مدير تعليم الإسكندرية يشيد بانتظام الطلاب في بداية الفصل الدراسي الثاني    تدوير المخلفات الإلكترونية.. حملة توعوية بتجارة عين شمس    مبادرة «الخير».. «التضامن» تواصل دعم الأسر الأولى بالرعاية في الإسماعيلية    محافظ الدقهلية يغلق مخبزا بالمنصورة لهذا السبب    «البطران»: القطاع الزراعي يساهم في الناتج المحلي ب15% بقيمة 105 مليارات جنيه    أزمة ضعف شبكات المحمول وخدمات الإنترنت تصل مجلس النواب    معبر رفح يستقبل أولى حالات الدفعة الخامسة من مصابى غزة    وليد سليمان يوجه رسالة نارية لنجم الأهلي: لازم يراجع نفسه لأنه لعيب مهم    محاضرة فنية من معتمد جمال للاعبي الزمالك قبل مواجهة زيسكو    رياضة الوادى الجديد: بدء فعاليات اختبارات الموسم الرابع من برنامج كابيتانو مصر    سيطرة مصرية على جوائز الاتحاد الدولي للخماسي الحديث فى 2025 والوزير يهنئ    منع تداول وتخزين الألعاب النارية وضبط وإعدام 200 عبوة محظور تداولها بالمنوفية    العثور على جثة شاب خلف مول تجاري في الإسكندرية    السيطرة على حريق محدود بمطار القاهرة    ضبط شخص بتهمة التحرش بسيدة أثناء استقلالها ميكروباص في عين شمس    مفتي الجمهورية يفتتح دَورة التعريف بالقضية الفلسطينية    هيئة الدواء تحذر من حقن التخسيس.. تفاصيل خطيرة يكشفها مساعد رئيس الهيئة    وزير الخارجية: نصيب الفرد المصرى من المياه أقل من نصف حد الفقر المائي    محمود فوزي: الحكومة حريصة على التعاون مع النواب لمنع الاصطياد بالمياه العكرة    وزير «النقل» يتفقد الخط الأول من شبكة القطار الكهربائي السريع    ضمن الموجة 28 .. محافظ الفيوم يتابع حملات إزالة التعديات على أراضي أملاك الدولة    رابطة الأندية: لا للذكاء الاصطناعى فى قرعة الدورى وستكون علنية وبحضور الأندية    سلامة الغذاء: إصدار 2492 إذن تصدير لحاصلات زراعية لصالح 1378 شركة    وزير الزراعة و3 محافظين يتفقدون مهرجان التمور والزيتون بالمتحف الزراعىي    نظر الطعن بتنفيذ حكم الإدارية العليا بشأن العلاوات الخاصة لأصحاب المعاشات| 5 مارس    انطلاق الانتخابات البرلمانية في تايلاند وسط رهانات على الإقبال الشعبي    بدء استقبال أوراق التقدم لامتحانات الثانوية العامة 2025/2026 في المدارس    تأجيل استئناف المتهم بقتل مالك مقهى أسوان بالكوربة على حكم إعدامه ل17 فبراير    أعلى من المعدلات ب10 درجات.. الأرصاد: ارتفاع جديد في الحرارة اليوم    النيابة تأمر بعرض السيدة المعتدي عليها من ابنتها بالشرقية على الطب الشرعي    ليوناردو ومارتا عواصف تضرب أوروبا.. إعلان طوارئ وإجلاء الآلاف..