أسهم آسيا تتراجع بعد انهيار وول ستريت وارتفاع أسعار النفط    أسعار الخضار نار.. تجار العبور يكشفون السر: الحرب ليست سببًا    سريلانكا ترسل سفنًا وطائرات لإنقاذ 30 بحارا على متن الفرقاطة الإيرانية الغارقة    انفجارات عنيفة تهز وسط إسرائيل وصواريخ إيرانية تضرب القدس والنقب    المستشار الألماني: تساؤلات عديدة لا تزال مفتوحة حول مستقبل إيران بعد الحرب    الجيش الإسرائيلي يشن ضربات واسعة على مواقع إيرانية وسط تبادل للقصف الصاروخي    الحرب الإسرائيلية الإيرانية.. إسرائيل تعلن استهداف 88 عضوا بمجلس خبراء القيادة خلال اجتماع لاختيار خليفة خامنئى وإيران تنفى.. إنذار عاجل إلى الإيرانيين.. وطهران: هاجمنا أهدافًا أمريكية بعدة دول ونحذر أوروبا    انخفاض وفيات الأمهات في الولايات المتحدة عام 2024 واستمرار الاتجاه الإيجابي في 2025    حالة الطقس اليوم الأربعاء.. تحسن لافت على كافة الأنحاء    مواعيد مباريات اليوم في الدوري الإنجليزي والقنوات الناقلة    حد أقصى حلقة 14، أحداث صادمة وتحذير خاص من صناع العمل    «النواب الأمريكي»: الهجوم على إيران ليس إعلان حرب    جهود مكثفة لكشف ملابسات العثور على جثة طالب في مدينة نصر    انقلاب سيارة «خلاط أسمنت» أعلى الطريق فى مدينة نصر.. صور    خلال مشاركته في بورصة برلين .. وزير السياحة يؤكد استقرار الحركة السياحية الوافدة إلى مصر    رمضان.. زاد المسيرة    الحرس الثوري الإيراني يعلن السيطرة الكاملة على مضيق هرمز    تسمم أسرة بالغاز داخل منزلهم بعزبة المصاص في المنيا    كشف ملابسات تعدي قائد سيارة عليها شعار مجلس النواب على آخر وإحداث تلفيات بسيارته    سعيد عبد الحافظ.. من العمل الميداني إلى عضوية «القومي لحقوق الإنسان»    «مفتاح العودة».. «صحاب الأرض» يغلق حكايته بوثائقي عن رحلة نجاة أطفال غزة للعلاج في مصر    النائب العام يشارك موظفي السكرتارية وطاقم حراسته مأدبة إفطار رمضان    وزير العدل يستقبل رئيس وأعضاء نادي قضاة جنوب سيناء    لسحور فاخر، طريقة عمل البيض بالبسطرمة والمشروم    السعودية: سنتّخذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن أمننا وحماية أراضينا    رئيس قطاع المعاهد الأزهرية يهنئ الإمام الأكبر بعد فوز طلاب الأزهر بجائزة دبي للقرآن    رئيس الوزراء: تأمين إمدادات الطاقة لفترة طويلة ولا تخفيف للأحمال    رئيس الوزراء: نتحرك بخطط استباقية ولدينا سيناريوهات جاهزة للتعامل مع مختلف الأزمات    الأزهر يحصد الذهب والفضة عالميًا في جائزة دبي للقرآن الكريم    بين الانقسام والهروب.. الدولة تقترب من «رأس الأفعى»    الحكومة تتابع مع صندوق النقد المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي وتؤكد المضي في الإصلاحات الضريبية    الصحة: لا مبرر لإعادة الكشف على ذوي الإعاقة المستدامة مع التحول الرقمي    عطل فني يضرب موقع فيسبوك    تعرف على نتائج أمس بدورة المتحدة الرمضانية    التعادل السلبي يحسم ذهاب نصف نهائي كأس إيطاليا بين كومو وإنتر    مريم أشرف زكي ل"اللمة تحلي": بابا وماما قالولى مشاركتى فى أولاد الراعي دور عمري    وهج الفوانيس يضفي طابعًا تراثيًا على فعاليات "رمضانية المخواة"    اليوم عمرو الليثي يتناول فضل الأم والأب في برنامج "أجمل ناس"    «اسأل روحك» الحلقة 13 تتصدر جوجل.. إنقاذ مفاجئ وتورط صادم لغزالة    ارتفاع كبير في سقف الرواتب ببرشلونة.. وريال مدريد يحافظ على الصدارة    مصادر تكشف تفاصيل تدشين تكتل برلمانى معارض بمجلس النواب    "الإهمال الطبي " سياسة ممنهجة لقتل الأحرار .. استشهاد المعتقل إبراهيم هاشم بعد اعتقالٍ امتد 11 عامًا    نجوم «دولة التلاوة» يواصلون إحياء الليلة الرابعة عشرة في المساجد الكبرى    ريمونتادا ناقصة| برشلونة يودع كأس ملك إسبانيا رغم الفوز على أتلتيكو مدريد    الزمالك يفوز