اليوم، انطلاق انتخابات التجديد النصفي لنقابة أطباء الأسنان باستخدام التصويت الإلكتروني    تراجع أسهم أمريكا مع ضعف آمال اتفاق أمريكي إيراني    البيت الأبيض: الجيش الأمريكي الأقوى في العالم ومجهز بأحدث الأسلحة    حظك اليوم برج الميزان.. فرص للتوازن وتحسن في العلاقات واستقرار مالي مرتقب    مبادرة عالمية توزع 100 مليون جرعة لقاح على الأطفال منذ 2023    علماء يحذرون: ChatGPT يفقد "أعصابه"    انهيار عقار بمنطقة العطارين بالإسكندرية ووصول الحماية المدنية لموقع الحادث    روسيا.. ابتكار سيراميك فائق المتانة لمقاومة الظروف القاسية    أوروبا تبحث تفعيل «بند المساعدة المتبادلة» لمواجهة ضغوط ترامب    أهمية شرب الماء لصحة الجسم ودوره في الوقاية من الجفاف وتحسين الأداء    تقنية طبية مبتكرة تسرّع تشخيص السرطان بدقة عالية    أهمية البروتين بعد سن الخمسين ومصادره الغذائية المتنوعة للحفاظ على صحة العضلات    رعدية وبرق على هذه المحافظات، الأرصاد تكشف خريطة الأمطار اليوم الجمعة    وكيل "شباب الجيزة" يشهد احتفالية عيد تحرير سيناء ونجوى يوسف تسرد بطولات الجيش على أرض الفيروز (صور)    دعاء يوم الجمعة لنفسي وأهلي وأحبتي في ساعة الاستجابة المباركة    بعد خسائر تتجاوز 40 دولار.. أسعار الذهب اليوم الجمعة في بداية التعاملات بالبورصة    طلاب تمريض دمياط الأهلية يتألقون علميًا في مؤتمر بورسعيد الدولي التاسع    المؤبد لنجار في قضية شروع بالقتل وسرقة بالإكراه    الهيئة العامة للطرق تبدأ تطوير وصيانة كوبري 6 أكتوبر على مرحلتين    فريق بمستشفى كفر الدوار ينجح في إنقاذ 3 حالات جلطة حادة بالشرايين التاجية    اليوم.. قطع المياه لمدة 8 ساعات عن بعض مناطق الهرم والعمرانية والمنيب    روبيو: تمديد وقف إطلاق النار في لبنان فرصة لتحقيق سلام دائم    حقيقة الحالة الصحية ل هاني شاكر.. الجالية المصرية في فرنسا تكشف التفاصيل    «ترامب»: مقترح صيني لحل أزمة إيران.. لكن التفاصيل سرية    ليلة من ألف ليلة وليلة.. زفاف المستشار أنس علي الغريب وداليا عزت    محافظ شمال سيناء: لدينا أكبر محطة لتحلية المياه بالعريش    الجيش الإسرائيلي ينشر فيديو لاستهداف منصة صواريخ لحزب الله    راهن على مادورو..اعتقال جندى أمريكى من القوات الخاصة بعد ربح 400 ألف دولار    «ترامب»: وجود بوتين في قمة العشرين قد يعزز الحوار العالمي    اعتراف رسمي يكشف عمق الأزمة.. "مدبولي " يقر بامتداد الأزمة بعد 13 عامًا من الإخفاق ؟    "العدلي": رابطة المرأة المصرية تمكّن سيدات الصعيد وتنمي قدراتهن بمبادرات شاملة    اتصالات النواب توصي بضرورة الإسراع في رقمنة مكاتب البريد على مستوى الجمهورية    ضربة قوية لمافيا الدعم.. ضبط 172 طن دقيق داخل مستودع بالعسيرات في سوهاج    أسماء ضحايا ومصابي حادث طريق «الإسماعيلية – السويس» بعد اشتعال سيارة.. صور    الإعلان عن موعد ومكان تشييع جنازة الدكتور ضياء العوضي    برلماني: قانون المسيحيين الجديد يعتمد الأدلة الرقمية لإثبات الزنا    مهدي سليمان يحتفل ب100 كلين شيت بعد فوز الزمالك على بيراميدز    لقب