمقابر والصحراء بسب السلف ولعنهم، ونقش ذلك ولون بالأصباغ والذهب، ثم إنه فى تاسع ربيع الآخر سنة 397 ه أمر الحاكم بمحو ما هو مكتوب على المساجد والأبواب وغيرها من سب السلف، فمحى بأسره».
وتذكر كتب التاريخ أن الحاكم بأمر الله كان يبنى عدة مدارس ويقرر بها العلماء ثم يقتلهم، ويهدم تلك المدارس التى بناها، وعلى الرغم من ذلك فإن ول ديورانت فى «قصة الحضارة» قد أشار إلى أن مكتبة الخلفاء بالقاهرة فى عهد الحاكم بأمر الله كانت تحتوى على مائة ألف من المجلدات، ويقول المؤرخون إن الكتب كانت تُعار لمن يطلبها من الدارسين ذوى السمعة الطيبة من غير أجر.
وكان من عادة الناس أيام الحاكم بأمر الله أن ينتظروا مروره وهو راكب فى طريقه ليعرضوا عليه مشكلاتهم، فإذا ضاقوا به كانوا يدسون له الأوراق بالدعاء عليه وسبه هو وأسلافه، ثم عمدوا إلى مضايقته أكثر فصنعوا تمثالا لامرأة وألبسوها ووضعوها فى طريقه ووضعوا فى يدها ورقة كأنها تشتكى إليه فأخذ الحاكم الورقة فوجد فيها ما أحزنه، وعرف أن الشعب يسخر منه فرجع إلى قصره بالقاهرة وأمر قادته وجنوده وعبيده بالمسير إلى مصر وإضرام النار فيها ونهبها وقتل من ظفروا به من أهلها.
قال ابن تغرى بردى فى «النجوم الزاهرة» وعلم أهل مصر بذلك فاجتمعوا وقاتلوا عن أنفسهم، فاستمرت الحرب بين العبيد والعامة والرعية ثلاثة أيام، والحاكم يركب كل يوم إلى القرافة ويطلع إلى الجبل ويشاهد النار ويسمع الصياح ويسأل عن ذلك، فيقال له: العبيد يحرقون مصر وينهبونها، فيظهر التوجع، ويقول: لعنهم الله! من أمرهم بهذا».
قال ابن إياس: «فضج الناس إليه واستغاثوا به، وطلع إليه العلماء والصلحاء يشفعون فى الناس فعفى عنهم، بعدما احترق من المدينة نحو ثلثها، ونهبت أموال الناس، وسبيت الناس وقتل منهم ما لا يحصى».
وجاءت نهاية الحاكم عندما اتهم أخته ست الملك بالفجور وأراد قتلها فاستعانت عليه بأكبر أمرائه سيف الدين بن دواس وكان الحاكم يريد قتله هو الآخر، فأوعزت إليه بقتل أخيها، فاتفق ابن دواس مع عبدين من عبيده على قتل الحاكم عند خروجه إلى حلوان والتى كان يذهب إليها دائما للإقامة فيها بمفرده فقتلاه هناك.
قال المقريزى فى «الاتعاظ»: «فاضطرب الناس لغيبة الحاكم فأرسلت إليهم ست الملك إنه أخبرنى أنه يغيب سبعة أيام، وففى أثناء ذلك اشتدت شوكتها».
قال ابن إياس : «فلما أبطأ عليهم خرج الأمير مظفر الحاجب ومعه العسكر، فلما وصلوا إلى حلوان وجدوا حماره وقد قطعت يداه ورجلاه، فتبعوا أثر الحمار فوجدوا ثياب الحاكم وفيها آثار ضرب السكاكين، فلما رجعوا إلى القاهرة أشيع بين الناس قتله، فماجت القاهرة فى ذلك اليوم، فما سكنت حتى ولوا ابنه الأمير على، وكان دون البلوغ».
قال المقريزى فى «الاتعاظ»: وأحضرت ست الملك ابن دواس ووطأته على أخذ البيعة للظاهر لإعزاز دين الله بن الحاكم، وأظهرته وعلى رأسه تاج جده العزيز، وقام ابن دواس فقال لمن حضر من أهل الدولة، تقول لكم مولاتنا هذا مولاكم فسلموا عليه، وقبل ابن دواس الأرض فبايع الناس، إلا غلاما تركيا قال: لا أبايع حتى أعرف خبر مولاى، فقتل، وقام ابن دواس بتدبير الأمر، ثم إن ست الملك دست عليه وقتلت جميع من اطلع على سرها، ثم لم تطل أيامها وماتت بعد أيام».
وبمقتل الحاكم فى نصف شعبان سنة 411 ه أسدل الستار على هذا الحاكم غريب الأطوار، بأفعاله وأقواله وشدة أوامره وكثرة منهياته وما حدث فى عهده من عجائب وما ورد عنه من أخبار فى مدة خلافته للديار المصرية والتى بلغت خمسا وعشرين سنة «والتى كانت على الناس أشد الأيام» كما قال ابن إياس.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.