على البنك الأهلي في دوري المحترفين لكرة اليد    إيفرتون يزيد أوجاع بيرنلي ويواصل تقدمه في جدول الدوري الإنجليزي    قافلة طبية مجانية بقرية طوسون بالإسماعيلية تكشف على 816 مواطنًا خلال يومين    تدريبات خاصة لبدلاء الزمالك والمستبعدين من مواجهة بيراميدز    النائب العام يجتمع بموظفى وأفراد الحراسة الخاصة به فى مأدبة إفطار    خلل مفاجئ في فيس بوك يعطل التصفح ويضرب المنصة الزرقاء    أخبار × 24 ساعة.. إعلان الحد الأدنى للأجور خلال النصف الثانى من مارس    أيتن عامر تكشف حقيقة ياسر جلال وتطلب الطلاق في الحلقة 14 من "كلهم بيحبوا مودي"    نقابة الصحفيين تنظم حفل أفطار الأسرة الصحفية.. وفرقة"الرضوان السورية تحيي الحفل.. صور    رئيس جامعة كفر الشيخ يشهد ختام فعاليات الدورة الرمضانية 2025/2026    الصحة اللبنانية: 50 شهيدا و335 مصابا حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي    نجوم دولة التلاوة يواصلون إحياء الليلة الرابعة عشرة من رمضان في المساجد الكبرى    الذكاء الاصطناعي والعرب في زمن الحروب الرقمية    وزير الدفاع: القوات المسلحة حريصة على تطوير إمكاناتها القتالية والفنية في كافة التخصصات بما يمكنها من مجابهة المخاطر والتهديدات المحتملة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لماذا انسلخت عن الفكر السلفي المخالف لسماحة الدين؟
نشر في شباب مصر يوم 08 - 06 - 2015

كنت في وقتٍ ما سلفياً بالمعنى الحرفي للكلمة، لكن لم يُصبح ذلك لدي مدعاةً للتكفير والتشديد، ففطرتي تنفر من هذه الأشياء، وأميل إلى تأويل النصوص باليُسر وليس بالعُسر، ومعها اعتقدت أن لكل مشكلة حل في النصوص الدينية ، وهو ما اكتشفت زيفه بعد ذلك، فالنصوص بحاجة إلى عقلٍ راسخ وضمير متيقظ وقلبٍ صافٍ مُطهر من الدنايا، وبدون هذه الأشياء تُصبح النصوص مجرد أحجار في صحراء بحاجة لمن ينقلها أو يستخدمها لمصلحته، بالضبط كمن يستخدم النصوص لمنفعته بسبب أنه تعامل مع الحَجَر كأنه من أملاكه.
السلفيون يتعاملون مع النصوص كأنها تركة ورثوها من الآباء عن الأجداد، لذلك ترى نزعة احتكار الفهم فيهم واضحة، ومعها تفسير تلك النصوص حصرياً تُخالجُ ضمائرهم، وبما أن احتكار الفهم بحاجة إلى شجاعة ..فهُم يعتمدون في شجاعتهم على أمراض المجتمع العربي وأبرزها.."الجهل"..فطبيعة الجاهل أنه يرى النصوص برؤية ظاهرية تخلع عباءة النص وتُلبِسه رداءاً آخر أكثر قابلية وانسجاماً مع النفس، وهو ما أسميه بتكييف النصوص مع المصلحتين الآنية والشخصية.
كمثال تحريمهم لنكاح الزانية من قوله تعالى.."الزاني لا ينكح إلا زانيةً أو مشركة"..كانت الحُرمة نزولاً إلى الموقف العربي من المرأة بالعموم والزانية بالخصوص، والنتيجة أن كيّفوا النص الديني لثقافتهم وأعرافهم المحلية..وبالتالي مصلحتهم في بقاء الوضع اجتماعياً كما يرغبون، رغم أن النص الديني أوسع من ذلك، وقد قال الله في آية أخرى.."وأحل لكم ما وراء ذلكم"..وهو شامل لنكاح الزانية وغيرها، أي أن القرآن برئُ من هذا التفسير السلفي للنصوص ويتعامل مع المرأة كونها مخلوقاً يساوي الرجل في كرامته ومكانته.
لا أنكر أن من أسباب اختلافي مع الفكر السلفي هو عدم اهتمامهم بالفلسفة، فالأشياء التي في الضمائر والأذهان كثيرة بحاجة إلى واقع وفكر ولغة لتفسيرها، والفكر السلفي ضعيف لا يفسر هذه الأشياء، بل يردها -بغرابة-إلى عموميات دينية ، كمن يسأل عن حقيقة الوجود وطبيعة المواد نرى من يسارع بقوله.."ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم"..أو كمن يسأل عن حقيقة كُفر المسيحية واليهودية نرى من يسارع بقوله.."لقد كفر الذين قالوا أن الله ثالث ثلاثة"..رغم أن تحرير معنى الكُفر لغوياً يردنا إلى نتائج مختلفة تقول بأن ليس كل المسيحيين واليهود كفار، بل الكفر يثبت في شأن من عرف الحق وأنكره بعد حوارٍ وجدالٍ ظهر الحق للجميع.