فيديو    ريهام عبد الغفور وأمينة خليل وفراج يحصدون جوائز الأفضل بالدراما بالمركز الكاثوليكي    تفاصيل رحلة شتوية 48 ساعة قضتها تيفانى ترامب وزوجها بين معابد الأقصر.. صور    حملة كبرى لمواجهة الدجل.. متحدث الأوقاف: رصدنا إنفاق 10 مليارات جنيه على الخرافة    صدامات مع الشرطة وغاز مسيل للدموع فى احتجاجات ميلانو بسبب الأولمبياد.. فيديو    الصحة: التبرع بالجلد بعد الوفاة لا يسبب تشوهات.. وإصابات الحروق بين الأطفال بمصر مرتفعة    نائب وزير الصحة يحصد جائزة نيلسون مانديلا العالمية لتعزيز الصحة 2026    تحذير علمي: الجدري القاتل قد يشعل جائحة جديدة عبر فيروسات مشابهة    السويد تحظر أغنية مولدة آليًا.. رغم نجاحها    مشاعر إنسانية وصراعات عاطفية.. تفاصيل مسلسل نيللي كريم الجديد «على قد الحب»    «أبناء النيل» .. مصر تتبنى رؤية جديدة للتعاون مع إفريقيا.. والسيسي يتعامل بذكاء سياسى    الاحتلال يواصل خروقاته: شهيدان وغارات جوية وقصف مدفعي مستمر على القطاع    الوفد لن يكون ديكورًا سياسيًا.. وسنستعيده من أحضان «الشللية»    الصحة: الدولة لم تشهد أي حالة تبرع أو نقل عضو والإشكالية هي "القبول المجتمعي"    رئيس الحسين إربد: عرض بيراميدز أقل بقليل من الأهلي لضم فاخوري    نيويورك تايمز: إيران تعيد بناء منشآتها الصاروخية بوتيرة متسارعة مقابل تعثر إصلاح المواقع النووية    الأوقاف: لا صحة لمنع إذاعة الفجر والمغرب والتراويح بمكبرات الصوت في رمضان 2026    بحثًا عن التأهل الزمالك يواجه زيسكو اليوم بالكونفدرالية.. شاهد بث مباشر الآن دون تقطيع    مصر تدين الهجمات على قوافل المساعدات الإنسانية والمنشآت الطبية والنازحين في السودان    أستاذ أمراض جلدية: صلاحية الأنسجة من 6 ل 12 ساعة.. ونقلها يتطلب هليكوبتر ومهابط بالمستشفيات    بمشاركة مصطفى محمد.. نانت يواصل نزيف النقاط بهزيمة أمام ليون في الدوري الفرنسي    برعاية الإمام الأكبر.. إعلان الفائزين في الموسم الخامس من مسابقة «مئذنة الأزهر للشعر» المخصص لدعم القضية الفلسطينية    هجوم صاروخي أوكراني يضرب بريانسك ويخلف جرحى وأضرارًا بالبنية التحتية    وفد أزهري يخطب الجمعة في ثلاثة مراكز بإيطاليا ويعقد لقاءات علمية مع الجاليات العربية في ميلانو    هل يجوز تأخير الدورة الشهرية بالأدوية لصيام رمضان كاملًا؟.. أمينة الفتوى تجيب    أزمة الأخلاق وخطر التدين الشكلى!    بعد مقترح برلماني.. عالم أزهري يضع 7 ضوابط شرعية للتبرع بالجلد بعد الوفاة    أول تحرك برلماني بشأن ضوابط استخدام مكبرات الصوت بالمساجد في شهر رمضان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



شعبويون وانتحاريون
نشر في الشروق الجديد يوم 19 - 03 - 2017


أوروبا على أعصابها ومصيرها معلق فى الفضاء السياسى.
بأى قدر يمكن لليمين المتطرف المضى فى الانقلاب الاستراتيجى، الذى تولد عن الخروج البريطانى من الاتحاد الأوروبى برسائله ومخاوفه على مستقبل الاتحاد كله وصعود «دونالد ترامب» بخطابه الشعبوى ضد المهاجرين والأقليات إلى الرئاسة الأمريكية.
وإلى أى حد يمكن لذلك اليمين أن يتغلغل فى بنية صناعة القرار ويقلب قواعد اللعبة السياسية، التى استقرت بعد الحرب العالمية الثانية رأسا على عقب؟
وكيف تصبح صورة أوروبا بعد أكثر من قرنين على الثورة الفرنسية وما استقر فى دساتير دولها من قيم إنسانية بغض النظر عن مدى الالتزام بها؟
وجدت تلك الأسئلة إجابة أولية عليها فى الانتخابات الهولندية أنه يمكن وقف تقدم اليمين المتطرف.
