11 إيبارشية تشارك في دورة البابا تواضروس لتدريب الكهنة الجدد    محافظ البحيرة تناقش جهود النهوض بمنظومة النظافة ورفع كفاءة المعدات (صور)    تعود لأسباب أمنية، وزير الخارجية يفسر عدم زيارته إلى الكويت والبحرين خلال جولته الخليجية    وزير الخارجية: العلاقات المصرية-العربية قوية وصلبة ولا يجب الالتفات للسوشيال ميديا    الأهلي يشكو عيسى سي حكم مباراة فريقه ضد الترجي    تعرف على طاقم حكام مباراة الإياب بين الأهلي والترجي التونسي    الأرصاد تعلن حالة الطقس غدا الأربعاء وتحذر من رياح وأمطار رعدية    كريم محمود عبد العزيز يتورط في أزمة مع طليقته بالحلقة 14 من مسلسل المتر سمير    شريف منير يشاهد لحظة القبض على محمود عزت في "رأس الأفعى" (فيديو)    8 رحلات عمرة وشهادات تقدير وجوائز مالية 1500 ل حفظة كتاب الله بسنديون| صور    ما تخافش يا رجب.. انهيار والدة شاب بورسعيد ضحية الشهامة لحظة دفنه    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تُوجه برفع درجة الاستعداد بالقطاعات الخدمية والتنفيذية والمحميات الطبيعية    البابا يهنئ وزير الأوقاف بعيد الفطر المبارك    باحث: إسرائيل تسعى لخلق منطقة عازلة في لبنان وترفض الحلول الدبلوماسية    تعرف على ضحية رامز جلال في حلقة الليلة.. مفاجآت مثيرة    41 % ارتفاعا في أرباح "ماجد الفطيم" في 2025    قرآن المغرب بخشوع وسكينة بصوت محمد أيوب عاصف    أسامة نبيه: تعجلت الظهور التليفزيونى بعد رحيلى عن منتخب الشباب    كشف ملابسات فيديو مزاعم تعدى الشرطة بكفر الشيخ    لن يحتاج لحارس الرديف.. نوير وجوناس أوربيج يعودان لتدريبات بايرن ميونيخ    بابا الفاتيكان يجدد الالتزام بالسلام فى مكالمة هاتفية مع الرئيس الفلسطينى    محافظ جنوب سيناء يكرم الفائزين بمسابقة القرآن الكريم    جراحة دقيقة لطفلة سقطت من ارتفاع بمستشفى رأس سدر المركزي    الهلال السوداني يقدم شكوى رسمية للكاف ضد حكم مباراة نهضة بركان    3 أسرار تخلصك من البطن السفلية بعد الأربعين    أسامة قابيل: إعطاء الزوجة عيدية ليس بدعة ويؤجر الزوج عليها    هنيئًا لك يا حافظ القرآن.. تكريم 180 من حفظة القرآن الكريم بقرية محلة دياي في كفر الشيخ    تدهور حاد في توقعات الخبراء بشأن الاقتصاد الألماني بسبب حرب إيران    إجراءات رادعة لمخالفي ضوابط تأجير الدواب بالمناطق السياحية في الجيزة    وزير الخارجية يوجه بتلبية احتياجات المصريين بالخارج ودعمهم    رينارد يحدد برنامج المنتخب السعودي بعد ودية مصر    خالد فهمي: منهجي في «ولي النعم» يقوم على إلغاء التعلم وتفكيك الانطباعات المسبقة عن الشخصية التاريخية    نائبة وزيرة التضامن تشهد ختام أعمال مبادرة "أنا موهوب" بمحافظة القاهرة    في ذكرى رحيله.. «البابا شنودة» رمز روحي ساهم في ترسيخ الوحدة الوطنية    الصحة: توفير 3 آلاف سيارة إسعاف و40 ألف كيس دم خلال إجازة عيد الفطر    تعرف على طرق حجز تذاكر قطارات عيد الفطر 2026    ضبط مليون قطعة ألعاب نارية خلال حملات لمكافحة التهريب والترويج    كفر الشيخ تحصد كأس