تتميز منطقة الخليج العربى بأنها تمثل الحافة الشرقية التى تمتد جنوبا من المحيط الهندى لتصل شمالا إلى تخوم تركيا وشمال إيران بحيث تصبح هى الحارس القومى للشخصية العربية على امتداد طويل لا تخطئه العين، ونظرا إلى أن التجمع السكانى لدول الخليج من ذوى الأصول العربية هم عرب ينتمون إلى عشائر معروفة وقبائل سكنت تلك المناطق عبر العصور، فإن عروبتهم خالصة لم تختلط بها، إلا بنسب قليلة، دماء الموالى والعجم وغيرهم من أبناء الأمم المجاورة، ولكن عندما تفجر النفط فى بلادهم أصبحت مركزا للجذب، ما أدى إلى أن وفدت عليهم ملايين من دول مختلفة بدءا من الهند وباكستان، مرورا بإيران وأفغانستان، وصولا إلى الآتين من دول المشرق العربى ومصر والمغرب، فأصبحت لدى هذه المنطقة بوتقة متميزة من العناصر السكانية المختلفة التى جاءت إليها طلبا للرزق وبحثا عن فرص العمل وسعيا نحو حياة أفضل، وقد خشى كثيرون على عروبة ذلك الخليج من تزاحم الأطماع وتسرب الثقافات على نحو ينتقص من الهوية العربية لتلك المنطقة العزيزة على قلوب العرب جميعا، ولنا هنا أن نبسط الحقائق التالية: أولا: لا يختلف اثنان على أن الدماء العربية الخالصة لأولئك الذين عاشوا فى الجزيرة وخرجوا منها إلى مناطق مختلفة فى العراق والشام ثم اتجهوا جنوبا وعبروا البحار إلى الطرف الآخر من القارة الآسيوية، هؤلاء العرب الأقحاح هم أولى الناس بصفة العروبة وذلك لا ينتقص بالطبع من قولنا إن العربى هو كل من كانت لغته الأولى اللغة العربية، وعلى ذلك فإن عروبة الخليج قاطعة لا لبس فيها ولا وهم، إنما هى حقيقة خالصة يؤكدها تاريخ تلك المنطقة والهجرات التى خرجت منها وقبل ذلك القبائل التى وفدت إليها، فالعروبة بهذا المعنى واضحة ترد سكان تلك البقاع إلى أصولهم الحقيقية وجذورهم الأولى وتجعلهم دائما أحق الناس بالمكون العروبى من حيث الأنساب والأعراق والأصول التى تحددها الدراسات الأنثروبولوجية. ثانيا: لقد أدى اكتشاف النفط مع بدايات الربع الثانى من القرن العشرين إلى نقلة نوعية هائلة لسكان تلك المناطق تشير بوضوح إلى تحولات اجتماعية وثقافية فرضت نفسها على المقيمين فى دول الخليج أو الوافدين إليها، مع وجود مؤثرات خارجية فى أسلوب الحياة ونوعية التعاطى مع القوى الكبرى التى بدأت ببريطانيا ثم ورثتها الولاياتالمتحدةالأمريكية مع نهايات الحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة العثمانية وتبدل أحوال المنطقة على نحو غير مسبوق، لذلك فإننا نظن أن ظهور النفط كانت له نتائج عدة سلبية وأخرى إيجابية، فأما الجانب السلبى، فيتركز فى أن شهية الغرب قد تفتحت على المنطقة وظهر التكالب عليها وأما الجانب الإيجابى، فهو أن الخليج والجزيرة معا أصبحا مركز استقطاب لرءوس الأموال والشركات الكبرى مثل «أرامكو» فى السعودية ونظيراتها فى الدول البترولية المجاورة. ثالثا: يعتبر الجوار الفارسى العربى أكثر أنواع الجوار تأثيرا بسبب التداخل الجغرافى والتماثل الدينى والمذهبى، لذلك ظلت إيرانوتركيا القوتان اللتان تتنافسان تاريخيا بالتأثير الثقافى لا فى الخليج العربى وحده ولكن بين دول المشرق العربى كذلك، فالسيطرة العثمانية قد مارست وجودها امتدادا من دول البلقان وصولا إلى جنوب الجزيرة، ومن حدود العراقالشرقية إلى تخوم المغرب العربى على الجانب الآخر، حتى استفاقت المنطقة على تلك الثورة النفطية الهائلة التى غدت عنصر جذب آخر يسيطر على الاقتصاديات الريعية لدول الخليج، وإذا كانت أطماع تركيا اقتصادية بالدرجة الأولى، إلا أن أحلام إيران تتجاوز ذلك إلى رغبة دفينة بالسيطرة السياسية وتحويل الخليج إلى منطقة نفوذ لها. وعندما قامت الثورة الإسلامية فى إيران ووصل