"التموين": دمغ 150 سبيكة ذهب أسبوعيا من منجم السكري    زيادة تعريفة ركوب وسائل النقل العام في غانا    الأرصاد الجوية تنشر بيانا بطقس اليوم الأحد    الحكم بسجن فنان شهير بسبب خيانته الأمانة ضد زوجته الفنانة    تسجيل صوتي منسوب لزوجة محمد علي تطالبه بالاهتمام بشؤون ابنته    ظهور 3 حالات إصابة بفيروس زيكا في سنغافورة    دراسة: أمهات اليابان يفضلن دور الحضانة لرعاية أطفالهن أثناء العمل    بعد إعصار دوريان.. أومبرتو تجتاح جزر الباهاما    "صباحي انت" تحصد مليون مشاهدة في أقل من 72 ساعة!    من المهلكات جسد معطل عن طاعة الله    فعلها مع "ماي".. نكسة جديدة ل"بوريس جونسون" باستقالة نائب آخر من حزبه    صبط 3 سائقين يتعاطون المخدرات أثناء القياده بالبحر الأحمر    زى النهاردة 1928.. ألكسندر فلمنج يتوصل لعقار البنسلين    زكي: اتصلت بمؤمن زكريا اليوم وذُهلت مما سمعته    هيئة البحرين للسياحة تحتفل باليوم الوطنى السعودى 19 سبتمبر الجارى    سفير مصر في أوكرانيا يزور الطلاب المصريين المتضررين بجامعة الدونتسك الوطنية بكيرفوجراد|صور    اليوم.. وزير النقل في زيارة خاطفة لمحافظة البحيرة    عقب مؤتمر الشباب الثامن.. هاشتاج نثق بالجيش نثق بالسيسي يتصدر تويتر    محمد كمال التهامي : بث الشائعات جريمة تستوجب أقصى العقوبات    قادة غرب أفريقيا يتعهدون بمليار دولار لمكافحة الإرهاب    سرقة مرحاض من الذهب الخالص من داخل قصر بريطاني    عمرو أديب يكشف القيمة الحقيقية لشهادات "قناة السويس".. ويوجه رسالة للإخوان.. (فيديو)    من المهلكات عمل لا إخلاص فيه    شاب يطعن شقيقه بمطواة في بولاق الدكرور    ضمن المبادرة الرئاسية " حياة كريمة ".. أوقاف أسيوط توزع 9 طن لحوم على الاسر الفقيرة بالقرى    مقتل شخص وإصابة 4 في إطلاق نار بمدينة ميسيسوجا بكندا    الرخاوي: نستهدف إحداث طفرة في مسار وتقنيات العلاج النفسي الجمعي في مصر والعالم العربي    ضبط راكب حاول تهريب أكثر من ألف قرص مخدر    حقيقة فقدان عاصى الحلانى الذاكرة    تصريحات السبت|أول تعليق من ماني على أزمته مع صلاح.. وطبيب الأهلي يكشف حجم إصابة أشرف    مرتضى: أسعدنا جماهير الزمالك بمشاهدة فريقهم.. ولم نفعل مثل رئيس الأهلي    وزارة الطاقة الأمريكية: واشنطن مستعدة لاستخدام احتياطيات النفط عقب هجمات السعودية    المخرج تامر الخشاب: أثق في تقدير الرئيس ولا يجب أن نصدق كل ما نشاهده    خالد الغندور يشيد بهدف مصطفى محمد    "كلنا كده عايزين صورة".. أبطال الألعاب الأفريقية المكرمون ل"الوطن": السيسي فرحنا    عمرو أديب ل«محمد علي»: البلد دي قوية وعنيدة.. وهيجي يوم وتروح منك زي وائل غنيم    فعاليات ثقافية وفنية "للأطفال المعرضين للخطر" بالإسكندرية    "تحليل خطاب".. الهارب "محمد علي" يستهدف عديمي الخبرة والفيديوهات "مملة"    وزير الخارجية الأمريكي: إيران المسئولة عن الهجمات على المنشآت النفطية بالسعودية    برلمان مقدونيا الشمالية يوافق على إقالة النائب العام المختصة بفساد المسئولين    دعاء في جوف الليل: اللهم الطف بنا لطف الحبيب في الشدائد ونزولها    ‫الجفري يوضح الفرق بين استفتاء القلب واتباع الهوى    علماء الدين: الشائعات سلاح المنافقين.. ومصر ترد بمزيد من الإنجازات والتنمية    الانتخابات التونسية.. حسابات ما قبل التصويت    وزير الطاقة السعودي يدعو للمحافظة على إمدادات الطاقة ضد الهجمات الإرهابية    وزير النقل يبحث مع رؤساء الموانئ البحرية الموقف التنفيذي والمالي للمشروعات    بوسي تكشف حقيقة القبض عليها من منزلها بالتجمع الخامس (صور)    طبيب عيون يُكذب محمد على: لا توجد حساسية للعين من الماء    اليوم.. الجنايات تواصل سماع مرافعات الدفاع في" كتائب حلوان"    ضبط دقيق مدعم قبل بيعه فى السوق السوداء بالدقهلية    اتحاد السلة يعلن عن موعد مباراة السوبر بين الزمالك والجزيرة    الحاج ضيوف يصافح «تيجانا» وأحمد جلال بعد مباراة الزمالك وجينيراسيون    مواقيت الصلاة اليوم الأحد 15 سبتمبر 2019    "عاشور" يكرم 600 من أبناء المحامين المتفوقين دراسيا    تونس.. صناديق الاقتراع تحسم «خليفة السبسي» (ملف خاص)    كارليس بيريز: أنا أستمتع باللعب مع برشلونة مثل أي طفل صغير    نيمار يكشف سبب طلبه الرحيل عن باريس سان جيرمان    خلال ساعات.. انطلاق المؤتمر الدولي ال30 ل"للشؤون الإسلامية" برعاية السيسي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





لماذا يعشق البريطانيون شرب الشاي؟
نشر في الشروق الجديد يوم 08 - 06 - 2016

يحتسي البريطانيون ما يربو على 60 مليار كوب من الشاي سنويًا، فما السر وراء ذاك الكوب البسيط الذي ينعشهم ويجددّ نشاطهم إلى هذا الحدّ؟
من الواضح أن البريطانيين يحبون نكهة الشاي، سواء كان ممزوجًا بالحليب أو بالسكر أو بالليمون أو بلا أي إضافات. فثمة شيء في مرارة الشاي الحادّة يجعل الناس يقبلون على شربه، إذ يستهلك البريطانيون 60 مليار كوب سنويًا، بحسب جمعية الشاي ومشروبات الأعشاب في المملكة المتحدة.
وهذا يعني أن نصيب كل رجل وامرأة وطفل في بريطانيا العظمى أكثر من 900 كوب في السنة، وإن كان كلٌ منّا يعرف، بالتأكيد، شخصًا يشرب أكواب من الشاي أكثر من هذا العدد بكثير.
لقد بات الشاي جزءًا من حياة الشعب البريطاني اليومية، يحتسونه في استراحاتهم المتواضعة أثناء يوم العمل ويستمتعون به في حفلات الشاي، وهم يرتدون الأزياء الرسمية، بالطبع الجاكيت ورابطة العنق للرجال، في أفخم فنادق لندن.
ولكن ماذا عن الجزيئات التي تُكسب هذا الشراب المُحبب إلى النفس ذاك الطعم المميز؟ وهل تكشف طريقة تناولك للشاي عن أحد جوانب شخصيتك؟
وللإجابة عن هذين السؤالين، دعنا نحاول في البداية أن نكتشف ما الذي يُكسب الشاي هذا المذاق تحديدًا. إذ يتأثر مذاق الشاي بالطريقة التي يُزرع ويعالج بها، وأيضًا بطريقة تحضيره، بداية من تعرضه للضوء.
وتنمو شجيرات الشاي على مدرجات في الأراضي المنحدرة في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية. ومن أجل الحصول على أنواع بعينها من الشاي الأخضر من الشجيرات، مثل شاي الماتشا، يتوخى المزارعون الحرص عند تظليل الشجيرات بشباك وحُصُر.
فإذا تعرضت الشجيرات لضوء الشمس أقل مما هو مطلوب ستنتج نسبًا أعلى من الكلوروفيل ونسبًا أقل من بوليفينول، وهي فئة من الجزيئات المسؤولة عن إكساب الشاي هذه المرارة التي يتميز بها عن سائر المشروبات.
لا شك أن البعض يستسيغ هذا المذاق المُرّ، الذي قد تزيد طريقة معالجة الشاي من حدّته. وبعد قطف الأوراق الحديثة الصغيرة والبراعم من الشجيرة، تُفرد لتجف.
ويتوقف طول الفترة التي تُترك فيها الأوراق والبراعم لتجف على نوع الشاي المطلوب. فمن أجل الحصول على الشاي الأخضر، توضع الأوراق على الفور تقريبًا في قِدر ساخن أو تُعالج بالبخار، وعلى الرغم من أن الشاي سيبدو في هذه المرحلة وكأنه غير معالج على الإطلاق، إلا أنه في واقع الأمر مطهو أو على الأقل معالج بالحرارة.