لم تكن مصادفة أن تتجاوز ردات الفعل الأوروبية من اليسار واليمين التقليديين على نتائج تلك الانتخابات الحدود المعتادة إلى ما يشبه الاحتفال الجماعى.
غير أن كسب اختبار انتخابى لا يعنى بالضرورة أن الخطر زال، فالأسباب التى أدت إلى صعود الشعبوية ماثلة فى بنية مجتمعاتها، كما فساد وفضائح نخب الحكم السائدة وبيروقراطية الاتحاد الأوروبى، فضلا عن أنها تتغذى على الإرهاب الذى يروع الحواضر الأوروبية من وقت لآخر بعملياته الانتحارية.
الشعبويون والانتحاريون وجهان لعملة واحدة، وكلاهما يبرر وجوده بالآخر.
بصورة ما يمكن اعتبار خسارة «جيرت فيلدرز» اليمينى المتطرف مكسبا للعالمين العربى والإسلامى، كما لأوروبا الحديثة، فهو موغل فى العداء لكل ما له صلة بالإسلام من كتابه المقدس إلى مساجده ومراكزه الدينية فى هولندا.
غير أن ذلك المكسب تحوطه تساؤلات جادة حول مدى إدراكنا هنا فى الإقليم لخطورة ما قد يطرأ من انقلابات أوروبية على مستقبلنا نفسه.
بدا العالم العربى غائبا تماما عما هو موصول بمستقبله، بينما تجلى التداخل التركى نوعا آخر من الشعبوية يسىء إلى أية قضية.
فقد سعى مسئولون أتراك، بينهم وزير الخارجية «مولود جاويش أوغلو»، إلى استخدام العاصمة أمستردام، حيث تتمركز جالية تركية كبيرة كمنصة دعاية وتعبئة لدعم التعديلات الدستورية المرتقبة، التى تعزز سلطة «رجب طيب أردوغان».
تناقض ذلك السعى مع الأوضاع الداخلية الهولندية غداة الانتخابات النيابية.
تعديلات «أردوغان» الدستورية تكرس لدولة الرجل الواحد، وسجله فى الحريات الصحافية وحقوق الإنسان وضمانات المحاكمات العادلة مخز، فإذا ما سمحت السلطات الهولندية بتلك المنصة تعرض نفسها أمام أنصارها الليبراليين لانتقادات حادة تضعف من حظوظها الانتخابية.
بالوقت نفسه فإن اليمين الشعبوى لن يتورع عن استخدام تلك المنصة التركية لإثارة حملات كراهية جديدة ضد الإسلام والمسلمين، فلا توجد سوابق معروفة فى أن تستخدم دولة ما أراضى دولة أخرى فى مهرجانات انتخابية تخصها.
لم يكن «أردوغان» مستعدا أن يتفهم حساسية الموقف الهولندى فى وقت انتخابات ولا خشية تغلغل اليمين المتطرف.
حاول أن يوظف الأزمة لتعبئة الرأى العام فى بلاده ضد من أسماهم «فلول النازيين» قاصدا القوى والتيارات السياسية التى تحارب اليمين المتطرف لحسم نتائج الاستفتاء التركى على تعديلاته الدستورية.
انتهكت المعانى والألفاظ إلى حدود غير متصورة بأى منطق، فأسبغ الوصف نفسه على المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل».
نفس المفارقة أقدم عليها «فيلدرز» بتشبيه «القرآن الكريم» بكتاب «كفاحى» للزعيم النازى «أودلف هتلر».
خلط الأوراق من طبائع الشعبوية التى تخاطب الغرائز لا العقول.
بالتوجه العقائدى فإن «فيلدرز» عنصرى يعادى الأقليات والمهاجرين ويسعى إلى طردهم وإلغاء أى مظهر للإسلام.
هو صيغة هولندية من أفكار «هتلر»، ومع ذلك فإنه بالخطاب الشعبوى أحال الاتهام إلى آخرين دون أن يتخلى عن جوهره.
على نحو آخر من انتهاك المعانى قال رئيس الوزراء التركى «بن على يلدرم»: «إن الانتخابات الهولندية أظهرت جوهرية الدور التركى وتأثيره فى لجم العنصرية فى أوروبا».
