صاحب الفضيلة الشيخ سعد الفقي يكتب عن : دولة التلاوه هل نراها في قيام رمضان؟    بكام البلطى النهارده.... اسعار السمك اليوم الخميس 29يناير 2026 فى اسواق المنيا    صعود مؤشرات الأسهم الروسية في بداية تعاملات بورصة موسكو    جايل الهندية تقيم عروضا لعطاءات الاستحواذ على حصة في مشروع إسالة الغاز في أمريكا    استجابة ل الشروق.. حملة مكبرة لرفع مخلفات أرض ستوديو مصر بالعروبة    «التخطيط» تتعاون مع «شنايدر إلكتريك» لدفع العمل المناخي وتعزيز الأمن الغذائي    فريدريش ميرتس: أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها ولن تخضع للتهديدات    وزير «الخارجية» يبحث مع نظيره الفرنسي مستجدات الأوضاع الإقليمية    حملات رقابية مكثفة لضبط الأسواق مع قرب حلول شهر رمضان    حالة الطقس في الكويت اليوم الخميس 29 يناير 2026    بعد نفيها للواقعة.. براءة زوج اتهمته زوجته بإلقائها من شرفة منزلهما ببورسعيد    استكمالا لاحتفالات عيد الشرطة، دار الكتب والوثائق تكشف عن 7 أسطوانات نادرة لموسيقى "مدرسة البوليس"    اليوم.. استراحة معرفة تناقش ضرورة الشعر في زمن السرعة بمعرض القاهرة للكتاب    متهمان بقتل نقاش في الزاوية الحمراء يمثلون الجريمة    نائب وزير الصحة: جهود مكثفة لتحسين المؤشرات السكانية بالمنيا    طريقة عمل فطائر الهوت دون بالجبن للتدفئة في ليالي الشتاء الباردة    حماس: جاهزون لتسليم الحكم إلى لجنة التكنوقراط    تعطل حركة قطار "طنطا_منوف" بالمنوفية لمده 20 دقيقة    إطلاق ماكينات إلكترونية لتجديد رخص القيادة وبدل الفاقد.. خبير يكشف التفاصيل    رئيس الوزراء البريطاني: تحسين العلاقات مع الصين أمر «حيوي»    بعثة الأهلي تغادر إلى تنزانيا لخوض مباراة يانج أفريكانز    مروة عبد المنعم تكشف تفاصيل تعرصها لسرقة مالية    مودرن سبورت يستضيف الإسماعيلي في اختبار صعب بالدوري    سعر الذهب يتجاوز 5550 دولاراً للأونصة    تنفيذ 24 قرار إزالة في 5 مراكز وحي فى أسيوط    وزير التعليم العالي يشهد احتفالية تكريم أوائل الثانوية العامة والأزهرية    بشير التابعي: خبرة الأهلي تقوده للقب الدوري وعلامات استفهام على الزمالك    الاتحاد الأوروبي يدرس تصنّف الحرس الثوري الإيراني «منظمة إرهابية»    عين لا تنام.. كاميرات المراقبة سلاح الداخلية فى كشف الجرائم    وزير الخارجية يلتقي الدفعة 58 من الملحقين الدبلوماسيين المعينين حديثًا    صحة الوادى الجديد: اعتماد مخازن التطعيمات بقطاع الصحة بالمحافظة    كم ساعة من النوم يحتاجها جسمك لتعافي العضلات فعليًا؟ العلم يجيب    مصرع شابين وإصابة 2 آخرين إثر تصادم درجتين بسيارة نقل فى الشرقية    الحرب قادمة| الرئيس الأمريكي يحذر إيران: أصابعنا علي الزناد    رحل وهو معتمر.. وفاة معلم من قنا بالأراضي المقدسة    متوسط العمر المتوقع في أمريكا يصل لأعلى مستوى على الإطلاق في عام 2024    بعثة الأهلى تصل مطار القاهرة استعدادا للسفر إلى تنزانيا    قرارات نارية| رسميًا.. «كاف» يعلن عقوبات السنغال والمغرب في نهائي «كأس أفريقيا»    الشرطة الداعم لسيدات مصر في حملة ال 16 يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة    عيد الشرطة بطولات ماسية.. 