بهاء أبو شقة يتقدم اليوم بأوراق ترشحه على رئاسة حزب الوفد    جيش الاحتلال الإسرائيلي يعلن إصابة جندي بجروح خطرة في غزة    جولة صباحية لأهم الأخبار.. تنبيه عاجل للأرصاد وأنباء عن محاولة انقلاب على نائبة مادورو    مشكلة في الجودة، "نستله" تسحب كميات من حليب الأطفال من 5 دول    نتائج أولية: فوز رئيس جمهورية إفريقيا الوسطى تواديرا بولاية ثالثة    لماذا يحتفل الأرمن بعيد الميلاد المجيد في 6 يناير؟    برلماني فنزويلي سابق: النظام الدولي دخل مرحلة شديدة الخطورة بعد اختطاف مادورو    80 عاما من الحكمة، شيخ الأزهر يحتفل بعيد ميلاده وحملة من المشيخة لتوثيق أبرز اللحظات    دار الأمان ببنها.. رحلة العلاج تتحول إلى مأساة للشباب    "الآنسة مان"، وفاة جاين تركا بطلة كمال الأجسام ونجمة "Scary Movie" بشكل مفاجئ    وفاة شاب وإصابة اثنين آخرين بسبب سائق نقل يسير عكس الاتجاه في بهتيم    نائب وزير المالية: إعفاء السكن الخاص بالكامل من الضريبة لا يتوافق مع الدستور    صراع النفط والغاز بين القوى الكبرى يسقط شعاراتهم عن الديمقراطية وحقوق الإنسان    تصريح هيقلب الدنيا، صلاح يثير الجدل عن فرص فوز مصر بأمم إفريقيا واتحاد الكرة يتدخل    45 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات على خط «طنطا - دمياط».. الثلاثاء 6 يناير    هيروين وسلاح خرطوش.. المشدد 6 سنوات لعاطلين بعد سقوطهما في قبضة الأمن بشبرا الخيمة    انتبه لتصريحاتك، سهير المرشدي توجه رسالة عتاب إلى أحمد العوضي (فيديو)    بوليتيكو عن مصادر: إدارة ترامب تطالب رئيسة فنزويلا المؤقتة بإجراءات مؤيدة لواشنطن    ارتفاع الأسهم الأمريكية في ختام التعاملات    البابا تواضروس يستقبل الدكتور يوسف بطرس غالي    الطيران الإسرائيلى يشن غارات على بلدة الغازية جنوب لبنان    المفوضية الأوروبية تحذر أمريكا من استخدام الأمن القومي كذريعةً لضم جزيرة جرينلاند    ارتفاع أسعار النفط في ظل خطط أوبك بلس لتثبيت الإنتاج واستمرار الصراع بين روسيا وأوكرانيا    تفاصيل جلسة الصلح بين طرفي واقعة خطف طفل كفر الشيخ.. صور    عبدالملك: تاريخ الزمالك يجعله قادرا على تخطي الأزمات    سهير المرشدي: أحمد العوضي لازم ياخد باله من كلامه لأن الفنان قدوة    ماجدة زكي وأحمد عيد وهنادي مهنا وركين سعد ضمن نجوم "المتحدة" في رمضان    رسالة الميلاد 2026.. هدايا السماء للبشرية بين الفرح والستر والمحبة    أمم إفريقيا – حسام حسن: هدف صلاح في بنين تتويجا لمجهوده    طريقة عمل طاجن اللحمة بالقراصيا، لذيذ ومشرف في العزومات    وزير الرياضة وأبو ريدة يجتمعان بمنتخب مصر    إصابة شاب بطلق ناري في قرية حجازة قبلي جنوب قنا    محافظ الجيزة يزور مقر الكنيسة الإنجيلية بالجيزة للتهنئة بعيد الميلاد المجيد    البنك المركزي يقرر تعطيل العمل بالبنوك يوم 7 يناير بمناسبة عيد الميلاد المجيد    أبرز تصريحات السيسي خلال متابعة تطوير صناعة الاتصالات: الجيل الخامس نقلة نوعية ودعم التصنيع المحلي أولوية وطنية    رئيس بيلاروسيا يشيد بتقدم التعاون مع روسيا في مجالات الصناعة والدفاع    محمد علي خير يتساءل: ماذا ينتظر المصريون في 2026؟ ومصير خطة الحكومة لخفض الديون    خبير اقتصادي يضع خارطة طريق لخفض المديونية الحكومية وتعزيز الاقتصاد الإنتاجي    دار ليان تشارك بكتاب «نُقص أحسن القصص» ليُمنى عاطف في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026    النجمة السعودى يطلب استعارة مصطفى شوبير من الأهلى    برشلونة يحسم صفقة جواو كانسيلو    هل يوجد وقت مثالي لتناول فيتامين «ب 12»؟.. خبراء يُجيبون    تعرف على مخاطر ارتفاع الكوليسترول على القلب والدماغ    بعد إحالته للجنايات.. والدة إحدى التلميذات بقضية اتهام سائق بالتحرش: التحاليل أظهرت آثاره على ملابسهن    بريطانيا: اجتماع «تحالف الراغبين» في باريس خطوة جديدة نحو وقف القتال في أوكرانيا    الصحة توضح الموقف الوبائي للأمراض التنفسية وتؤكد المتابعة المستمرة والاكتشاف المبكر    تحويلات المصريين بالخارج تقفز 39.9% في نوفمبر 2025 وتسجل مستوى تاريخيًا جديدًا    مروان عطية: نسعى لمواصلة مشوارنا في أمم أفريقيا وإسعاد الجماهير    ذكرى وفاة مها أبو عوف.. أزمات ومحن خبأتها خلف ابتسامتها الشهيرة ترويها شقيقتها    أخبار 24 ساعة.. مبادرة حكومية موحدة لتحفيز الاستثمار فى الشركات الناشئة    نادي قضاة مصر يهنئ قداسة البابا تواضروس الثاني بمناسبة عيد الميلاد المجيد    للتهنئة بالعيد.. البابا يستقبل وزيرة التضامن    ننشر مواقيت الصلاه اليوم الإثنين 5يناير 2026 فى المنيا    كيف يقضي المسافر الصلاة الفائتة بعد عودته؟.. الأزهر يجيب    الأزهر للفتوى: الغبن والتدليس في البيع والشراء مكسب زائف وبركة تُنزَع    جبل حراء.. شاهدُ البدايات ومَعلمٌ خالد في ذاكرة مكة المكرمة    كيفية أتوب من ذنب كبير؟ أمين الفتوى يجيب    الفراعنة على مشارف الربع النهائي.. مباراة مصر وبنين في كأس الأمم الأفريقية 2025    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جميل مطر يكتب : تركيا.. ماذا تريد منا وماذا نريد منها؟ (3-3)
نشر في الشروق الجديد يوم 06 - 12 - 2009

أينما ذهبت فى بلاد المشرق ستسمع من يشيد بما فعله رجب طيب أردوغان حين انسحب من أحد لقاءات مؤتمر دافوس «احتجاجا على أقوال نطق بها شيمون بيريز بينما واصل عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية اللقاء ولم يغادر». سمعت الرواية تحكى بنغمات مختلفة ولم أسمع سوى مرات قلائل من يحكيها كما وقعت بالفعل، وهو أن أردوغان انسحب لأن دافيد إجناشيوس، وكان يدير الجلسة، لم يعطه حقه فى الرد.
على كل حال، كانت الرواية كما تداولها الناس فى تركيا والشرق العربى والشرق الآسيوى، هى الرواية التى تحن الشعوب إلى سماعها، رواية ترضى أمما باحثة عن بطل، أو أمم تحن إلى دور كان لها وفقدته. لذلك كان استقبال الأتراك لأردوغان عندما عاد من دافوس إلى بلاده أسطوريا، حتى أن صحفيين أمريكيين أعربوا عن الشك فى أن يكون الاستقبال غير مدبر أو مرتب من جانب حزب العدالة والتنمية.
ومع ذلك فإن التشكيك فى عفوية الاستقبال التركى لا يفسر عفوية الشعبية التى حاز عليها أردوغان فى أوساط عديدة فى العالم العربى، حيث يفتقر الناس بالفعل إلى زعيم يتجرأ ويغادر محفلا يشارك فيه قادة إسرائيليون كبار، وبخاصة بعد أن صاروا يألفون منظر قادة عرب من رجال دين وسياسة وثقافة يستقبلون إسرائيليين فى مكاتبهم ويهرلون نحوهم فى المؤتمرات ويتصدرون معهم المآدب والاحتفالات.