وأزعم أن إطلاق صفة الكُفر في حق الآخرين بحاجة إلى تكليف ديني ووصاية بشرية تحمل فلاناً أو مجموعة من الناس أن تتحدث باسم الدين، وهذا الشرط غير موجود كون الحديث باسم الدين حرام، والأفضل أن يُقال.."هذا ما ظهر لي من أمر الدين"..وهو معنى ينفي أي امتلاك للحقائق أو جواز احتكار فهمها وتفسيرها.
كذلك فالسلفيون لا يفصلون بين رؤية السابقين لدينهم ودنياهم وبين واقعهم المعاصر، وهو ما يلزمه إسقاطاً تاماً لأقوال السابقين من 1000 عام -حيث عصر البداوة والتداوي بالأعشاب وبالحيوانات- وبين عصر الحضارة والثورة العلمية والطبية، وعندما نقول عصر البداوة فليس امتهانا للعصر أو لمن عاشوا فيه، بل على طريقة.." انظر كيف كانوا يعيشون"..وهي جملة حالية تحفز على الاعتبار باختلاف الزمن والكون، وربما يتعاطف القلب معهم مثلما تعاطفنا مع آبائنا وأجدادنا الذين عاشوا دون مياه أو كهرباء أو تلفزيون أو انترنت، فنسأل حينها لو كنا نعيش في زمنهم كيف سنبدع ونقضي أوقات فراغنا الصعبة.
الغريب أن أحدهم سيرد ويقول أن أجدادنا كانوا منسجمين مع واقعهم وبيئتهم، وأنهم كانوا يبدعون ويقضون أوقات فراغهم في أشياء هي بالنسبة لهم تعتبر مثل التلفزيون والإنترنت بالنسبة لنا، وهو إقرار ضمني بحقيقة.."أن لكل زمان نسبة وتناسب"..فلماذا يعيبون علينا رفض منطق السابقين وأن منطقهم-حتى لو كان صحيحاً لهم-فليس بالضرورة أن يكون صحيحاً لنا، وهو المعنى من وراء النسبة والتناسب الزمكاني، بل لا يكتفون بذلك ويريدون العودة كلياً إلى زمنهم بحُجة أن زمنهم هو خير القرون ويجب علينا اتباعهم وكأن الإنسان هو مجرد حيوان لا عقل له ولا منطق ليُفكر، وأن كل وظيفته في الحياة أن يقول ويعمل مثل فلان وعلان..!!
لقد شاءت حكمة الله أن يخلق الناس مختلفين ومتفاوتين في أفهامهم وعقائدهم وألوانهم وألسنتهم، وإلا فالناس لو كانوا أمةً واحدة تعرف معنى التواصل لساد الخير هذا العالَم، ويظهر معه أن اختلاف الناس هو لحكمة الاجتهاد في التعارف والحوار، ولحصار تلك الأمراض التي نجمت عن هذا التفاوت سواء من الفهم الخاطئ والتطرف، كيف سأفهم الآخر دون معرفته؟..هذا سؤال مركزي تُبنى عليه نظريات علمية واجتماعية، فيجتهد الإنسان لمعرفة نفسه كمقدمة لمعرفة الآخرين، وللحقيقة لم أرى هذه الميزة إلا في الفلسفة، فهي التي أتاحت لي المعرفة والانطلاق في فضاء الكون والتفكر في أحوال الموجودات.
وبما أن الفكر السلفي له موقف من الفلسفة فقد بدأت أشك في حقيقة هذا الفكر، وحقيقة اتصاله بالدين، فوجدت أن هذا الفكر له جذور راسخة في كل مصائب وبلايا التاريخ، وأنه كان سبباً في انحطاط المسلمين والعرب قروناً طويلة، فتكلمت في السلفية على استحياء، والسبب أنني كنت لا زلت عضواً في جماعة الإخوان، فما بين الإخوان والفكر السلفي ما يمنع من انتقادهم بحدة، أو الخروج على المفاهيم الرئيسة التي شكلت هذا الفكر، لأن هذه المفاهيم الرئيسة هي نفس المفاهيم التي شكلت العقل الإخواني تحت ظل السمع والطاعة وتحت سيف الخروج والبدعة..
وهناك جوانب أخرى تشمل تورط الفكر السلفي في الصراعات الطائفية، وأن الموقف السلفي السياسي مرتبط بالمصلحة غالباً، والمصلحة ليست جميعها على ضلال، بل لو انحصرت لمصالح في دائرة العفو والإيمان بحقوق الآخرين فهي مصالح عامة وشخصية مزدوجة، حتى لو آمنت باختلاف مصلحتي عن المصلحة العامة، ولكن ضمان بقاء الحياة واستمراريتها –كفائدة مرجوة من المصلحة العامة-يجعل مصالحنا الخاصة مجرد نزوات ورغبات غير مشروعة، وهو ما اعتقدته في مصالح الفكر السلفي حيث خرجت لدي بصورة غير مشروعة لأنها تعارضت مع المصلحة العامة.. التي تقتضي الاعتراف بحقوق الآخرين التي هي لديهم ثانوية وأحياناً معدومة.