الزوجة الثانية، نرمين الفقي تكشف سبب تأخر زواجها    «فحم أبيض».. ديوان ل«عبود الجابري» في هيئة الكتاب    جاليري مصر يفتتح معرض «نبض خفي» للفنانة رانيا أبو العزم.. الأحد المقبل    احتفالا باليوم العالمي للكتاب.. انطلاق الملتقى العلمي الأول لدار الكتب والوثائق بالتعاون مع كلية دار العلوم    عمرو يوسف يحتفل بالعرض الخاص لمسلسله "الفرنساوى"    مهرجان أسوان لأفلام المرأة يناقش إنعكاس التقاليد على صورة المرأة في السينما    وليد ماهر: معتمد رجل المباراة الأول.. ونزول شيكو بانزا نقطة تحول (فيديو)    حكم دولي سابق يحسم جدل صحة هدف الزمالك أمام بيراميدز    خبر في الجول - رتوش أخيرة تفصل منتخب مصر عن مواجهة روسيا استعدادا لكأس العالم    نجم سلة الأهلي: هدفنا العبور لنهائيات بطولة ال «BAL»    رئيس الطائفة الإنجيلية يفتتح مؤتمر "الألف خادم إنجيلي" بوادي النطرون تحت عنوان: "أكمل السعي"    مصطفى بكري: المصريون عمرهم ما خذلوا دولتهم.. وعندما نصارح المواطن بالحقيقة يطمئن    أول الخيارات البديلة.. هيثم حسن يشارك في تعادل ريال أوفييدو أمام فياريال    مباريات الزمالك المتبقية في الدوري بعد تخطي بيراميدز    الزمالك يمنح لاعبيه راحة بعد الفوز على بيراميدز    جيش الاحتلال: قتلنا 3 عناصر من حزب الله بعد إطلاقهم صاروخ أرض جو    الأوقاف تختتم فعاليات المسابقة القرآنية الكبرى بمراكز إعداد محفظي القرآن الكريم    أحمد كريمة: المنتحر مسلم عاص وأمره إلى رحمة الله    خايف على أولاده من الحسد بعد استقرار حياته.. ماذا يفعل؟ أمين الفتوى يجيب    النقاب ليس فرضًا| العلماء: ضوابط فى الأماكن العامة للتحقق من هوية مرتديه    محافظ الإسكندرية يضع أكليل زهور على النصب التذكاري للشهداء بمناسبة عيد تحرير سيناء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العنف يكاد يجهض الربيع العربي
نشر في شباب مصر يوم 13 - 06 - 2011

(إن الحراك المحموم لتكرار السيناريو الليبي في سوريا يجعل من المنطقي الاستنتاج بأنه تجري حاليا في ليبيا وسوريا محاصرة عربية للتجربة السلمية الناجحة في مصر وتونس قبل الانقضاض مباشرة على التجربتين في عقر دارهما)
بقلم نقولا ناصر*
عندما تكون "علمانية" أو عدم علمانية الدولة السورية بندا رئيسيا على جدول الأعمال كاد يشق "مؤتمر انطاليا" الذي استضافته تركيا مؤخرا لمن نصبوا أنفسهم ممثلين عن "المعارضة" للحكم في سوريا، ويخرج رجل دين سوري كردي في هذا المؤتمر على شاشة فضائية الجزيرة مطالبا بالفصل بين الدين وبين الدولة، يدرك المراقب على الفور مدى انقطاع التواصل بين مثل هذه المعارضة وبين الواقع على الأرض حيث خرجت قطاعت كبيرة من الجماهير السورية إلى الشوارع احتجاجا على تأخر الحكم في الوفاء بما وعد به من إصلاح وتغيير يخرجها من أزمتها الاقتصادية، دون أن تقتنع بالأسباب "الخارجية" للتأخير التي ساقها الرئيس بشار الأسد على وجاهتها، تحت ضغط البطالة وتدهور مستوى معيشتها وتدني دخلها وتآكل قوتها الشرائية أمام الارتفاع القياسي في أسعار المواد الأساسية ومحدودية فرص العمل امام الأجيال الشابة من أبنائها.