قد لا يكون هذا الحدث نقطة البداية فى مسيرة اهتمام العرب بتركيا وزعمائها، ولكنه بدون شك لعب دور «المسرع» فى علاقة جديدة بين تركيا والشعوب العربية والإسلامية.
****
البداية متعددة النقاط، ولم تكن عشوائية أو وليدة الصدفة. إذ اشتركت أحداث دولية كبيرة فى التأثير على مسارات تركيا أبلغ الأثر، أولها سقوط الاتحاد السوفييتى، ونحن نعرف أن الاتحاد السوفييتى كان التبرير الأقوى أمام العالم لانضمام تركيا لحلف الأطلسى ولقبولها القيام بدور مهم فى أمن المنظومة الغربية. وثانيها أزمة الخليج الأولى، حين اكتشفت تركيا أن حاجة أمريكا إلى تركيا الإسلامية تفوق حاجتها إلى تركيا العلمانية، وحين كان المطلوب أمريكيا أن تشترك تركيا وسوريا ومصر فى الحرب لتحرير الكويت لأنها دول إسلامية وليس لأى اعتبار آخر. ثالثها حرب العراق، فمنذ اليوم الأول تأكدت تركيا أن المصالح القومية التركية لم تعد تتطابق مع المصالح الأمنية الغربية، وأظن أن مصر والسعودية، شعرتا الشعور ذاته وإن بحدة أقل جدا.
ساد وقتها اقتناع بأن الغزو الأمريكى للعراق يعنى احتمالا قويا بتمزيق العراق. بمعنى آخر، تأكدت تركيا أن أمنها صار مهددا بالاحتلال الأمريكى للعراق وهو الأمن الذى كان يعتمد اعتمادا قويا على استقرار العراق، كاعتماده على استقرار سوريا. أما رابع التطورات التى أقنعت حكومة أنقرة بضرورة تسريع مسيرة تغيير سياساتها الخارجية، فكان خيبة الأمل فى تركيا من مواقف دول أوروبية، بخاصة فرنسا وألمانيا، من مسألة الانضمام التركى إلى الاتحاد الأوروبى. هنا لم تكن خيبة الأمل حافزا يدفع نحو التخلى عن حلم الانضمام، بل العكس تماما، وهو أن تعود تركيا من مسيرة جديدة فى سياستها الخارجية وفى حقيبتها نفوذ قوى فى المنطقة العربية والإسلامية وفى القوقاز ووسط آسيا، وإن أمكن، فى أفريقيا جنوب الصحراء.
القوة التركية الناعمة
جلست بقدر ما سمح وقتى ووقتها مع مليحة أتومشبك أستاذة العلاقات الدولية والمتخصصة فى علاقات تركيا بالمنطقة العربية. بادرتنى بأنها تتردد على الدول العربية منذ سنوات عديدة، وأنها ذهلت للحفاوة التى استقبلت بها فى جميع أنحاء العالم العربى وبخاصة فى سوريا التى زارتها الأسبوع الماضى. قالت «ذهلت لدفء استقبالى وللتغير فى مشاعر السوريين الذين كنت قبل سنوات أخشى التصريح أمامهم بأننى تركية».
الفضل فى تغيير مشاعر السوريين، وغيرهم من العرب، يعود فى رأيى إلى أن تركيا استخدمت وبكفاءة مدهشة عددا من أساليب «القوة الناعمة» فى علاقاتها الجديدة مع العرب. تقول مليحة «بضائعنا صارت فى كل أسواق العرب، مواقفنا السياسية،وبخاصة موقف حكومتنا من عدوان إسرائيل على غزة والمذابح التى ارتكبها الإسرائيليون فيها وموقفنا من سعى الدول الغربية لفرض عقوبات على إيران، ودعمنا المعلن لحق إيران فى الحصول على التكنولوجيا النووية، وموقفنا من وحدة الكيان العراقى، ودعوتنا قيادات سياسية فى السودان وحماس لزيارة أنقرة رغم ضغوط الغرب وإنذاراته، وتوسطنا فى لبنان وحصولنا الفورى على قبول حزب الله لنا ولدورنا بل وإعلانه استعداده أن يفضلنا على إيران لو غيرت إيران سياستها تجاه الفلسطينيين، كل هذه المواقف وأكثر منها تعرفوه، جلب لنا شعبية وافرة فى الشارع العربى».