الملالى إلى الحكم عام 1979، فإن طهران تحولت إلى عاصمة تحاول الاشتباك مع الدول الأخرى فى المنطقة واعتبرت التدخل فى الشئون الداخلية لدول الخليج حقا تاريخيا وصكا مشروعا تمضى وراءه باعتباره المجال الحيوى للإمبراطورية الفارسية القديمة، وقد أدى الصدام بين الغرب، خصوصا الولاياتالمتحدةالأمريكية وإسرائيل فى جانب والجمهورية الإسلامية الإيرانية فى جانب آخر إلى حالة من التوتر الدائم الذى انعكس على دول الخليج واستقرار نظمها وثبات أوضاعها، ولا يزال الصدام مستمرا يأخذ أشكالا متعددة من الصراع المذهبى تارة إلى الخلاف العقائدى أخرى، وكأن حوزة قم تسعى إلى السيطرة على حوزة النجف فى ظل امتداد تاريخى لمواجهات معروفة بين أتباع المذهبين الشيعى والسنى على ضفتى الخليج، ولقد نشطت أخيرا الروح الوطنية فى منطقة عربستان لكى تكون هناك مواجهة قوية للأقليات العربية فى الجنوب الغربى للدولة الفارسية بحيث تسعى تلك الجماعات إلى إحياء تراثها واسترداد ثقافتها على الرغم من قسوة إيران فى قمع تلك الحركات التحررية. رابعا: إن السبيكة الثقافية التى يتمتع بها سكان الخليج العربى هى مزاج أصيل من الروح العربية والمؤثرات الفارسية والهندية، فإذا جلست إلى مائدة خليجية عامرة، فسوف تجد أطباق الطعام تعبر عن التعدد الذى يحيط بمنطقة الخليج من كل اتجاه، فالمائدة عربية فارسية هندية ولا تخلو من لمسات عراقية وشامية بل ومصرية، لذلك فإن ثقافة أبناء الخليج تعتمد على قدر كبير من الانفتاح والرحابة تجاه الآخر، فلا يميلون إلى التشدد أو التعصب قدر ميلهم إلى التواصل والاندماج، وقد انعكس ذلك على تعاملهم مع الآخر بل إننى أظن أن ذلك واحد من المقومات الرئيسة التى استند إليها مجلس التعاون الخليجى باعتباره أكثر التجارب نجاحا بين التنظيمات العربية المعاصرة بعد الحرب العالمية الثانية، فضلا عن تراجع دور الجامعة العربية لتفسح المجال للتنظيمات الإقليمية تمارس تأثيرها ويقع فى مقدمتها مجلس التعاون الخليجى بما يعنى فى النهاية أن درجة الانصهار الثقافى من حيث المأكل والمشرب والملبس والمسكن هى أمور جمعت دول الخليج على الرغم من قلة عدد السكان وتزايد الأطماع حولها من كل اتجاه. خامسا: إن الذين يزورون دول الخليج العربى يدهشون لدرجة التقدم الذى تحقق والكوادر العلمية الخليجية التى توافرت من حملة الشهادات العليا من أوروبا والولاياتالمتحدةالأمريكية على نحو يؤكد أن مستقبل تلك الدول يمكن أن يكون واعدا بحق، إذا بقيت معدلات التقدم فيها على النحو الذى نراه، خصوصا أن معظم تلك الدول قد خرجت من دائرة الاقتصاد الريعى القائم على عوائد البترول إلى آخر متعدد المقومات، تدخل فيه الاستثمارات الجديدة والنشاط السياحى وغيرها من مفردات الحياة العصرية، بحيث تكون مصدرا للدخل الوطنى على خلاف ما كان قائما من قبل. فدول الخليج تأخذ طريقها نحو الحداثة والازدهار وتطرح ذاتها ككيانات مستقلة على الرغم من التشابه السكانى والتماثل المعيشى، وهى بذلك تحقق النموذج الجديد للدول الصغيرة عددا الكبيرة قدرا وتأثيرا. ويُعد نموذج السعودية فى أعوامها الأخيرة مثالا باهرا للدور الذى تلعبه الدولة العربية الحديثة، تماشيا مع مستجدات العصر وتطوراته فى الاتجاهات كافة. إن استقراء المستقبل لدول الخليج العربى يؤكد تصاعد الروح العروبية فيها وقدرتها على الاستقلال الاقتصادى والسياسى وتنمية مواردها الطبيعية والبشرية والانتصار على مشكلاتها، التى اعترضت طريقها كتحديات أمنية وسياسية، حتى استطاعت فى النهاية أن تفرض وجودها وأن تبلور شخصيتها وهويتها على نحو يدعو أحيانا إلى الانبهار والرضا بما بلغته تلك المنطقة من تقدم وازدهار فى الأعوام الأخيرة.