بطولة الدورة الرمضانية للجامعات    محافظ القاهرة يؤكد ضرورة ضبط الأسواق وتفعيل التفتيش والرقابة لحماية المستهلك    معهد الفلك يكشف موعد عيد الفطر المبارك فلكيا.. هلال شوال يولد بعد غد    البيت الفني للمسرح يعيد عرض «ابن الأصول» على مسرح ميامي في عيد الفطر    وزير الزراعة يعلن فتح السوق السلفادوري أمام صادرات "الليمون المصري"    مفتي الجمهورية يستقبل رئيس الطائفة الإنجيلية والوفد المرافق له للتهنئة بعيد الفطر المبارك    الأهلي يفوز على الاتحاد..والزمالك يهزم الجزيرة في دوري الطائرة    الضفة.. مستوطنون إسرائيليون يقتحمون قبر يوسف في نابلس    بلومبرج: تضرر ناقلة غاز كويتية وتعليق تحميل النفط في ميناء الفجيرة    الحدائق بالمحافظات تنهي استعداداتها لاستقبال الزائرين خلال عيد الفطر    مع عيد الفطر.. «الصحة» تحذر من مخاطر الأسماك المملحة وتوجه نصائح وقائية عاجلة    أسعار الدواجن اليوم الثلاثاء 17 مارس 2026    وزير الصحة يلتقي نظيره الروسى فى موسكو لبحث ملفات التعاون المشترك    وزير الصحة يعلن خطة التأمين الطبي والإسعافي الشاملة لعيد الفطر    قفزة في أسعار القمح بسبب تدهور حالة المحصول في أمريكا    إيران.. انفجارات شرق طهران وقصف يستهدف منطقة نياوران    اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا.. صلاة التهجد من كوم أمبو    الأهلي يحتج على قرار «كاف».. ويتمسك بحقه في نظر استئناف عقوبة الجماهير قبل لقاء الترجي    إيمان أيوب: نور الشريف مدرسة حقيقية في التمثيل والثقافة الفنية    تفكيك خلية مرتبطة ب "حزب الله" في الكويت: إحباط مخطط لعمليات عدائية    أفضلية ضئيلة و3 تعادلات تؤجل حسم مقاعد نصف نهائى كأس الكونفدرالية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دكتور صلاح فضل يكتب: سلطة النقد وسلطة النص
نشر في الشروق الجديد يوم 08 - 01 - 2010

أذكر أننا بعد نجاح مجلة فصول فى خلق تيار نقدى عربى محدث ومتجانس، شرعنا منتصف الثمانينيات فى تأسيس الجمعية المصرية للنقد الأدبى، وكنت أسعى كى تضم جميع الاتجاهات الفاعلة فى الحياة الفكرية، ففاتحت الدكتور لويس عوض فى الأمر.
وكانت تربطنى به علاقة ود حميمة، تعمقت إثر استقبالى له فى إسبانيا خلال عملى بها، فتوجس كثيرا من إقامة تجمع للنقاد قائلا: إنهم يمثلون سلطة عاتية، ولو اتفقوا ضد كاتب أو أديب فسوف «يخربون بيته»، وعلى الرغم من أننى شرحت له استحالة ذلك عمليا، لأن تجمعهم لن يكون حول مبادئ نقدية موحدة، أو مواقف تضامنية تلغى اختلافاتهم الضرورية.
بل سيكون الهدف هو تشكيل حركة منظمة فعالة، قادرة على تحريك الحياة الإبداعية نحو الازدهار، لكننى شعرت بأنه لم يقتنع، وبالفعل لم يحضر الاجتماعات، وأدركت حساسية موقفه حينئذ، فهو قطب كبير، قاد أهم تيار نقدى يسارى معتدل من موقعه فى الأهرام قرابة عقدين من الزمان قبل أن يتعرض للتهميش بضغط اليمين المنتصر منذ فترة، ولا يريد أن يزاحم نجوم المرحلة الجديدة من ناحية، كما أنه لا يتوافق مع نزعاتهم الحداثية التى كشفوا عنها فى مجلة فصول من ناحية أخرى.