74 عاما في خدمة الوطن    مصطفى عسل يتأهل إلى نهائى بطولة الأبطال للاسكواش بأمريكا    حركة النجباء تعلن فتح باب التطوع في جميع محافظات العراق    صناعة القارئ عبر بوابة معرض الكتاب    ذكرى (جمعة الغضب).. الشارع ومعه الإخوان في مواجهة مبارك وداخليته    تروبين حارس بنفيكا عن هدفه ضد ريال مدريد: طلبوا منى التقدم ولا أعرف السبب    فضل دعاء صلاة الفجر وأهميته في حياة المسلم    دعاء الرزق.. باب الفرج وتوسعة الأرزاق باليقين والعمل    الدكتور مصطفى حجازي يوقع كتابه الجديد «قبض الريح» في معرض الكتاب    الباحثة شيماء سعيد بعد إطلاق كتابها «المهمشون في سينما إبراهيم أصلان»: أتمنى تحويل رواية «وردية ليل» إلى فيلم سينمائي    د.حماد عبدالله يكتب: سمات المدن الجميلة (الحب ) !!    60 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات بمحافظات الصعيد.. الخميس 29 يناير    إصابة شخصين إثر اندلع حريق داخل عقار بإحدى قرى المنيا    سداسية ليفربول ورباعية برشلونة.. تعرف على أهم نتائج الجولة الختامية من مرحلة الدوري بأبطال أوروربا    ندوة مناقشة رواية «ثمرة طه إلياس».. حمدي النورج: التنوّع سمة أصيلة لدى كبار المبدعين    دوري أبطال أوروبا، تشيلسي يخطف فوزا هاما أمام نابولي في الجولة ال8    مجلس القضاء الأعلى يحتوي أزمة التعيينات.. إجراءات تعيين دفعات جديدة من أعضاء النيابة العامة وزيادة أعداد المقبولين الأبرز    الأكاديمية الوطنية للتدريب تختتم برنامج تأهيل أعضاء مجلس النواب الجدد    وزارة الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان تضحيات لا تنسى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لماذا يرحل الطّيبون دائماً دون وداع يا فلك الدّين كاكه يي؟!

" لماذا يرحل الطّيبون دائماً دون وداع"؟! سؤال يقترن بنفسي برحيل الصّديق السّامي والمناضل والمفكّر و الفيلسوف والسياسي فلك الدّين كاكه يي.لكن قدر هذا السّؤال أن يظلّ معلّقاً في الصّمت دون أن يجيب عنه فلك الدين على غير عادته المتدفّقة بالعطاء والمعرفة والتّواصل المتواضع الحنون الطّيب الذي يشبه قسمات وجهه الطّيب الذي لا أعتقد أنّها تعرف كرهاً أو حقداً أو غيرة أو حسداً قد لبّدها في يوم من الأيام.إنّه الموت هو من خطف هذا الرّجل البديع الإنسانيّة،وهرب به بعيداً نحو أرضه السّريّة،كانت آخر كلماته لي هي في دورة العام 2012 لمهرجان كلاويز،حيث أثنى على كلمتي باسم الوفود العربيّة المشاركة في المهرجان،وسألني إن كنتُ قرأت كتابه الأخير"انقلاب روحي" الذي أهداه إليّ في زيارتي الأخيرة إلى أربيل،وما رأيي فيه؟،ثم غادر المكان على عجل يبدو فيه أثر المرض والإعياء والتّعب الذي ما سمح له أن يمنعه من أن يشارك في الفعاليات الثقافيّة والمعرفيّة والإنسانيّة والوطنيّة.
كنتُ أعتقد حينها أنّني سأراه في يوم آخر من أيام المهرجان أو أنّني سألتقيه كعادتي كلما زرت كردستان في فسحة من الوقت،فأنهل من جمال روحه،وأتفيّأ في ظلال ثقافته وفلسفته وزهده،وأسمع جديد أفكاره وعميق نظرياته،وأحظى بنسخة موقّعة من آخر كتبه،ولكن هذا لم يكن في هذه الزّيارة،وغاب فلك الدين كاكه يي،ثم أوغل في الغياب بأن رحل إلى العالم الآخر دون وداع،وهذا لم يكن من طبعه،فهو الصّديق الطّيب المتواضع الذي لا يمكن أن يترك المكان دون وداع،ولكنّه رحل هذه المرّة دون وداع،وكأنّ الطيبين لا يطيقون الوداع الأبدي،ويفضّلون الرّحيل بصمت دون جلبة،لعلّها فلسفته الزّاهدة التي امتدّت حتى إلى طقوس موته ورحيله.