كيف؟
ومتى حدث ذلك؟
ثم قال دون تحرز: «إن الدول الأوروبية تبنى سياساتها الآن وفقا لتركيا».
مثل تلك التصريحات لا تستند على أى أساس حقيقى ولا شبه حقيقى.
تركيا المأزومة فى طبيعة نظامها وفى وجودها نفسه، حيث تتهددها سيناريوهات إنشاء دولة كردية تخصم من كتلتها السكانية نحو ثلثها ليست فى وضع يسمح لها بالحديث على هذا النحو المتعالى، لكنها الشعبوية التى تخاطب الاستهلاك المحلى قبل حسابات المنطق والحقائق.
كأى مشهد هزلى من هذا النوع، فإن الحقائق سوف تتجاوزه سريعا وتبقى الهواجس تطرح تساؤلاتها الجوهرية عن مستقبل أوروبا وتبعاته الخطيرة على المستقبل الإنسانى، وقد اقتربت مواقيت الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأكثر خطورة وأهمية.
حسب إجماع استطلاعات الرأى فإن رئيسة حزب «الجبهة الوطنية» «مارين لوبن» فى وضع انتخابى يؤهلها لجولة الإعادة الحاسمة، بينما ممثلو الأحزاب اليسارية والجمهورية فى وضع مرتبك لم يسبق له مثيل منذ تأسيس الجمهورية الخامسة عام (1958).
يلفت النظر فى الانتخابات الفرنسية أن الجواد المحتمل الآخر لجولة الحسم «إيمانويل ماكرون» أسس حركة ليبرالية منذ عام واحد، واكتسب أنصارا من توجهات متباينة بين اليمين واليسار.
أكثر المعانى وضوحا فى المشهد الفرنسى أن مؤسسة الحكم بأحزابها التقليدية التى تتداول السلطة توشك على التداعى دون أن يعرف أحد إلى أين؟
وقد كان غلاف مجلة «الإيكونوميست» الاقتصادية الرصينة فى الأسبوع الأول من مارس الحالى تعبيرا عن مدى القلق الأوروبى العام من نتائج تلك الانتخابات، وما قد تفضى إليه من انقلابات استراتيجية فى قلب القارة العجوز.
بعبارة محملة بهواجس المستقبل وما قد يحدث فيه تصدر غلاف المجلة البريطانية: «الثورة الفرنسية التالية».
باريس قضية أخرى ووزنها استثنائى فى التاريخ الأوروبى.
إذا ما سقطت فى قبضة اليمين الشعبوى فإنه انقلاب تاريخى كامل على إرث إنسانى ألهم بالثورة الفرنسية قبل قرنين قيم الحداثة والحرية والمساواة.
وعبر طرق متعرجة وصراعات مفتوحة لحقتها الدول الأوروبية الأخرى بدرجات متفاوتة.
إلى أين يمكن أن يفضى الانقلاب المضاد؟
وإلى أى مدى يؤثر فى الاستراتيجيات الغربية ومستقبل الاتحاد الأوروبى نفسه ومنظومته الدفاعية وطبيعة علاقته بإقليمنا المشتعل بالنيران؟
ثم ما حدود القدرة الفرنسية على تحمل الأزمات الداخلية المحتملة التى ترشح جماعات العنف والإرهاب إلى مزيد من التمركز؟
بيقين فإن المقاومة الفرنسية سوف تكون أكبر والصراعات أفدح مما جرى فى أمريكا بعد صعود «ترامب»، ولذلك تداعياته على استقرار القارة كلها.
الاختبار الهولندى مهم والاختبار الفرنسى حاسم.
وهناك اختبارات أخرى بمواقيت متعاقبة تشمل دولا أوروبية مركزية مثل ألمانيا، حيث مركز الثقل الاقتصادى للاتحاد الأوروبى.
إلى أين من هنا؟
السؤال يتجاوز أوروبا إلى الإقليم الذى نعيش فيه، لكننا لا نبدو منتبهين لانقلابات قد تحدث وتعصف بشلالات دم جديدة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.