وأهم من ذلك أن ما صرح به من تصوره لسلطة النقد كان ينتمى إلى الفترة الأيديولوجية السابقة، فالاتجاهات العلمية الجديدة تعلن انتهاء عصر أحكام القيمة وسيادة أحكام الواقع، ومعنى هذا تقلص هيمنة الواقعية الاشتراكية والوجودية، وتحرر الأدباء نسبيا من سطوة فكرة الالتزام، وإن كان الكثيرون منهم لايزالون يتخذون مواقف سياسية واجتماعية حادة تتوافق مع تكوينهم الفكرى وانتمائهم الأيديولوجى.
كانت منظومة المناهج البنيوية وما بعدها قد بدأت تستقطب اهتمام الجيل الجديد من النقاد، وهى مناهج علمية تدرس النصوص الإبداعية دون أحكام قيمة مسبقة، تختبر كفاءتها التعبيرية ونضجها الشعرى والتقنى، دون أن تبحث فيها عن نسق مفضل من القضايا الفكرية، فالأدباء أحرار فيما يعتقدون، لكن قدراتهم تقاس بمدى ما يبتكرونه من تقنيات وأساليب فنية.
وبقدر ما يطورون من رؤاهم حتى تستجيب لتوقعات القراء الجمالية وتنمى وعيهم بالفن والحياة معا، وليس من حق الناقد أن يرفض عملا إبداعيا عظيما لأنه لا يتسق مع مبادئه الشخصية، فالنصوص هى التى تفرض القيمة فى الواقع بما تؤسسه من قواعد جديدة للإبداع، يتعين على النقد أن يبحث فى أدبيتها أو شعريتها كما أصبحت تسمى بعد ذلك.
بهذا المنظور أخذ الدور التوجيهى للنقد يتوارى تدريجيا، وإن لم يستطع النقاد أن يتخلوا عنه تماما، بل ظل حكم القيمة مضمرا يتراءى عبر تجليات عديدة، أبرزها عمليات الاختيار ذاتها، فالناقد مهما اتسع مجال رؤيته، يتعين عليه أن يؤثر نصوصا محددة باهتمامه، وهو حر فى هذا الاختيار التمييزى الذى يشكل أول حكم قيمة مضمر، كما أن لغته فى التعبير.
مهما حاول أن تكون علمية محايدة، لابد لها أن تتضمن إشارات لافتة من الإعجاب أو التباعد توحى بالتقييم المتوقع، غاية ما هناك أنه أصبح مجبرا على هجر موقع الأستاذ الذى يملى أحكامه أو يوزع درجاته، وأصبح مطالبا بأن يقدم من خلال التحليل العلمى الدقيق للنصوص وتقنياتها الفنية وكشوفها الجمالية رؤيته الموضوعية لمستوى شعرية هذه النصوص، وقدرتها فى التأثير على المتلقين وتطوير الأساليب الإبداعية المنجزة فيها. وحيث إن لكل ثقافة أولوياتها ومنظوماتها القيمة الكامنة فإن جهد الناقد يتركز أيضا على مراعاة الانسجام بين هذه المنظومات وما يستقر فى الوعى الإنسانى بإيقاعه الصحيح.
سلطة الإعلام:
لكن المشكلة لدينا فى الثقافة العربية أن هذا الفهم الصحيح لإيقاع العصر الحديث، بما يتطلبه من الوعى بالمناهج النقدية والتيارات العلمية فى دراسة الأدب، لم يتم تذويبه فى البرامج الدراسية فى مراحل التعليم المختلفة، فلم يتشربه الخريجون الذين سيتولون تحريك عجلة الإعلام والتعليم، مما ترتب عليه أخطر ظاهرة يعانى منها الفكر العربى وهى ضعف التكوين العلمى والمهنى للقائمين على المؤسسات الإعلامية المهيمنة على الحياة العامة فى الصحافة والتليفزيون، ونقص الحصيلة المعرفية عندهم، ناهيك عن خلل معايير اختيار الأكفاء فى قياداتهم.