بعد اليوم لن يكتب هذا الإنسان جميل الرّوح والعقل والقلب والفكر تحت اسم" الحلاّج" كما اعتاد أن يفعل في الأيام الخوالي من تاريخه الفكري،ولن يدافع بحماس عن الحّلاج الذي يراه شهيداً لدفاعه عن فقراء بغداد الذي شجّعهم على أوّل مظاهرة في شوارع المدينة احتجاجاً على الفقر والجوع والحرمان والاستبداد،ولذلك قتلته الأسباب الاجتماعيّة والسّياسيّة،لا الأسباب الدينيّة أو المذهبيّة كما حاول أعداؤه أن يلبسوا إعدامه بلبوس الزّندقة والكفر والتّطاول على الذّات الإلهيّة،ولن تتسرّب معاناة الشّعب الكردي في "حلاجياته" المنشورة تباعاً في جريدة التآخي
وبعد اليوم لن يكتب عاموده الشّهير في جريدة التآخي المعروف ب" أ.برشنك"،الذي كان يصله بالجمهور الكردي،ويهبه صدى واسعاً من التّقدير والاحترام والمحبّة عند كلّ من يتابعه،وما أكثر متابعيه!
بعد اليوم لن يقسّم قلبه وعقله ووقته وروحه وهواه بين واجباته السّياسيّة والوطنيّة وبين العلم والثقافة والفلسفة التي قادته إلى أرفع مراتب السّمو الإنساني،وجعلته الزّاهد دائماً في الحياة والمناصب والمراتب،ليهرب مرّة تلو الأخرى منها،ويخلص إلى حبّه الحقيقي والأكيد،وهو الأدب والثقافة والفلسفة،بعد اليوم لن يكتب قلمه سطراً واحداً جديداً،وعلى المكتبة الإنسانيّة أن تستكفي حزينة بكتبه المؤلّفة بالعربيّة" العلويون"،و"موطن النّور"و"احتفالاً بالوجود"و"حلاجيات"و"البيت الزّجاجي للشرق الأوسط"و"انقلاب روحي"،وبكتبه المؤلّفة باللغة الكردية:" بيدارى"و"روناهي زردشت" إلى جانب المئات من المقالات والدراسات والبحوث.
بعد اليوم لن يتصارع مع الفيلسوف الذي كبر في داخله،ويشكو ذلك قائلاً:" كبر في الإنسان الفيلسوف،وملك حياتي،كم صارعت الفيلسوف في نفسي كي أكون إنساناً عادياً يرضخ عفوياً للحياة بلا هدف،فما أفلحت حتى اغلّب في الفيلسوف".(حلاحيات:جريدة التآخي،العدد 130 الجمعة 8 أيلول 1967)
ولأنّني أعرف تماماً كما يعرف كلّ من عرف فلك الدّين كاكه يي عن قرب كم كان إنساناً متواضعاً،يهمل التفاخر بنفسه،وقلّما يتكلّم عن منجزه وإبداعه وبصماته،فإنّني سأتجاوز عن الوقوف عند هذا الخط العريض والمهم والمشرّف في حياة هذا الصّديق الذي رحل بصمت وسريعاً دون أن أجيبه عن سؤاله الأخير عن كتابه "انقلاب روحي" الذي قلب الكثير من مفاهيمي حول الحياة الفكر والدين والجمال والحق والعدل ،والذي أعدّه بحق من أجمل ما كُتب بلغة جميلة مبسّطة في الفلسفة الحديثة،وهو كتاب يقصد أن يخاطب الجميع دون أن يتحيّز للنّخبة،ويترك الدّهماء في عماء وجهل،هو كتاب يمثّل كاتبه؛أعني أنّه كتاب يتدثّر بالبساطة والسّهولة ليخفي عمقاً سحيقاً؛ليخاطب كلّ العقول والأفئدة والأرواح.
أعني أنّني لن أتوقّف عند الحديث عن دوره المشرّف في دفاعه عن قضيته الكرديّة،وعن مساهمته في البيشمركة وتجربته النّضاليّة الطّويلة الزّاخرة،فضلاً عن تجربته العمليّة الرّسمية وزيراً للثقافة في إقليم كردستان لمرحلتين،ودعمه للكتاب أكرداً كانوا أم عرباً،وهو المتحرّر من كلّ العصبيّات والعنصريات،ولن أكرّر رأي كلّ كردي شريف يؤمن بأنّ فلك الدين كاكه يي مناضل كردي شريف وهب حياته ويراعه لقضية الكرد،وقضى حياته مناضلاً في سبيل قضيته وشعبه وأفكاره ومبادئه وتصوّفه الذي لم يفارقه أبداً في حياته،فظلّ الأخ الأكبر للجميع.