وقد كان الأميركي من أصل إيراني ولي نصر، أحد مستشاري الرئيس الأميركي باراك أوباما لشؤون الشرق الأوسط، محقا عندما قال في لندن يوم الخميس الماضي إن "الكثير مما يحدث في الشرق الأوسط الآن سببه الاقتصاد لا الديانة"، دون الاجحاف طبعا بدور الدافع الديني في مقاومة عملية التغريب التي تقودها الولايات المتحدة ضد الهوية العربية الاسلامية في مواطنها الأصلية وبين أهلها، بقدر ما كان كولن كال، مساعد وزير الدفاع الأميركي محقا عندما قال في أوائل الشهر الجاري: "نحن لسنا وراء الأحداث، ولا الايرانيين، فلا يمكن لدولة واحدة أن تفعل ذلك"، لكن طبعا دون إغفال التدخل الأجنبي السافر والمستتر، العسكري وغير العسكري، الذي يكاد الآن يحرف الاحتجاجات الشعبية العربية عن حصد ما زرعه شهداؤها من بذور كانوا يريدون نموها إلى ثورة حقيقية تغير الوضع الراهن البائس الذي يعيشون فيه تغييرا سياسيا واقتصاديا على حد سواء.
فالعنف المسلح ووقوف الدولة على شفا الانهيار والانقسام وانشغال الملايين بالاحتجاجات لأشهر على حساب الانتاج يكاد يدفع الأقطار التي نجحت فيها هذه الاحتجاجات في إسقاط أنظمتها الحاكمة إلى أحضان البنك وصندوق النقد الدوليين اللذين قادت إصلاحاتهما وسياساتهما إلى انفجار هذه الاحتجاجات في المقام الأول، وبالتالي إلى أحضان الهيمنة الأميركية – الغربية المسؤولة عن الأوضاع التي تفجرت غضبا شعبيا. إن النتائج العكسية للربيع العربي تنذر حقا بأن يكون ربيعا لا يزهر ثورة.
حسب "معهد الاقتصاد والسلام" الدولي في استراليا تكبد الاقتصاد العالمي خسائر بلغت (8.1) تريليون دولار أميركي بسبب العنف خلال عام 2010 الماضي، وفي تقرير المعهد لعام 2011 الجاري قال المعهد إن "الربيع العربي" الذي بدأ "سلميا" كانت نتائجه عكسية بعد أن انقلب عنفا ينذر ب"التغيير الأكبر على الاطلاق" في ترتيب البلدان العربية المعنية في "مؤشر السلام العالمي"، أو كما قال مؤسس المعهد ورئيس مجلس إدارته التنفيذي ستيف كيلليليا: "إذا أخذنا الربيع العربي فإننا رأينا هبوطا لها في المؤشر أكبر مما شهدته أي دول أخرى في تاريخ السنوات الخمس الماضية لمؤشر السلام العالمي".
فهل "علمانية" أو عدم علمانية دولة التجزئة العربية هي حقا التي أخرجت ملايين الفقراء والشباب العرب العاطلين عن العمل إلى الشوارع مسالمين بالملايين من المغرب غربا إلى سلطنة عمان شرقا، في مواجهة أجهزة أمنية تستهلك ميزانياتها الضخمة حصة غير عادلة من الدخل الوطني على حساب التنمية ولا تتردد في القتل؟
أليس مثل هذا الادعاء محاولة لتزييف إرادة هذه الجماهير المليونية ومحاولة لركوب موجة احتجاجاتها لأغراض لا علاقة لها البتة لا بالجماهير نفسها ولا بمصالحها ولا بالدافع الذي أخرجها إلى الشوارع مطالبة "سلما" بالاصلاح والتغيير في المقام الأول؟ إن حرف الحراك الجماهيري العربي عن أهدافه الحقيقية هو جزء لا يتجزأ من "الثورة المضادة" التي تحاول أدلجة هذا الحراك دينيا كمدخل لشق صفوفه طائفيا مما قاد حتى الآن إلى سد قنوات الحوار الوطني وكاد أن "يعسكر" هذا الحراك ويدفن "سلميته" في أتون حروب أهلية هي المدخل الأمثل للتدخل العسكري الأجنبي حيث لم تعد أطراف في المعارضة تجد أي حرج في التناقض مع ايديولوجيتها المعلنة للاستنجاد بالأجنبي والاستقواء به.
إنها وصفة مؤكدة ل"ربيع عربي" لن يزهر أي ثورة للخلاص لا الاقتصادي ولا الديموقراطي، ليتضح أن "الثورة المضادة" لا تقتصر على الدول عربية كانت أم أجنبية بل لها امتدادات "شعبية" أيضا.