أما للحصول على شاي الأولونغ، فتُقطع الأوراق وتُطحن بعد أن تجف قليلًا ثم تُطهى. وللحصول على الشاي الأكثر شهرة من بين أنواع الشاي، وهو الشاي الأسود، الذي يمثل 78 في المئة من إجمالي الشاي المستهلك حول العالم، تُترك الأوراق المطحونة لتجف لفترة طويلة قبل أن توضع في قدر ساخن على درجة حرارة منخفضة لعدة ساعات.
والسبب وراء تغير لون الشاي هو أنه أثناء تجفيف أوراق الشاي، تعمل الإنزيمات الموجودة في نبات الشاي بكثافة على تحويل الجزيئات البسيطة إلى جزيئات معقدة. وكلما قضى الشاي وقتًا أطول في التجفيف، عملت الإنزيمات لفترة أطول ومن ثم زادت هذه الجزيئات في أوراق الشاي.
وتعدً المادة الأكثر شهرة من بين المواد التي تشتمل عليها التركيبة الكيميائية لنبات الشاي، مادة الثيافلافين، وهي عبارة عن مجموعة من حلقات الكربون المتشابكة، وهذه المادة هي المسؤولة عن إضفاء اللون الأحمر الناضر على الشاي الأسود، وإكسابه بعض المرارة.
ولإيقاف عملية تحويل الجزيئات البسيطة إلى جزيئات مركبة، تعالج أوراق الشاي بالحرارة، من أجل تدمير الإنزيمات. وكنتيجة لذلك، يحتوي الشاي الأخضر، على سبيل المثال، على نسبة قليلة للغاية من ثيوفلافين (وهو بوليفينول مضاد للأكسدة) والجزيئات ذات الصلة.
ولكن بالإضافة إلى البوليفينول، تتكون مئات المركبات الأخرى في الشاي مع مرور الوقت، بيد أن دور هذه المركبات في إكساب الشاي هذه الرائحة والمذاق المميزين لم يتضح بعد. ومع ذلك، فإن المحصلة النهائية هي تركيبة كيميائية مميزة لكل نوع من أنواع الشاي.
ونظرًا لإقبال الناس على تناول الشاي بكميات كبيرة، جذبت عادة شرب الشاي انتباه الكثيرين مؤخرًا لمعرفة ما إن كان لهذه العادة أي فوائد صحية أم لا.
وقد اتضح أن الجزيئات الموجودة في الشاي يمكنها أن تحمي الخلايا في طبق (طبق بتري الذي يُستخدم لزراعة الخلايا) من بعض الأنواع من التلف، ولكن على الرغم من الكثير من الأبحاث التي أُجريت في هذا الصدد، تضاربت الأدلة بشأن فوائد شرب الشاي، بخلاف تدفئة اليدين وتنبيه الذهن.
فإن الشاي، بالطبع، به مواد منبهة. إذ يحتوي كوب من الشاي على نصف نسبة الكافيين تقريبا الموجودة في نفس الحجم من القهوة، ولكن حتى هذه النسبة، على قلتها، تكفي لتنعش وتنشط الذهن في فترة ما بعد الظهيرة.
وربما تكون قد سمعت من قبل أن الكافيين الموجود في الشاي له تأثير منعش ومريح للأعصاب يختلف عن تأثير الكافيين الموجود في القهوة.
وقد توصلت دراسات عديدة إلى أن هذا التأثير المنعش، إن وُجد، يُعزى إلى حامض أميني يوجد في الشاي ويسمى ثيانين. فعندما تناول متطوعون كافيين وثيانين، في مقابل كافيين وجزيئات أخرى في الشاي، فإنهم كانوا أكثر تنبهًا ونشاطًا، بقدر معتدل، وأكثر قدرة على تحويل الانتباه من مهمة إلى أخرى (أي القدرة على التأقلم مع الأوضاع سريعًا)، ممن تناولوا الكافيين وحده.
ربما تختلف نسب الكافيين في كوب من الشاي عن الجرعات التي تناولها المتطوعون خلال إحدى الدراسات، كما أن تأثير الثيانين ليس بهذه القوة، ولكن حتى لو تناولت الكافيين وحده سيرفع من معنوياتك إلى حدّ معقول.