ولكنّني سأتوقّف عن ملامح إنسانيّة هذا الفيلسوف الزّاهد ومنارات فكره،وهي ملامح معروفة للعامة والخاصة ممّن عرفوه أو جايلوه أو تعاملوا معه،ولا تحتاج إلى الكثير من النّباهة والإلمحيّة لرصدها؛إذ هي وافرة الوضوح،جهرية التجلّي،ولكّنها ملامح جعلته صديقاً عزيزاً على قلبي،أفخر بأنّني قابلته في درب الحياة،وأسعد بأنّني ذقت جمال صحبته،وأشعر في الوقت نفسه بمرارة رحيله؛فأنا أشعر بخسارة فادحة لا تعوّض بخسارتي الشّخصية بموت فلك الدين كاكي يي الذي يُعدّ مكسباً لكلّ إنسان عرفه،ورحيله يفقدني سنداً في درب الحياة؛حيث الطّيبون سنداً لبعضهم في معترك هذا العالم المتوحّش.
الآن قد رحل صديقي الفيلسوف الزّاهد إلى "موطن النّور"(انظر مقدمة كتاب "موطن النّور"،فلك الدين كاكه يي،ط1،دار ئاراس للطباعة والنشر،أربيل،كردستان العراق،2010،ص6) وفق تعبيره،وسيدخل في تجربة برزخيّة فريدة تضاف إلى رصيده الفلسفي،وستظلّ آراؤه وكلماته عالقة في وجداني وذاكرتي،وهو من يرى التصوّف نزعة فطريّة عند الإنسان،وهي من تحرره من القيود،وتقوده إلى الحريّة،ومن ثم إلى العشق الإلهي، الآن سترتوي نفسه العطشى التي لطالما ناجاها قائلا:"إيه ياروحي العطشى المثقلة بالهموم ،وضباب أوهام الأيام،يا روحي المعذبة احترقي في لعيب الحب ّ العنيف،وافني في الحق،كي ينجلي لك الحق ساطعاّ في ضباب هذا الفجر المظلم،حيث السّماء تغطّيها الغيوم الدّاكنات"(حلاجيات،جريدة التآخي،العدد 149 الأربعاء27 أيلول 1967)
عزائي برحيله دون وداعي أنّني أسخر معه من الموت الذي لم يأته على أيدي الجلادين والمعذّبين في دكك الاعتراف في زنزانات الصّراخ والقهر والعذاب كما كان يخشى دائماً،بل جاءه ناعماًً هادئاً في بيته وسط أهله،لم يدهشه الموت أو يباغته؛فهو كان يقول دائماً"ليست هذه هي المرة الأولى التي أعيش فيها مشاعر-على عتبة الموت_عشت دائماً عند حافة القبر،فكّرت أكثر من عشرات المرات في الموت،وناديته بإلحاح،وبعد كلّ تجربة كانت الحياة تبدو لي أحلى وأبهى وأجمل""(حلاجيات،جريدة التآخي،العدد 151 الجمعة 29 أيلول 1967)
الموت لم يخدع صديقي فلك الدين كاكي يي،بل هو من خدعه دون شكّ،أعرف الآن أنّه سعيد الآن بهذه الخديعة المشروعة،وكلماته تصكّ أذني وهو يقول:" ما أسعدني إذ أموت؛ لا بدّ أنّني أظلّ أشعر بما يدور حولي بعد موتي أيضاً،ها إنّني تحت ألواح التابوت أرى النّاس يتبعونني وينتحبون،وهم يتأسّفون ويتأفّفون،وما أدراهم أنّ سفرتي رائعة وسعيدة،لا يدرون كم يلذّ لي هذا الرّحيل... ما أعذب الموت! ما أسعدني حين يحملني النّاس إلى موطني الأوّل والحقيقي والخالد،ورأيتني أحنّ حنيناً حارّاً طاغياً،وأضحى حنيني يتعاظم،ويبدو لي أن حنيني حقيقي إلى موطني الحقيقي ".(حلاجيات،جريدة التآخي،العدد 150 الخميس28 أيلول 1967)