وزاد الموقف سخونة أن السلفيين يرون مصالحهم بصورة دينية، وهي أقذع وأبشع صورة في الوجود، أن ترى مصالحك مقدسة وليذهب الآخرين إلى الجحيم، حينها يحل الكذب والفجور محل الصدق والإيمان، فيكذبون على الله وعلى الناس من أجل مصالحهم التي هي لديهم مصلحة الدين، فلا اعتقاد نسبي لديهم ، الجميع لديهم إما أبيض وإما أسود، وهكذا نعود إلى صورة الأفلام القديمة التي اعتقد فيها جيل الشباب أن البشر في هذا العصر لا يعرفون الألوان، وأن حياتهم كانت بالأبيض والأسود، رغم أن فيلم.."رد قلبي"..عرضته السينما المصرية بالألوان في الخمسينات حيث فترة ازدهار أفلام الأبيض والأسود.
إن أقرب تشبيه للفكر السلفي أنه لا زال يعيش في أفلام الأبيض والأسود، وما لهذه الأفلام من سطوة معرفية حملت البعض على إنكار الألوان والزعم أنها مصطنعة، حتى لو لم يحدث فهو استثناء كالذي يحدث مع السلفية، هم يرون الحياة دون ألوان ويصرون على أنها كذلك، حتى عندما يختلفون مع أنفسهم أو يتمردون أو يحاربون تصبح نظرية.."الأبيض والأسود"..هي السبب في تدميرهم، ويعودون بحماقة مرة أخرى للسؤال لماذا لا ينصرنا الله، والجواب من أنتم ومن هم، عليكم بتعريف أنفسكم والآخر، حرروا علاقتكم بالغير، إن ما قرأتموه وانطبع في أذهانكم من سيرة السابقين كان في عصور انتشرت فيها الرؤية المحلية، فيجري تفسير النصوص على ما تراه العين دون القلب.
فلو قيل أن تلك العصور لم تكن محلية وأن علماء المسلمين كانوا عالميين قلنا أخرجوا لنا شعباً غير العرب والمسلمين يعرف ابن تيمية وابن حجر والبخاري والذهبي، بل أخرجوا من يعلم حرفاً واحداً في الشرق والغرب عن الأئمة الأربعة، بل لا يوجد مشهور في العالم سوى من اتُهِمَ في دينه عند العرب كابن سينا والفارابي وابن رشد وابن حيان ...وغيرهم، هؤلاء من أعطوا صفة العالمية للمسلمين كانوا متهمين ومضطهدين وأحرقت كتبهم وصودرت أفكارهم.
نفهم من ذلك أن الأفكار التي تعيش يجب أن تتصف بالعالمية، وهي لن تكون كذلك حتى تخاطب الإنسان لا المعتقد، فقولوا لنا بربكم هل خاطب أئمتكم الإنسان أم دينه؟..فلو قلتم أنهم خاطبوا الإنسان قلنا لو حدث ذلك ما ذبح المسلمون بعضهم على الدين، إن خطاب الإنسان يعني خطاب العقل والروح والضمير..يعني خطاب المنطق والتوافق..يعني خطاب الحوار والتواصل..يعني خطاب الرأي والرأي الآخر، فلو تحقق هذا الخطاب كانت معه قواعد الدين راسخة.. لأن الأديان شرعها الله للإنسان، فكيف يكون الخطاب عقدياً قبل أن يكون إنسانيا؟..لو صح هذا الادعاء بأن الخطاب عقدي فالإنسان ليس له دور سوى التسليم بمواقف كهنة العقيدة.
فما من عقيدة إلا ولها كهنة يقومون على أمرها ويحرسونها ضد المخالفين، وهم الذين يحتكرون الحديث باسمها ، ورغم ذلك توجد لديهم بواقي رحمة يستعينون بها على التمكين ، فيشيع بينهم خطاب.."التسامح"..لإقناع ذوي القلوب، بينما خطاب التسامح هو من منطق وصائي يملك حق القرار، وكم شرحنا وأسهبنا في رفض هذا الخطاب وقلنا أن البديل له هو خطاب.."قبول الآخر"..هنا كان الاعتراف بحق الآخر في الوجود كأساس لقبول معتقداته وكافة حقوقه، بينما خطاب التسامح يجعل هذه الحقوق رهينة لتقدير هذا الطرف أو ذاك لتلك العلاقة.
وهو تقدير محكوم بالمصلحة وبالنسبية ومقيد بالعاطفة، فأيما أحببت فلان فهو صالح يستحق الخير، وأيما كرهت فلان فهو فاسد مفسد يجب التحذير منه ومن شروره، هنا كان التسامح ينظر لنصف الكوب الفارغ ويضع الأديان والقيم في مهب الرغبات والأهواء والصور الخاطئة، بينما القبول يُعالِج فكرة الإنسان عن الأديان والمعتقدات ويحميها من قصور الإنسان وجهله، ويُحسن من توظيف الأخلاق في المعاملات، فالقبول يعزز من فكرتي .."التواضع والإيثار"..وكفى بهما مكرمةً للإنسان، فبهما تتعايش البشرية وتقل النوازع والحروب.