وكل ما سبق إذن يكسب الشاي هذه النكهة المميزة، ناهيك عن تجديد نشاط محتسي الشاي. ولكن لماذا يمثل هذا المزيج من الجزيئات أهمية كبيرة للشعب البريطاني؟ وكيف يدّل تفضيلك لنوع من الشاي عن الآخر وطريقة احتسائك للشاي عن شخصيتك؟
كتبت كيت فوكس، عالمة أنثروبولجي (علم الإنسان) في كتابها "مراقبة الشعب الإنجليزي"، أن طريقة تحضير البريطانيين لفنجان الشاي لها الكثير من الدلالات الواضحة.
فقد لاحظت أن الشاي الأسود الثقيل للغاية، الذي يحتوي على أكبر جرعات من هذه الجزيئات، يفضله في المعتاد أولئك المنتمون إلى الطبقة العاملة، وكلما ارتفع المستوى الإجتماعي أصبح لون الشاي أخف تدريجيًا.
أما عن اللبن ومواد التحلية فتحكمهما مجموعة من القواعد الخاصة بهما، إذ كتبت فوكس: "يَعدُ الكثيرون وضع السكر في الشاي دلالة لا تخطئها عين على تدني المستوى الاجتماعي للشخص، حتى لو أضاف الشخص ملعقة واحدة فحسب من السكر، فإنه، ما لم يكن مولودًا قبل عام 1955 تقريبًا، سيثير الريبة في عيون من حوله، أما إذا أضاف أكثر من ملعقة سكر واحدة فهو ينتمي على أفضل الأحوال إلى الطبقة الوسطى، ولكن إذا أضاف أكثر من ملعقتين فسيوقنون أنه ينتمي إلى الطبقة العاملة".
وتتضمن القواعد الأخرى توقيت وكيفية إضافة الحليب، إن أضيف من الأصل. فإن الحرص على احتساء شاي "لابسونغ سوشونغ" المُدخن بلا سكر ولا حليب قد يكون دلالة على القلق الطبقي الذي يصيب أولئك المنتمين إلى الطبقة الوسطى خشية تصنيفهم في طبقة أقل، وهنا تقترح فوكس: إنها ببساطة أشبه بما يشعر به المرء حين يرى أحدهم يشرب شاي "عمال البناء" في أكواب كبيرة ممزوجًا بالسكر واللبن، فهو دليل قاطع على انتماء هذا الشخص للطبقة العاملة.
ولكن لمَ يحتسي البريطانيون شرابًا معدًا من أوراق مجففة مستوردة منقوعة في ماء دافيء؟ ثمة أسباب تاريخية عديدة لمجيء الشاي عبر البحار إلى بريطانيا. ويمكن للمرء أن يفترض العديد من الأسباب المنطقية التي تفسر لماذا سارت الأمور على هذا النحو، فإن غلي الماء لإعداد الشاي، مثلًا، يقلل من إحتمالات أن تصيبك أوراق الشاي بفيروس في المعدة.
وهذا يذكّرني بكلام عالم غذائي، تواصلت معه عبر البريد ذات مرة، فقد كتب حينذاك : "أرى أن المرء يتأثر ببيئته، أو ما يسمى بالسياق، عندما يختار طعامه".
فأنت لا تحب شيئًا معينًا بالضرورة بسبب خصائصه الجوهرية فقط، على الرغم من أن المرء يمكنه أن يستسيغ كل شيء تقريبًا تدريجيًا. فربما تنبع الأهمية الحقيقية لأحد الأطعمة أو المشروبات في حياتك من كل ما يحيط بهما، أي العوامل الثقافية لكل منهما.
وقد لاحظت فوكس أن الشاي، في واقع الأمر، بالإضافة إلى خصائصة الكيميائية، هو وسيلة مثالية لشغل الفراغ الاجتماعي. فقد كتبت فوكس، بعد أن وصفت باستفاضة الدلالات الثقافية لطرق تحضير الشاي المختلفة: "إن تحضير الشاي هو أفضل نشاط يلجأ إليه المرء للهروب من المواقف المحرجة، فحينما يشعر البريطاني بالارتباك أو القلق في المواقف الاجتماعية- كما هي الحال في كل الأوقات تقريبًا- فإنه يلجأ إلى تحضير الشاي".
والمثير للدهشة أن بعض الجزئيات التي تكسب الشاي هذا الطعم من المرجح أنها قد تطورت في أوراق الشاي كوسيلة دفاعية لئلا تأكلها الطيور والحشرات وسائر الكائنات. وهذا الأمر يبعث على التندر بعض الشيء، إذا نظرت إلى تهافتنا، نحن البشر، من أجل الحصول عليه، وإلصاق العديد من الدلالات الاجتماعية به.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.