المسلسلات التركية الناطقة بالعربية
لم أكن يوما من عشاق المسلسلات الطويلة متعددة الحلقات وإن كنت من الدارسين لدورها فى تشويه ثقافة قائمة وصنع ثقافة بديلة، وكان قد لفت انتباهى منذ سنوات هذا الشغف المكثف من جانب المشاهدين فى مصر ودول عربية كثيرة بالمسلسلات التركية.
كنت أحترق رغبة لأعرف إن كان للدولة التركية دور فى إنتاج هذه المسلسلات أو تشجيعها والترويج لها، خاصة أنه سبق لى أن طالبت المسئولين عن الإعلام فى الحكومة المصرية فى أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات التدخل للمحافظة على هذه الموهبة الناعمة التى تمتلكها مصر وحمايتها من الاختراق ومنع توظيفها لصالح مذاهب دينية غريبة عن المزاج المصرى ولغرس تقاليد اجتماعية تمارس فى دول عربية أخرى وتتنافى مع تقاليد مصر ودرجة تطورها وسمعتها وثقافتها.
عرفت وقتها أن منتجين من خارج مصر يفرضون مسلسلات أبطالها يتحدثون بلهجة بين بين، أى بين أن تكون مصرية وبين أن تكون شيئا آخر. عرفت أيضا أنهم يختارون نساء ورجالا يمثلون أدوارا لا تعكس الطبائع الحقيقية للمصريين وإن كان بعضها يعكس حالات منحرفة صارت فى نظر المشاهدين العرب والمصريين طبيعة مصرية خالصة بعد عقود من التكرار والاحتكار.
تذكرت قصتى مع هذا الرصيد من قوتنا الناعمة، وأنا أسمع من مليحة وآخرين فى تركيا عن الدعم الذى بدأت الحكومة تقدمه إلى المسلسلات التركية التى حازت على رضاء المشاهدين، وصارت تمثل جانبا أساسيا من وسائل الترفيه الأساسية فى البيوت والمقاهى العربية. قيل لى إن استطلاعا للرأى أجرى فى المملكة العربية السعودية أثبت أن أكثر من 70 بالمائة من نساء المملكة تشاهدن هذه المسلسلات بانتظام. كذلك سمعت من أتراك أن الرجل الذى يملك البيت حيث جرى تصوير مسلسل «نور» قام بتحويله إلى متحف يقصده السياح العرب مقابل خمسين دولارا للفرد. ويضيف هؤلاء الأتراك بفخر واضح «هل تعلم أن النسبة الأكبر من الزوار لسيدات قادمات من السعودية خصيصا لزيارة البيت، وكثيرات منهن يصلن بطائرات خاصة ويعدن إلى بلادهن فور الانتهاء من زيارة البيت»؟. تجنبت التعليق واكتفيت بهزة من رأسى.
تركيا والحكام العرب
لو كنت حاكما عربيا، محكوما بقيود ورثتها عن اتفاقيات مع إسرائيل وأمريكا أو معتمدا بالكامل أو بقدر كبير على دعم الغرب وحمايته، فبدون شك لن أنام مطمئنا وأنا أرى «تركيا الإسلامية» تكسب موقعا بعد آخر فى قلوب أبناء شعبى أو أمتى. حرمتنى لباقة أكاديميين وصحفيين أتراك، خلال لقاءات سريعة، من أن أسمع تفصيلات عن استقبال حكومات الدول العربية الكبيرة للانفتاح التركى على المنطقة العربية. لم يخرج الرد على سؤالى الذى بقيت أردده بصياغات مختلفة عن أن «واجب الحكومة التركية هو أن تتجاوز العلاقات الرسمية وتتوجه إلى الشعوب ورجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدنى». أحدهم توسع فى الرد فقال: «يهمنا جدا أن نقنع العرب بتغيير مناهج التعليم ومحتويات الكتب المدرسية لنمحو الضغائن الموروثة لدى الطرفين». ومع ذلك أجمع كل الذين قابلتهم على أن المشكلات التى ستواجه حكومة أردوغان على صعيد العلاقات الخارجية لا يجوز الاستهانة بها.