الغريب أن الفكر السلفي عندما يتعامل مع الأخلاق فهو أيضاً يتعامل بالمصلحة، وعندما تسأل لماذا آثر الأنصار المهاجرين عن أنفسهم قالوا لوجه الله وللإسلام ولنصرة الدين، فهم لا ينزعون الفعل عن نتائجه ويخرجون بنتيجة هي لديهم الهدف النهائي من وراء الفعل، ولو كان ذلك صحيحاً فحروب داعش وجبهة النصرة في سوريا هي لنصرة الإسلام..فأي إسلامٍ يرغبون؟!...هنا كانت النسبية وراء تفسير الأعمال فلا يحق لأحد أن يربطها بالأفعال/ الأخلاق، والصحيح أن تجريد الأخلاق عن أهدافها الدنيوية ونتائجها البعيدة هو حصن منيع لها ضد الكذب والرياء والنفاق، والمعنى أنني أتواضع لوجه الله حتى لو خسرت، وأن أؤثر فلاناً على نفسي لوجه الله حتى لو كان ذلك في النهاية ضدي وضد منفعتي.
لأن خروج صور المنافع في النهاية قد تكون بصورة نسبية، أنا أكره فلان فالأفضل تجنبه، لأنه ليس كل تفسير للمصلحة هو حقيقي أو مطلق، وهذه آفة فكر سلفية يعاني منها الشباب المتدين بكثرة، فتجد الشاب السلفي يربط بين مصلحته والدين، وعندما يوظف ذلك في العمل السياسي تكون كارثة، وقد كنت يوماً أعتقد بأشباه ونظائر تلك الأفكار، ولكن كانت تحدثني نفسي لماذا هؤلاء.."الكفار"..منسجمين مع أنفسهم وبلادهم نظيفة ولا يهتمون لأحوالنا وبما نقوله عنهم، ورغم ذلك نزعم أنهم سيدخلون النار، حينها كانت تصدمني النصوص بصورتها التأويلية التي احتكرها المشايخ منذ القِدم، وكان لدي شعوراً فياضاً بأن هذه النصوص لم تخرج لتكفير أو لعن هؤلاء، بل كانت موجهة ضد أقوام وجماعات بينها وبين العدل والإخلاص ما صنع الحداد.
أحكي موقفاً كان في تقديري هو السبب في إعادة نظري لمسألة الحديث برمتها، وقتها كنت متديناً سلفياً في جماعة الإخوان، أؤمن بأن ما نحن عليه هو منهج السلف الصالح، وأن الفرق والمذاهب الأخرى كالصوفية والأشعرية والمعتزلة والشيعة والعلمانية والليبرالية واليسارية ...إلخ..كل هذه فرق ضالة عن منهج الحق، وأنهم يعلمون ضلالتهم ..لكنهم يُكابرون، وأن هذه الفرق هي تصديق لحديث يقول فيه رسول الله.."افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة كلها في النار عدا واحدة..قالوا ما هي يارسول الله؟..قال ما أنا وأنتم عليه"..انتهى..
وبالتالي فجميع هذه الفرق السابقة تدخل في عداد الاثنين وسبعين فرقة التي هي في النار..فالسلفي يرى الصوفي والشيعي والعلماني والمعتزلي والأشعري والليبرالي أنهم جميعاً من أصحاب جهنم، نزولاً لنتائج هذا الحديث الشائع، وفي الحقيقة أن هذا الحديث يقوم عليه نصف الدين السلفي كونه يترتب عليه أمرين اثنين:
1- السلفية هي الفرقة الناجية التي ستدخل الجنة.
2- يجب على السلفية دعوة وهداية الآخرين لإنقاذهم من النار.
هكذا كانت عقيدتي التي أخذتها من كتاب.."شرح العقيدة الواسطية"..للشيخ السلفي ابن عثيمين، وكذلك كتاب.."محاضرات في العقيدة والدعوة"..للشيخ آل فوزان، وكلا الشيخين سلفيين على منهج ابن تيمية، فشرح ابن عثيمين كان على كتاب العقيدة الواسطية لابن تيمية، ولكن كان في قلبي من هذه الكتب أشياء ونواغص تحدث لي أحياناً ، كون هذه الكُتب في مجملها تنضح بكراهية الآخر والوصاية عليه وإخراجه من رحمة الله إلى جهنم وبئس المصير، وأن السلفية هي الحق المطلق والمرسل من عند الله، وأن من رحمة الله بالبشر أن أرسل إليهم شيوخ السلفية قديماً وحديثاً حتى ينجوا بالناس وبأنفسهم جميعاً من النيران.
الذي حدث هو أنني كنت منذ ثمان سنوات أستمع لمحاضرات الدكتور سليم العوا التي عقدها في جمعية مصر للثقافة والحوار، وكانت محاضرات موسمية تناقش كل عام شيئاً في الدين برؤية واسعة وعرض لمعظم الآراء، كان هذا الأسلوب غريباً عليّ كشاب سلفي متدين نشأ على منطق.."الحق المطلق والمذهب الواحد"..وفي محاضرة ما تعرض سليم العوا لحديث.."افترقت اليهود....إلخ"..وهو الحديث المعروف بحديث.."الفرقة الناجية"..الذي تكلمنا عليه ويقوم عليه نصف الدين السلفي..ويالهول ما سمعت ، كانت ضربة قاصمة.. حيث قال العوا أن هذا الحديث مكذوب ومصنوع، وأن الذين صنعوه كانوا يريدون إيصال الفرق إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة فاخترعوا أعداداً لليهود والنصارى كي يمرروا هذا الحديث بين أوساط المسلمين..!