قابلته لأوّل مرة في فعاليات مهرجان دهوك الثقافي في حضور عملاق ومشاركة كبيرة امتدت لمشاركة 140 شخصيّة ثقافيّة وأدبيّة من جميع أنحاء العالم،بالصّدفة جلستُ إلى جانبه،لم أكن أعرفه حينها،ولم يقدّمه أحدٌ إليّ،أو يعرّفه بي،ولكنّ إنسانيته هي من قاربت بيننا،كانت جلّ المشاركات باللغة الكردية،وقد أدرك بحسّه المرهف أنّني أجلس دون أن أفهم،وأتوق إلى أن أعرف ما يدور حولي،وعندها تبرّع بأن يترجم لي ما يُقال،كان يترجم لي بمحبّة وكرم،ويهمس لي بما يدور،ويعقّب ويفسّر ما أجهله،واستمر الأمر لأكثر من ساعتين حتى ظهر الجهد عليه،وبعد انتهاء الفعاليات الصّباحيّة كانت المفاجأة الكبرى لي،فهذا الرّجل الوقور الذي كان يُترجم لي بتبرّع شخصي منه،ويعرّفني بكلّ متحدّث،ويفسّر لي ما أغلق علي لاسيما في التراث الكردي وخصوصية لهجاته،وتفاصيل تاريخه ونضاله هو وزير الثّقافة الكردي الأسبق،ومثقف مشهور،وإعلامي مؤثّر،هكذا قدّمه لي الصّديق الأديب حسن سليفاني،وعجبت كيف لرجل من هذا العيار الثّقيل أن يملك هذا المقدار من التوّاضع والتسامح والمحبّة للنّاس.وكانت أيام المهرجان التي استمرّ فلك الدين كاكه يي يكرمني فيها بأن يترجم لي كلّ ما يدور فيها.
وعبر الكثير من الجلسات الأدبية التي رافقت مآدب الغداء والعشاء والتجوّل في دهوك وسلاف وقرى الجبال حظيت بسماع هذا الهرم الفلسفي وهو يحدّثني عن الكثير من قضايا الكون والرّب والإنسان والنّضال والجمال.وأبرز أحاديثنا كانت عن العشق الإلهي بعد أن قدّمت مشاركتي في المهرجان بعنوان" نفس أمّارة بالعشق"،وهي مشاركة أثارت جدلاً كبيراً بين الحضور،وفتحت عاصفة من الأسئلة علي صددتها بقولي:" ليس لكم أن تسألوا أين أنا في هذا النّص،أهي قصّتي أم قصة الآخرين،أنا في هذا النّص،وليس في غيره،وأنا لستُ فيه أيضاً".
وفي هذه المجاورة الأدبية والإنسانيّة من فلك الدين كاكي يي،وهي مجاورة لذيذة قدرية وهبتها الصّدف لي،ونعم المجاورة كانت هي،رأيت كيف يكون الإنسان عملاقاً في تواضعه ومحبته،رأيت كيف يتجرّد من ألقابه الرّسميّة،ويزهد بأعلى المراتب،ويتحدّث بتواضع،ويسمع كلّ من حوله باهتمام،وكأنّه أقل النّاس مكانة وعلماً وحضوراً ومنزلة وثقافة،وتكون المفاجأة أنّ هذا الصّامت هو بحر هادر إن تحدّث،وكنز معرفي لمن أراد أن يقترب منه،وأن يغرف منه بكلّ أريحيّة حتى يرتوي،رأيته دون غيره من المسؤولين يكتفي بمرافق واحد وسائق،ولا يبالي حتى وإن جاء إلى الفعاليات ماشياً دون مرافق دون أيّ رفاهيّة أو بهرجة أو أبّهة،وهو يلبس لباسه الكرديّ الذي يعتزّ به في كلّ مكان،ويدعو الجيل الجديد إلى لبسه والتمسّك به.