لم أكن أقل تشاؤما من هؤلاء الذين يعتقدون أن مسيرة الانفتاح التركى على العرب ستكون صعبة ومعقدة حين طرحت رأيى قائلا: «إن التعقيدات الصعبة ستأتى عندما تجر تركيا معها فى رحلتها شرق الأوسطية مشكلاتها، مثل المشكلة القوقازية «الأرمينية الآذرية»، والمشكلة القبرصية، ومشكلات آسيا التركمانية،والمشكلة الكردية، وتطلب من العرب دعمها.
ماذا نريد وماذا يريدون؟
كنت دائما وأنا صغير، أقف منبهرا أمام مهرج فى سيرك يقبض بيديه على خمس كرات وأحيانا سبع يقذفها فى الهواء ويتلقاها بحرص يمنع سقوط إحداها على الأرض. تصورت دائما أن مهارة الرجل تكمن فى قدرة فائقة على التركيز وتقدير الوقت وحسن توزيعه بين الكرات السبع. وتكمن أيضا فى ثقة كبيرة بالنفس.
هكذا تخيلت المهمة الصعبة التى قررت حكومة تركيا تنفيذها وتحمل مسئولياتها.
تخيلت صعوبة التوفيق بين طموحات العثمانية الجديدة، التعبير المفضل الذى يطلقه المحافظون والديمقراطيون الأتراك على السياسة الخارجية التركية الراهنة، وبين المبادئ الكمالية الأتاتوركية التى اختارت التركيز على الداخل وعدم الاهتمام بالخارج، بحجة أن تحقيق السلام فى الداخل يضمن تحقيق السلام فى الخارج.
وأظن أن فكرة قريبة من هذا المبدأ الأتاتوركى يعتنقها كثير من الحكام العرب. تخيلت كذلك صعوبات أخرى فى التوفيق بين سياسات وسياسات، مثلا بين المصالحة مع أرمينيا من ناحية وسياسات التحالف التقليدية مع أذربيجان من ناحية أخرى خاصة ونحن نعرف أن بين الدولتين نزاعا عجزت قوى عظمى عن تسويته، أو التوفيق بين سياسات هدفها كسب ود العرب وسياسات غرضها عدم فقدان إسرائيل، وبين دعم تطلعات حكومة إيران ونقمة حكومات عربية عليها وخوفها منها، وبين التقارب مع كردستان العراق والمحافظة على وحدة العراق وكلاهما هدفان استراتيجيان، أو التوفيق بين الانفتاح على العرب والمسلمين والانضمام إلى الاتحاد الأوروبى، وبين صعود شعبية تركيا فى العالم الإسلامى وعضويتها فى حلف الأطلسى الذى يخطط مع إسرائيل لغزو إيران والتدخل فى الشئون الداخلية للدول العربية.
****
حفزنى التفكير فى هذه الحقيبة السياسية التى تحوى أهدافا وطموحات صعبة المنال وبعضها شديد التناقض إلى البحث عن تفسيرات مقنعة وإجابات مفصلة لأسئلة بالفعل حائرة. توجهت بقائمة من الأسئلة إلى أحد كبار الدبلوماسيين الأتراك، جانب منها يتعلق بمسيرة الانفتاح على العالم العربى، ويتعلق جانب آخر بتجارب فى التعامل مع قضايا داخلية أعتقد اعتقادا قويا أن كثيرين من مفكرينا يترددون فى الاقتراب منها، بينما فى تركيا اقتربوا منها بالفعل، ورأيتهم يتعاملون معها.