كان جواباً نقضياً وحلياً سريعاً وصاعقاً لم يترك لي فرصة للسؤال، بل صنع لدي مدخلاً للبحث في حقيقة ما قاله الرجل، فكان أن بحثت عن صحة هذا القول في سلوك مني لم يحدث من قبل، وسألت بعض المشايخ قالوا أن هذا الكلام غير صحيح وأن سليم العوا هو مجرد مفكر وليس شيخاً أو فقيهاً حتى يؤخذ برأيه في الدين، وهو بذلك يطعن في السنة النبوية وبالتالي يطعن في الدين الإسلامي برمته.
لم أقتنع بهذا الكلام ولم أهتم بتلك الأقوال لأن الحقيقة عندي هي ذاتية وليست في شخص فلان وعلان، أياً كان الرجل حتى لو كافراً ولكن يجب البحث في حقيقة كلامه، وهذا يعني أنني أبحث عن الحقيقة لذاتها ولا يهمني من قال ومن سيقول، وكلام العوا خلق لي دافعاً للبحث ..فقررت أن أبحث عند شيوخ أثق فيهم-حينها-كالشيخ القرضاوي الذي كان ولا يزال مرجعية الإخوان الأولى في هذا العصر، فوجدته يقول شبه ما قاله العوا، أن الحديث ضعيف السند، وأن العلماء مختلفون في أمره، ولكن القرضاوي نكث عن هذا الكلام بعد ذلك للتذكير..!
خلاصة هذه القصة أنني بدأت أشك في هذا الحديث وتكلمت فيه سواء في الواقع أو في العالم الافتراضي، وظهر لي شبهات أكثر مما طرحها العوا والقرضاوي، وشرعت في حوار الرأي المخالف في هذا الأمر وعرضت كافة ما عندي من اعتراضات، ولكن لم أجد ما يدفع هذه الاعتراضات بل وجدت خطاباً تكفيرياً عنيفاً سواء من السلفيين أو الإخوان، أو في عالم الإنترنت الذي تعرضت فيه لأكبر حملة تشويه وتكفير بسبب إنكاري لصحة هذا الحديث، رغم أن القرضاوي والعوا- وهم من هم في عالم الإخوان- هم الذين قالوا هذا الكلام، وقديماً قال ابن حزم أن الحديث مكذوب، والشوكاني قال أن زيادة.."كلها في النار"..هي زيادة موضوعة، فضلاً عن الدراسة المميزة للدكتور حاكم المطيري ..التي أثبت فيها أن الحديث منكر ولا أصل له.
عموماً بعد أن خرج بحثي في هذا الحديث بنتيجة جيدة -وهي اليقين بمكذوبيته-لم أطمئن لأي حديث آخر بعد ذلك إلا بعد التحري والسؤال، والسبب أن لكل فكرة مقدسة طريق إذا كان سالماً ظلت على قدسيتها، ولو كان وعراً فقد خرجت من قداستها لتُصبح عادية، وقد ساهم في ذلك التربية الإخوانية السلفية على أن الحديث هو وحيُ من عند الله، فما بالكم وأن هذا الحديث هو أشهر حديث بين الفرق على الإطلاق، والسلفية تستخدمه كثيراً في خطابها الديني... مما يُعد أصلاً في دينهم ،وقد ظهر أن هذا الأصل ضعيف وهش.. بل بالغ الهشاشة..ألا يُحدث ذلك أثراُ معرفياً في نفسي؟!
إن "زلزال" حديث الفرقة الناجية هو الذي أتى بعد ذلك بالبحث المستفيض في مسائل الحديث، واكتشفت أن أكثر الأحاديث الضعيفة والخرافية هي تُشكل أصولاً في دين السلفية، وبالتالي فهي أصول في دين الإخوان، ومن هنا فقدت حماسي السابق للفكر السلفي بعدما شعرت أنني كنت أتبع أوهاماً لا أصل لها في دين الله أو في الواقع.
كثيرة هذه المسائل التي ظهر لي ضعفها وعدم منطقيتها من الحديث، ولكن الجديد أن الغالبية العظمى منها كانت تخص أمرين اثنين:
1- السياسة والحُكم
2- القصص والأدب الشعبي
فالأولى هي التي شكلت في الوعي السلفي مسائل.."الخلافة والشريعة والمذهب"..أما الثانية فقد شكلت مسائل القصص والخرافات والأوهام كالادعاء بأن هناك عذاباً ثالثاً فوق عذاب الدنيا والآخرة سيكون في القبر، وقصص المهدي المنتظر والمسيخ الدجال ونزول المسيح وأحوال آخر الزمان وفضائل السور وفضائل النبات والحيوان..إلخ...كل هذه هي قصص وأدب شعبي قديم وأعراف بدوية تحولت بقدرة قادر إلى أحاديث مقدسة ووحيُ من الله يجب تصديقه دون التفكر فيه، حتى أن رائحة الأدب الشعبي واضحة جداً في قصص الصحابي المزعوم.."القعقاع بن عمرو"..والتي بحثنا فيها في السابق وظهرت أنها صناعة قبلية ولا يوجد صحابي بهذا الاسم مطلقاً، وكذلك قصص الدابة المشهورة.."بالجساسة"..واضحة أنها من بقايا أدب الإغريق رغم أنها في الصحاح..!!