ويتضح في المحصلة اليوم أن هذه الامتدادات في سوريا، على سبيل المثال، كانت لها مثل هذه النتائج العكسية المتوقعة، إذ شوهت الصورة السلمية للاحتجاجات الشعبية، وفرضت على الحكم أولية تحييدها بدلا من الاهتمام المباشر بالمطالب الشعبية، وربما منحت معارضين للاصلاح والتغيير في أوساط الحكم حجة لتوفير ذريعة "داخلية" تضاف إلى الأسباب "الخارجية" لتأجيل الاصلاح والتغيير، مما يؤيد الاستنتاج الذي يذهب إليه محللون من الحكم ذاته بأن الهدف من المظاهر المسلحة العنيفة لهذه الامتدادات إنما تستهدف تعطيل أي حوار بين الحكم وبين المحتجين عليه لمنع أي إصلاح حقيقي قد يتمخض عنه تقوية النظام وردم "الفجوة" بين الحكم وبين الشعب التي اعترف بها علنا الرئيس الأسد نفسه، مما يوضح بدوره شعار "إسقاط النظام" الذي ترفعه هذه الامتدادات.
وهذه هي خلاصة تحليل اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين التي دعت إلى "ايقاف استخدام العنف نهائيا ومحاصرة كل من يرفع السلاح في أوساط المدنيين وتسليمه إلى السلطات القضائية وعودة الجيش إلى مواقعه الطبيعية" لأن "الحل الأمني البحت غير قادر على حل الأزمة العميقة التي تعيشها البلاد".
لكن الشيوعيين السوريين وغيرهم من القوى الوطنية والشعبية التي تشاركهم التحليل لم يتوصلوا بعد إلى الاستنتاج بأن الحكمة والمصلحة الوطنية باتت تقتضي الفصل الكامل بين الاحتجاجات الشعبية وبين تفاقم تصعيد العنف الذي طغى عليها مما يقتضي جرأة وطنية كافية للمطالبة بوقف الاحتجاجات باعتبار وقفها بات الوسيلة الوحيدة لعزل العنف ووقف خلط أوراقه بأوراقها ووقف استخدام العنف لجماهير المحتجين كدروع بشرية يتستر بها ليعود الحراك شعبيا سلميا كما بدأ، قبل أن تتفاقم الأزمة على الطريقة الليبية فيصبح منع تدويلها أكثر صعوبة بكل ما ينطوي عليه التدويل من مخاطر.
وهذه الظاهرة الواضحة اليوم في ليبيا يجري تأجيجها وتضخميها إعلاميا وتسمينها بالتسليح والدعم العسكري الأجنبي بحيث تخلق حقائق على الأرض تستهدف أن تجعل من الصعب حد الاستحالة التوصل إلى حلول أو مخارج سلمية وطنية بالحوار المباشر أو بالوساطة، مع ملاحظة الحرص على إجهاض أي وساطات دولية عديدة متوفرة، روسية وصينية وإفريقية وبعضها أوروبي، مما يجعل أي وساطات وطنية محكوما عليها بالفشل المسبق بينما الوساطات العربية غائبة تماما بعد أن قطعت عليها الطريق جامعة الدول العربية بمنحها غطاء شفافا لا يستر عورة من "الشرعية العربية" للتدخل العسكري الأجنبي، بحيث يظل "الحسم العسكري" هو الحل الوحيد المتاح.
إن الحراك الفرنسي - البريطاني – الأميركي المحموم لتكرار السيناريو الليبي في سوريا يجعل من المنطقي الاستنتاج بأنه تجري حاليا في ليبيا وسوريا محاصرة عربية للتجربة السلمية الناجحة في مصر وتونس اللتين لم تشهدا مثل هذه الظاهرة المدمرة لأي تغيير أو إصلاح، بينما التطورات العنيفة الأخيرة في اليمن التي تكاد تعسكر الصراع بين النظام وبين الملايين الثائرة عليه تشير إلى أن الحصار العربي للتجربتين المصرية والتونسية على وشك أن يمتد إلى اليمن أيضا.
والخطوة التالية المتوقعة طبعا هي الانقضاض مباشرة على التجربتين الناجحتين في مصر وتونس في عقر دارهما، بحيث يستتبع المنطق السليم الاستنتاج بأن دفن هذه الظاهرة في سوريا بخاصة يتحول واقعيا الآن إلى شرط مسبق كي تنتقل الثورة المصرية من المراوحة عند مرحلة إسقاط النظام فحسب إلى ربيع عربي يزهر ثورة حقا سوف تعم عربيا بالتأكيد بحكم واقع الدور القيادي التاريخي لمصر عربيا، وواقع أنها القلب الثقافي للوطن العربي، وواقع أن عدد سكانها يزيد على تعداد سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة والأردن والعربية السعودية واليمن والبحرين والكويت وليبيا وتونس مجتمعة.