رأيته كيف يعامل الجميع كباراً وصغاراً ضيوفاً وأهلاً عرباً وكرداً بمحبّة واحترام وتقدير،وذاكرته المشحونة بالأسماء والكتب والذّكريات والتفاصيل تجعله يدير حديثاً مهمّاً مع كلّ من حوله من ناس،وعندما يكون ضيفاً في أيّ زيارة أو دعوة كدعوة السيد حسين سليفاني لبعض ضيوف المهرجان إلى بيته بمعيّته يكون الضّيف الأكثر لطفاً،والأخفّ ظلاً،والأقرب إلى نفوس الجميع بحديثه العذب،وذكرياته المشحونة بالنّضال وألم الشّعب الكردي،وعندما يحين دور الضّحك والمزاح فهو صاحب أصدق ضحكة تجلجل في المكان،وتمتدّ من عرض وجهه لتصل إلى كلّ قلب من قلوب الحاضرين.
رافقنا بكلّ تواضع إلى نزهة جماعيّة لكلّ الوفود والضيوف المشاركين في المهرجان إلى "كهف آينشكي" في قرية " آينشكي" العالقة هناك في أجمل جبال إقليم كردستان،جلس معنا بكلّ تواضع،كان آخر من أكل اهتماماً بالضيوف،وطفق بعدها يعرّفنا بالمكان،ويسرد علينا تاريخه النّضالي حيث كان هذا المكان مستشفى لأبطال البيشمركة،وكان في فترة ما قبلها ملجأً للأرمن الهاربين من مذابح العثمانيين لهم،ثم طوّف معنا في أنحاء الكهف،يعرّفنا على تلك الفتحة العلويّة في سقف المغارة التي أحدثها مقاتلي البيشمركة ليوصلوا الذّخيرة والمؤنة إلى المقاتلين الجرحى،كذلك استعرض معنا الحيوانات المحنّطة في جنبات الكهف بجانب الألبسة الفلكلوريّة الكردية،وتوقّف طويلاً عند عنز جبليّة ضخمة،وقال ضاحكاً:إنّه يفضّل العنزّ الجبلي على باقي الحيوانات.وعند انتهاء هذه الجولة الجبليّة الجميلة ودّعنا فرداً فرداً،ثم ذهب بعيداً مع سائقه من رجال البيشمركة الذي يضاحكه ويحدّثه كأخ أو صديق له.
وجاد القدر عليّ بالكثير من الزّيارات الأدبية والثقافيّة الرّسمية إلى إقليم كردستان،وفي كلّ مرة كنتُ أحظى بمقابلة هذا الصّديق الحميم الذي وهبني كلّ كتبه المكتوبة بالعربيّة،وكان يدخل معي في حوارات طويلّة في شأن ما يكتب وما أكتب,وذلك بعد أن أرسل لي مقالة نشرها في جريدة التآخي بعنوان" لكلّ حديث عنوان" حول مشاركتي في مهرجان دهوك،وقال فيها ممّا قال:" الطّبيعة الأمّارة بالعشق "النّفس الأمّارة بالعشق" عبارة سمعتها للمرة الأولى من الأديبة الأردنية د.سناء كامل شعلان قدّمتها كقصة قصيرة في مهرجان دهوك.استهلّت تلك العبارة الموحية لأكتب عن الطّبيعة الأمّارة بالعشق،تحدّثت الأديبة الأردنية عن حالات العشق وتحولاتها وانقلاباتها الدّاهمة،وقالت الكثير من التّفاصيل العلنيّة والسرية مابين السّطور عن العشق،إلاّ أنّها قالت في نهاية القصة إنّها لم تعشق أبداً،ولا تعرف مذاق العشق،وقالت إنّها قد لا تحصل على العشق،فإذا ماتوقّفت يوماً عن الكتابة فاعلموا أنّني أصبحت عاشقة.لم يصدّقها كثيرون منّا،نحن الحاضرون في المهرجان،ولم يفهمها الكثيرون،ولا أزعم أنّني فهمتها،واختصرت رأيي عنها أنّها عاشقة للوجود،وقالت في نفسي:هي تريد التمتّع عميقاً بكلّ لحظات الوجود،فهي تعيش حالة استثنائية من العشق الأبدي.ولا أزعم ثانية أنّني فهمتها،فهي قالت:اعتبروها قصة،أيّة قصة،أو سيرة ذاتيّة،أو حكايتي أو أيّ شيء آخر،هي عصيّة على الفهم والإدارك.وتلك بدايات العشق الملتهب.فهي ذات نفس أمّارة بالعشق،وليس بالسّوء أو أية خصلة أخرى،ولماذا الإمارة بالعشق فلأنّها تريد أو تتمنّى من أغوار نفسها ووعيها أن يكون كيانها غارقاً في العشق الأبدي.وهذه الطّبيعة التي كنتُ أراها أمّارة بالعشق لي أنا الإنسان،ونحن البشر،إذ بها تجفل وتتمرد على ذاتها،وعلينا يتسرّب منها العشق،وتتركنا دون حبّ وعشق ووجود.