سألت الدبلوماسى الكبير، متعمدا لفت انتباهه إلى السهولة التى تحقق بفضلها الانفتاح على العرب فى خطواته الأولى. سألته إن كان المسئولون الأتراك يدركون أن العرب ليسوا، كما تصور العثمانيون القدامى، كتلة واحدة. وأضفت قائلا: «إن العرب الآن يتوزعون على اثنين وعشرين دولة، لكل منها علم وحكومة وشركة طيران ولكل دولة من هذه الدول حاكم يعتقد، وبكل الثقة، أنه وحده الأعمق فهما لأحوال العرب وأمنهم ومصالحهم، وهو الوحيد الذى يمكن أن يؤخذ رأيه باطمئنان، وإذا تجاوزته تركيا أو لم تتوقف عنده طويلا لتستشيره خلال زحفها الجديد وتطلب نصيحته فسيشن حربا إعلامية وسياسية ضدها ويهيج شعبه ضدها ويؤلب زملاءه من الحكام العرب على تركيا». قلت أيضا إن تركيا الأتاتوركية، على عكس تركيا العثمانية، تجاهلت حقيقة أن فيها شعوبا من أصول عرقية ودينية وطائفية مختلفة عن أصل الجسم الرئيسى للأمة التركية. هذا الأمر ليس ممكنا تكراره فى تركيا الليبرالية وبالتأكيد ليس ممكنا فى العالم العربى بأوضاعه الراهنة، حيث صارت مشكلة الهوية القضية التى تتحدى أكثر من غيرها ذكاء الحكام العرب وخبرتهم وحنكتهم. أضف إلى ما سبق رواسب الماضى الشديدة منذ أيام الإمبراطورية وبعدها فى أيام الغطرسة الأتاتوركية. عدت إلى سؤالى فصغته كالآتى: «كيف استعدت الدبلوماسية التركية لهذه التحديات التى ستواجه حتما مسيرة عودتها إلى العالم العربى؟».
وتدفقت أسئلة أخرى. سألت عن الحد الذى وصلت إليه تركيا على طريق إبعاد المؤسسة العسكرية عن السياسة ووقف تدخلها فى الوظائف والمهام السياسية.
وسألت، أيهما لعب الدور الأكبر فى تحقيق هذا الانسحاب الملحوظ من جانب العسكر، أهو الداخل أم الخارج، وأقصد تحديدا الشعب والطبقة السياسية أم الاتحاد الأوروبى وضغوط الولايات المتحدة ؟. ولم أخف عنه اقتناعنا فى دولنا وفى العالم النامى عموما بأن مشكلة دور الداخل والخارج فى تحديد مسارات بلادنا التنموية والديمقراطية تكاد تشل حركتنا السياسية وتؤثر بشكل حاد فى تحديد اختياراتنا الخارجية واستقلال قراراتنا.
كذلك كنت مهتما بشكل خاص أن أسأل عن قدر الإنجاز الذى تحقق فى تركيا فى مجال إصلاح القطاع الأمنى ووقف تجاوزات الشرطة وغيره من أجهزة الأمن المتعددة، وما إذا كانت تركيا قد تأكدت من أن لا عودة إطلاقا بعد الآن من جانب أجهزة الأمن لاستخدام أساليب قمع وانتهاكات لحقوق الإنسان، ولو بالقدر الذى نجحت به بعض دول أمريكا اللاتينية ودول فى أوروبا الشرقية. لم أنتظر إجابته إذ كان سؤالى التالى على طرف اللسان منذ اللحظة الأولى وكان واضحا على قسمات وجهى تلهفى لسماع الرد عليه.
سؤالى كان عن تفاصيل المؤامرة التى يحاكم بسببها ضباط فى الجيش كانوا يخططون لإثارة فوضى فى تركيا عن طريق شن حملة اغتيالات لقادة المعارضة والطوائف غير الإسلامية والكردية. وكنت أعلم أن رئاسة الأركان ترفض الادعاءات الحكومية، وأن الصدام بين السلطة المدنية والسلطة العسكرية مؤجل لا محالة لأنه على عكس الصدامات السابقة نتائجه غير مؤكدة، فالحزب الحاكم يتمتع بشعبية متصاعدة، وقواعده فى القرى والمدن الصغيرة قوية، والانتماء للهوية الإسلامية، وإن باعتدال وثقة فى النفس واقتناع بمزايا الديمقراطية، كاسح. لم أحصل من الصديق التركى على إجابات شافية. ولا أخفى أننى خرجت بانطباع أن «الموظفين» الأتراك كالموظفين فى عديد من الثقافات لديهم حسابات أخرى.
الأتراك قادمون
نعم تركيا عائدة إلى المنطقة العربية، تعود كدولة وليس كإمبراطورية، كما يقول إينالشيك هاليل أستاذ التاريخ بجامعة بيكنيت بأنقرة، تعود بالقوة الناعمة، اقتصادية كانت أم تليفزيونية أم دبلوماسية.