إن الجدل الدائر مؤخرا في مصر حول إلغاء المادتين (32) و(35) من الدستور بشأن النص على أن يتكون نصف مجلسي الشعب والشورى من العمال والفلاحين، بعد توصية لجنة النظام الانتخابي في مؤتمر الوفاق الوطني بإلغاء حصة ال50% للعمال والفلاحين،
وتفعيل الحكومة المصرية في الثامن من الشهر الجاري لقانون كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد أقره في نيسان / أبريل الماضي وتعارضه النقابات العمالية وكثير من الأحزاب السياسية لأنه يمثل "عودة إلى العهد الماضي" حسب بعض خبراء القانون المصريين و"يجرم" ويعاقب الاعتصامات والاضرابات التي من شأنها تعطيل العمل في المصالح "العامة أو الخاصة"، أي في القطاعين العام والخاص، منعا ل"الاضرار بالاقتصاد الوطني" و "حتى لا يتعرض اقتصاد البلاد لمزيد من المخاطر"، كما قال بيان مجلس الوزراء المصري،
ومعارضة جماعة الاخوان المسلمين ل"جمعة الغضب" المليوينة في السابع والعشرين من أيار / مايو الماضي بحجة درء "أي وقيعة أو فتنة" بين "الشعب المصري ... وقواته المسلحة"،
ثم لجوء مصر وتونس مؤخرا إلى قمة الدول الثمانية الأغنى في العالم وإلى البنك وصندوق النقد الدوليين مجددا بعد أن وعد وزير المالية المصري د. سمير رضوان في ذروة الثورة المصرية في السابع من شباط / فبراير الماضي بأن مصر لن تلجأ لهما، لا بل ان محافظ البنك المركزي بعث برسالة للمؤسستين يبلغهما فيها "بعدم الحاجة" إلى مساعداتهما "النقدية أو المالية"،
وما تسرب مؤخرا عن وجود نية لدى عمر سليمان نائب الرئيس السابق حسني مبارك الترشح للرئاسة في الانتخابات المقبلة ... إن كل هذه وغيرها مؤشرات سلبية خطيرة تنذر بأن "الربيع العربي" لم يزهر ثورة بعد في مصر، وهو إذا لم يزهر في مصر فإنه لن يزهر في غيرها من الأقطار الشقيقة.
وهنا لا بد من وقفة لا مناص منها مع حركة مخضرمة عريقة ومجربة مثل جماعة الاخوان المسلمين التي رفدت الاحتجاجات الشعبية العربية بتجربتها وزخمها الشعبي بدعم حاسم، بعد أن باتت هي القوة السياسية الوحيدة المنظمة في "المعارضة" العربية بعد عقود من الزمن كانت خلالها تتمتع ب"الشرعية" الرسمية دون الأطياف القومية واليسارية للمعارضة الأخرى مما قاد إلى تآكل المعارضة اليسارية وبخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق والمنظومة الاشتراكية الدولية وتآكل المعارضة القومية العربية وبخاصة بعد الاحتلال الأميركي للعراق والحصار والعقوبات الأميركية على سوريا التي اتسعت الآن إلى أوروبية.
وإذا كان المؤتمر القومي – الاسلامي في أوائل عقد التسعينيات من القرن الماضي مؤشرا إلى أن الجماعة قد صوبت اتجاه بوصلتها في توحيد صفوف المعارضة العربية فإن دلائل كثيرة ظهرت خلال "الربيع العربي" تشير إلى أن الجماعة تكاد تفقد بوصلتها مجددا، لسبب رئيسي عاصر الجماعة منذ نشأتها، وهو فقدانها لأي برنامج محدد وواضح للخلاص الاقتصادي، مما يذكرني بمقابلة مع الشيخ الجليل عباسي مدني في الجزائر العاصمة عشية الانتخابات التشريعية وبعد فوز جبهة الانقاذ في الانتخابات البلدية سألته فيها عن برنامج الجبهة الاقتصادي دون أن أحصل على جواب شاف غير حديثه عن مشروع لاعمار حزام الفقر المحيط بالعاصمة الجزائرية.