كنّا ننام على سرائر من خيالات مطمئنة بأنّ الطّبيعة تظلّ مأوى للعشق ولن تخذلنا،ترى هل نحن الذين خذلناها فتخلّت هي عنّا؟هل ابتعدنا عن جوهرنا الحقيقي واستسلمنا للأعراض والمظاهر الخادعة فتركتنا هي نواصل هي نواصل السّبات على هدهدة الأحلام السّابقة،وكيف تتخلّى الطّبيعة الأمّارة بالعشق عن هذا الحبّ العارم"".لكلّ حديث عنوان،الطّبيعة الأمّارة بالعشق،جريدة التآخي،الأربعاء 11آب 2010)
هذه المقالة القصيرة كانت فاتحة حديث طويل بيننا في كلّ لقاءاتنا الأدبيّة حول العشق الإلهي،الذي كان يرى أنّه عنصر من عناصر الطّبيعة بعد الماء والتراب والهواء والنّار،نقلاً عمّا يقوله الفيلسوف الكردي الملا الجزيري،وهما يريان أنّ هذا العشق بمثابة الجاذبيّة التي تحفظ تماسك العناصر الطّبيعيّة مع بعضها(انظر المزيد من آرائه حول هذا الأمر في كتابه انقلاب روحي،فلك الدين كاكه يي،ط1،روكسانا،أربيل،كردستان العراق،2011،ص29)
وهذا الحديث قادني إلى أن أقرأ بشكل مقتضب عن الكاكائيّة التي يتبعها فلك الدين كاكه يي،وهي المسّماة بأهل الحق أو ال "يارسان"،وهي من الطّوائف الدينية العريقة في كردستان،وقرأت أكثر عن الصوفيّة لأكون في أقرب نقاط الفهم ممّا كتب في كتبه لاسيما في كتابه الأخير الذي أعدّه رائعته" انقلاب روحي" ثم وجدت نفسي أؤمن ب "العنصر الخامس"،وهو عنصر العشق الإلهي،وأتأثّر به جدّاً،وأؤمن بطاقته،وأولّد منه فكرة طاقة البعد الخامس،وهي طاقة الحبّ،وأجعلها محور روايتي في الخيال العلمي" أعشقني".
لقد نالت هذه الرّواية عدّة جوائز،وطارت إلى كلّ مكان،ووصلت إلى أيدي معظم أصدقائي في كلّ الدّنيا،إلاّ نسخة فلك الدين كاكه يي،فقد ظلّت قابعة في درج مكتبي تنتظر تصل إليه،وهي موقّعة مني تحت عبارة "إلى المفكّر الكبير والعزيز فلك الدين كاكه يي..."،على أمل لقاء به قريب،ولكن انتظارها سيطول؛فاللقاء القادم به لن يتمّ إلاّ في أرض النّور والحقّ عندما يشاء خالقنا ذو الجلالة والإكرام،وحتى ذلك الوقت سأشتاق دائماً إلى صديقي الفيلسوف الطّيب فلك الدين كاكي،وأتساءل دون إجابة: لماذا يرحل الطّيبون دائماً دون وداع؟!! وأقرأ هذه الليلة على روحه كتابه "حلاجيات يقظة متوهّجة في حضور الحلاّج"؛فأنا أعرف أنّ روحه حبيسة هذا الكتاب،وأنّ خلاصه لا يكون إلاّ بنصوصه.وأمّا أنا فعندما أقرأ هذا الكتاب أحسّ بروحه الطّاهرة ترفرف على المكان،وتبتسم لي من مكان علي بعيد مشرق،وأكفّ عن سؤالي المعاتب العاجز:" لماذا يرحل الطّيبون دائماً دون وداع؟!! وأترك نفسي تتمتع بضحكاته النّابعة من أعمق وجدانه وهو يقول:"الإنسان عظيم وقوي عظمة خياله وقوته فبقدر ما يصله الخيال من عمق وخصب تتوسّع وتزدهر طاقات الإنسان"".(حلاجيات،جريدة التآخي،العدد 198 الأربعاء15 تشرين الثاني 1967)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.