لقد ظهر لي أن قواعد التحديث والعنعنة لا يمكن الوثوق فيها لأي بناء تشريعي، يمكن-لو صحت-الاعتماد عليها في القيم والأخلاق وفضائل الأعمال، أما أن تُصبح قاعدة ومعياراً للتشريع والحُكم بها على الناس..فهذا تصرف غير سليم وخطير على الإسلام والبشرية، ويتساوى في ذلك تراث السنة مع الشيعة ، لا فارق.. فالجميع يعتمد مبدأ التحديث والعنعنة الذي في تقديري هو يُشبه حديث النساء وإشاعاتهم وجلسات المصاطب، قال فلان وقال علان..طب وما أدراني أنه قال؟..وما أدراني بصحة الاحتجاج به لو قال؟..كلامك ليس حُجة، والإجماع على هذه الأشياء مستحيل، وليس أدل من ذلك على أن العلماء جعلوا شرط اليقين بالرواية أن تبلغ مبلغ التواتر، وهذا شرط يصعب جدا-بل ويستحيل-تحققه في هذه الروايات..
لكن الغريب أن جمهور العلماء لم يلزموا تلك القواعد كما سنُبيّن بعد قليل، وذهبوا بعلومهم الفكرية والفقهية في اتجاه مختلف، حتى شاع على المنابر- وفي الكتب-لفظ.."قال رسول الله"..وهو لفظ يتعارض مع تعريفهم للتواتر ابتداء، لأنه لم يصبح شرطاً لليقين..بل كل رواية-حتى لو ضعيفة السند-يجوز نسبة قولها لرسول الله، وهذا أمر خطير.. وهو ما أنتج كافة الضلالات والانحرافات الفكرية والانشقاقات التي عاني منها المسلمون منذ وفاة الرسول وإلى الآن.
لقد قادني هذا الاتجاه إلى تأليف رسالة في التواتر كتبتها منذ عام ونيف..اعتمدت فيها على تعريف الغزالي للتواتر وردوده على القاضي عياض، وظهر لي أن التواتر يشترط فيه بلوغ العلم قبل الراوية، أي أنه ليس بمجرد الراوية يكون العلم حتى لو صحت أو تعددت طُرقها، طالما كانت مجهولة فهذا دليل على جواز الشك في نسبتها –يقيناً-لرسول الله، واختصاراً لهذا الأمر أعرض رؤية أبو حامد الغزالي في رده على من يُثبت التواتر بالعدد..قال .." عدد المخبرين ينقسم إلى ما هو ناقص فلا يفيد العلم وإلى ما هو كامل وهو الذي يفيد العلم وإلى زائد وهو الذي يحصل العلم ببعضه وتقع الزيادة فضلا عن الكفاية والكامل وهو أقل عدد يورث العلم ليس معلوما لنا لكنا بحصول العلم الضروري نتبين كمال العدد لا أنا بكمال العدد نستدل على حصول العلم"..(المستصفى 1/254)..
ويظهر من كلام الغزالي تشدده في إثبات التواتر، والمعنى أن حصول العلم الضروري بالخبر يتبين به كمال العدد، لا العكس كما فعل البعض من الفقهاء وأثبتوا التواتر بمجرد إحصاء الطرق، فمنهم من أثبته على ثلاثين ومنهم من أثبته على عشرين ثم عشرة بل منهم من أثبته على خمسة طرق..وهذا استخفاف وانحراف وتهور وبه من الجرأة على رسول الله الكثير ، أن ينسبوا قولاً لشخص عادي بمجرد اجتماع خمسة أشخاص أو حتى عشرة أو عشرين..وربما يكونوا متفرقين ومن بلاد بعيدة مُشتتة..فسيكون أمر في منتهى الصعوبة ولن يرضوه طالما لم يكونوا متيقينين، فكيف يتجرأون على الرسول -وهو من هو في الدين الإسلامي-بهذا الشكل وينسبون له الأقوال بمجرد قول فلان وعلان..!
بالطبع كانت هذه ورطة شديدة ،ولكن لكي يُرضوا غرورهم ويُقنعوا أنفسهم اخترعوا علماً في الحديث يُسمى.."علم الرجال"..كي تكون لهم الحُجة بإثبات الأقوال للنبي بأي شكل، ولكن الأغرب أنه وبعد اختراعهم لهذا العلم لم يتفقوا على الرجال، وخرجت أحكامهم نسبية، ومنهم من ذم ومدح نفس الشخص، ثم يأتون بعد ذلك ويقولون أن الحديث صحيح ..!