ففي مصر اليوم، يكاد غياب البرنامج الاقتصادي الواضح يوقع الجماعة في " وقيعة أو فتنة" مع قوى ثورة 25 يناير والجماعة قوة أو القوة الرئيسية بينها، ويوقع الجماعة في شبهة الانحياز إلى نظام النخبة الاقتصادية التي أفرزتها سياسات البنك والصندوق الدوليين ضد جماهير الطبقات التي سحقها هذا النظام وكانت عماد الثورة ووقودها، وفي شبهة الانحياز إلى "العسكر" الذين لم يحسموا بعد موقفهم من معاهدة الصلح مع دولة الاحتلال الاسرائيلي وما انبثق عنها من علاقات وثيقة مع الراعي الأميركي لهذه الدولة.
وإذا كانت مشاركة الجماعة في "العملية السياسية" التي هندسها الاحتلال الأميركي في العراق لا تحظى بما يكفي من الجدل والحوار حولها فإن اصطفاف الجماعة في ليبيا تحت مظلة حلف شمال الأطلسي "الناتو" عمليا لا يخفف من آثاره السلبية على موقف الجماعة معارضتها المعلنة القوية للتدخل الأجنبي.
أما المظلة السياسية التي توفرها الجماعة لاختطاف العنف المسلح للاحتجاجات الشعبية في سوريا مدفوعة ربما بثأر تاريخي فإنه يوقع الجماعة في شبهة التنسيق بوعي أو دون وعي مع أهداف معلنة لفك ارتباط تاريخي بين سوريا وبين حركات المقاومة العربية للاحتلال والهيمنة الأجنبية مما يتناقض مع الأهداف المعلنة للجماعة نفسها، مما يستدعي موقفا مختلفا نوعيا للجماعة بين سوريا وبين مصر لا يكفي التذرع بدعم الاحتجاجات الشعبية "على اطلاقها" لتفسير عدم التمييز بينهما.
وفي اليمن لم يستطع تعتيم قنوات فضائية رئيسية على حقيقة أن التجمع الوطني للاصلاح هو القوة الرئيسية المحركة للاحتجاجات الشعبية وحقيقة أن شيخ قبائل حاشد واللواء علي محسن الأحمر المنشق عن النظام هما من قيادات التجمع الذي لا يعرف أحد حتى الآن ما هو البرنامج الاقتصادي البديل الذي لديه لحل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تهدد البلاد والعباد في اليمن، والتي يهدد عدم حلها بانفصال الجنوب حيث هذه الأزمة مضاعفة بعد رحيل النظام الحالي الذي يكاد يكون رحيله مسألة وقت فحسب.
إن هذه المؤشرات وغيرها تكاد توقع الجماعة في شبهة الانجرار إلى فخ دول الثورة المضادة اقليميا ودوليا. ومن المؤكد أن التعميم يوقع المراقب في خطأ التحليل، إذ لا يوجد ما يشير على سبيل المثال أن حركة النهضة في تونس وحركة حماس في فلسطين قد فقدتا البوصلة لتختلط الأوراق عليهما كما اختلطت على إخوانهم في الأقطار الأخرى.
لكن من المؤكد ايضا ان التناقض بين المواقف المعلنة للاخوان وبين الاصطفاف الحالي لعدد من جماعتهم سوف يخلق ان عاجلا او آجلا جدلا ساخنا بين ظهرانيهم ربما يقود الى انقسامات هامة وانحسار في الالتفاف الشعبي الراهن حولها كما حدث في جمعة الغضب المصرية الأخيرة في السابع والعشرين من أيار/مايو الماضي، غير انها في ضوء المسار التاريخي للجماعة سوف تظل حركة سياسية فاعلة ونافذة في المشهد العربي العام الى فترة طويلة مقبلة.
مما يؤكد كذلك أن الجماعة تقف اليوم على مفترق طرق تاريخي يستدعي منها وقفة نقدية صارمة توضح مسارها توضيحا ينفي نفيا قاطعا ما يروجه محللون عرب ومسلمون وأجانب عن مشروع تحالف أمر واقع بين الجماعة وبين الاستراتيجية الأميركية في المنطقة وتحالفاتها وصداقاتها. ومن المؤكد أيضا أنه لن يكون في مصلحة الربيع العربي أن يخسر طاقة جماعة الاخوان الايمانية والشعبية والتاريخية، فدورها بحكم الأمر الواقع قد يكون حاسما في أن يزهر الربيع العربي ثورة أو لا يزهر.
* كاتب عربي من فلسطين
* [email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.