وليس بالقوة الصلبة أو الخشنة. ولكنها تعود. ويشير إلى أن فى الغرب الآن حيرة وتردد واستفسارات شتى، هل يؤيدون الزحف التركى بأمل التقريب بين المسلمين والغرب أم يعرقلونه خشية عواقب اجتماع هويات إسلامية ضد إسرائيل ومصالح الغرب. سمعت من أستاذ آخر أن المسئولين يلاحظون كثافة ما ينشر فى الآونة الأخيرة من مقالات فى صحف الغرب تتضمن تهديدات مبطنة لهم.
مثال على ذلك ما كتبه سانار كاباتاى ويعمل مستشارا فى معهد واشنطن لشئون الشرق الأدنى التابع لجماعة الضغط اليهودية، متسائلا فى خبث واضح: «هل قررت تركيا الرحيل عن الغرب؟». وبخبث أشد يذكّر المسئولين فى واشنطن بأن حزب العدالة والتنمية، الذى يقوده أردوغان، كان صاحب وصف هجوم القوات الأمريكية على الفالوجة بأنه حرب إبادة، وأنه الزعيم التركى الذى اتهم حكومة عباس فى الضفة الغربية بأنها غير شرعية، وهو الذى انتقد بشدة هجوم إسرائيل على غزة ومنع قواته المسلحة من الاشتراك فى المناورات الدورية المشتركة مع إسرائيل. سانار وغيره عشرات من كتاب المقالات فى الصحف الأمريكية يشنون حملة شرسة ضد حزب العدالة والتنمية بسبب هذه المواقف. وباطمئنان شديد يتحدث محللون أتراك عن مستقبل علاقات بلادهم بالغرب. يقولون إن الغرب ليس واحدا ولا موحدا. ويضربون المثل بنصيحة أوباما للأتراك خلال زيارته الشهيرة لتركيا بأن يواصلوا التقدم ضمن أوروبا الموحدة، وهى النصيحة التى دفعت ساركوزى الرئيس الفرنسى إلى توجيه نقد لاذع إلى أوباما فى أول صدام علنى بينهما عندما طالبه «بأن يهتم بشئونه ولا يتدخل فى شئون الآخرين».
ولا ينسى الأتراك لساركوزى خطابه الذى دعا فيه زعماء أوروبا إلى التوقف عن الكذب.وأضاف «لا أستطيع أن أقول لطلاب مدارس فرنسا أن حدود أوروبا تقف عند سوريا والعراق. تركيا تقع فى آسيا الصغرى وليس فى أوروبا». ولعل أكثر ما آلم المسئولين الأتراك فى انتخاب رئيس وزراء بلجيكا رئيسا للاتحاد الأوروبى لم يكن تصريحه عام 2004 الذى قال فيه: «تركيا ليست جزءا من أوروبا.. ولن تكون» وإنما أن تصريحه هذا لم يقف عائقا ضد ترشيحه وانتخابه من جانب قادة الاتحاد.
****
كنت أستمع إلى محدثى يكرر على أسماعى تفاصيل الحملة الإعلامية الغربية ضد مواقف أردوغان وحكومته بينما ذهب تفكيرى إلى إعلاميين عرب وصفوا مواقف أردوغان وتصريحات زملائه «بالعنتريات التى لا تخدم بلاده ولا تخدم القضايا التى يتصدى للدفاع عنها».
هل يكون الترحيب الشعبى بتركيا نتيجة اقتناع بما حققه الأتراك فى بلادهم من ديمقراطية وتعليم جيد وإعلاء للمجتمع المدنى وتقدم صناعى وتكنولوجى عالى المستوى ودبلوماسية واعية وشجاعة، وكلها إنجازات لم نحقق منها فى بلادنا إلا النذر اليسير. أم يكون لأن تركيا توحى بأنها عاقدة العزم على التخلى عن أواصر التعاون الإستراتيجى التى تربطها بإسرائيل، وبدأت بالفعل تتعمد صنع مسافة تتسع باستمرار وتباعد بينها وبين إسرائيل.
ما زلنا فى بداية مرحلة جديدة فى الشرق الأوسط. اللاعبون الجدد ليسوا من الخارج ولكنهم أيضا ليسوا منا، ليسوا عربا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.