في النهاية أنا لم أقتنع بأن فلاناً من الناس-أياً كان هو-له الحق في الحُكم على غيره ثم يدعي الفقهاء وجوب النزول على أمره، وكأننا في النهاية نتبع أشخاصاً ورؤيتهم للحياة، وأذكر أن لي كلمة قلتها على ملتقى الإخوان منذ ثلاث سنوات قلت فيها.." أن الإنسان الذي يريد الحُكم على عدالة وثقة إنسان هو لا يضمن حتى عدالة نفسه أو أنها على هدىً وبينة"..وهذا قولُ يهدم علم الرجال وينسفه نسفا، رغم أن الخلاف حوله ليس سائغاً مما يجعله صحيحاً في المجمل، لأنك لو سألت أي شخص –حتى ممن يعملون في الحديث-سيُقر بأنه لا يضمن عدالة نفسه أو أنها على هُدىً وبينة..!
عموماً لقد انتقل الحديث عندي من مرحلة القُدسية إلى مرحلة أخرى عادية، وبهذا الانتقال أصبح الخروج من الفكر السلفي هو أمر حتمي بعد تعدد الخلافات معه وانكشاف أمره أنه يقوم في المجمل على الحديث وقواعده، والتاريخ وأحداثه، رغم اعترافي بأن الشروط التي وضعها المحدثون هي في المجمل جيدة وصارمة، فعندما يقول الأديب أبو الطيب الوشاء(ت325ه) أن من قوادح الراوي أنه كثير الالتفات لأن ذلك من طبع اللصوص، فهذا شرط قاسي جداً ..وما الذي يمنع الالتفات مع الحفظ؟!..فالتلفت هو تصرف سلوكي عصبي قد لا ينفي سلامة العقل وصحة الذاكرة، ثم ما أدرانا أنه لو ثبت في حق الراوي تلفته أنه يكون ذلك استثناءا ؟... أو أنه شهادة كيدية من خصومه؟..أو أنه لم يحدث أصلاً وجرى تناوله على المُشاع؟
كثيرة هذه الانتقادات على قواعد الجرح والتعديل في علم الرجال، ولكن صرامة هذه الشروط يُخرجها في النهاية كمبادئ عامة لم يلتزم بها المحدثون والفقهاء، والأسباب كثيرة ..منها نقص في المعلومات، والخلافات المذهبية والسياسية، علاوة على نوازع التقليد والترديد، يكفي معرفة أن صياغة علوم الحديث برمتها خرجت في عصر كان العرب فيه يعتمدون على الذاكرة، والذاكرة وحدها لا تكفي-مهما بلغت قوتها-في نقل الأخبار والكلام على حقائقهم، حتى صنع ذلك لمن جاء خلفهم نقصاً معرفياً حاداً كان هو السبب في الافتراق والتشتت والنزاعات والحروب، كل ذلك بسبب أنهم اعتمدوا على الحديث والراوية التاريخية في تفسير الدين، حتى أن كتباً كاملة ظهرت لتفسير القرآن كانت مخصصة للتفسير بالراوية ومساحة العقل فيها قليلة جداً تصل إلى حد النُدرة..!
أخيراً - وفي ختام هذه الدراسة- أوضح أن موقفي من السلفية كموقفي من الحديث، لا أرد السلفية جُملة ولا أرد الحديث جُملة، فالسلفية رغم ما بها من جهالة وحماقة وشرور إلا أن فيها بعض الخير ..كغيرتهم على التوحيد رغم أن أكثرهم متطرفون في هذا الجانب، ولكن مبدأي أن وحدة الآلهة في إلهٍ واحد هو مبدأ فكري عظيم يضع البشر والأديان في وحدة كونية متسقة تدين بالولاء لأمرٍ واحد، وتجعل الحياة أكثر تنظيماً واتساقاً من تعدد الآلهة، رغم أن السلفية غالباً ما يقعون فيما يرمون به خصومهم من الصوفية والشيعة، فهم يرون أفعالهم جارحة للعقيدة ولمبدأ التوحيد، والسلفية كذلك في تقديري هم يجرحون مبدأ التوحيد بتقديسهم لشيوخهم وإنزال أئمتهم صفتي القداسة والعصمة..!
فتراهم يغضبون بشدة حين تنتقد أحد أئمتهم أو رموزهم الدينية أو السياسية، لأن الأمور لديهم مختلطة، وهذا جانب آخر يكثر الكلام فيه ولكن أكتفي ببيان ما قلته في دوافع وكيفية انسلاخي عن الفكر السلفي، وأوضح أنه وبعد تجارب كثيرة وانتسابي لبعض الأفكار والاتجاهات أن من يريد البحث أو الوقوف على أمراض المسلمين والعرب فلينظر إلى السلفية، فهي كحُجرة القمامة-عُذراً على التشبيه-تحوي بداخلها كافة بقايا الطعام والشراب والسلع، وتضم بين خلاياها كافة أمراض المسلمين والعرب العقلية والسلوكية، وهي مادة دسمة لأي باحث يريد استكشاف المستقبل، كمن أراد التنبؤ بمصير المسلمين والعرب منذ أربعين عاماً رصد انتشاراً للفكر السلفي، وتنبأ بأن العرب والمسلمين سيمرون بحالات من عدم الاستقرار وتكثر فيهم نزعات الحروب والفتن ..أجارنا الله وإياكم منها ..والله المستعان..
----------------------------
بقلم / سامح عسكر
كاتب وباحث إسلامي مصري


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.