إذ لا يكاد أحد منهم يجهد فى قراءة كتاب متخصص فى مجاله، بلغته القومية، أو بإحدى اللغات الأجنبية، ليكون على علم بالتحولات المعرفية أو بالتغييرات الأساسية فى محددات الخطاب الذى يمارسه. معظم المشتغلين بالإعلام الثقافى عندنا هواة لا يكلفون أنفسهم مشقة تثقيف الذات حتى يصبحوا جديرين بتثثيف القراء.
ويعرضون هذا النقص الفادح بشبكة من العلاقات والمصالح تغطى على عجزهم وتصورهم وهم يتصدون لأداء دور النقاد بغير منهج مدروس أو أدوات علمية محكمة، ثم يفاجئونك فى حواراتهم بسؤال غطى عن غيبة النقد، وهو بالطبع غائب لا محالة عن وعيهم، فلا خبرة لديهم بما يصدر مؤلفا أو مترجما من كتب، ولا صبر عندهم لحضور جلسات مؤتمر يعقد، ولا سماع محاضرة تلقى.
ويتوارثون هذه السطحية حتى تصبح من تقاليد المهن الإعلامية، فى الوقت الذى ينشطون فيه لملء فراغ السلطة النقدية بطريقة عشوائية، تعتمد على مناورات الحجب والتنويه، والذكر والتجاهل، والكسل حتى عن متابعة التقريرات الدولية المعمقة التى تتضمن تحليلا لنبأ أو تعليقا على خبر مما أصبح يضعه الإعلام الدولى بين يدى محترفيه كل ساعة، وهو ما يكفى لمضاعفة المادة الثقافية الجيدة.
إن خفة وزن المادة العلمية والفكرية، وعدم اتساقها مع الخارطة المعرفية المعاصرة فى الصحف المصرية، وغيبة الأقلام النقدية الشابة عن صفحاتها بتجاهل منتظم يجعل مستوى الاكتشاف فى الواعى للقدرات الإبداعية والفكرة محدودا للغاية، ولا يمثل القوة المذخورة فى العقل النقدى المصرى، ولأنه هو المنوط به تقييم غيره فإنه يظل خاضعا لوهم كبير، يخيل لأصحابه أنهم بما يتاح لهم من مساحات يشغلونها قد امتلكوا شرعية الكتابة النقدية مع عجزهم عن ملء فراغها الواضح، وهنا تكمن المفارقة اللافتة، فمن يكررون أسئلتهم عن غيبة النقد يكرسون هذه الغيبة بعملتهم الرديئة التى تطرد العملة الجيدة فى الكتابة الأدبية.
ويظل هناك جانب موضوعى لا سبيل إلى تجاهله فى توهم غيبة النقد هو قلة عدد كبار النقاد فى كل عصر ومصر، فهم غالبا أفراد معدودون، كل منهم يعتبر مؤسسة فى حد ذاته، تتمخض عنهم الحياة الأكاديمية والسوق الثقافية بإنتاج مشترك، فمن يقتصر على الوسط الجامعى يظل سجينا لأسوار لا يتجاوز مقام الأستاذية إلى ما عداه، ومن يسبح فى تيار السوق الثقافى فحسب لا تلبث أن تغلبه أمواجه فلا يقوى على فرض بوصلته العلمية الرصينة.
والناجون من ذلك هم القادرون على الجمع بين التيارين بمشقة فى التكوين والممارسة، وهم دائما قلة فعالة، تتزود برصيد ضخم من المعرفة النظرية قبل أن تغمر فى مياه الإبداع الساخنة بالدراسات التطبيقية، ويظل التحدى الذى يتربص بالحياة الثقافية عندنا فى هذا المجال كما هو فى السياسة يتمثل فى الحفاظ والتكافؤ بين السلطات الثلاث: «سلطة النقد العلمى المنهجى، وسلطة الإعلان الوسيط الذى ينقل المعرفة ويضمن التأثير، وسلطة المبدعين أصحاب النصوص التى تعد مصدر التشريع الأدبى.
وحيض إحدى هذه السلطات أو تجاهل دورها يخل بالمعادلة الثقافية فى إيقاعها الصحيح، وتوازن العلاقة الجدلية بينها يجعلنا مجتمعا منتجا للمعرفة، مقدرا للإبداع، موزعا لثماره الطيبة بالعدل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.