تفوق واضح بالأرقام.. الحصر العددي يرجّح كفة أبوالخير وأبوستيت في انتخابات البلينا بسوهاج    تطورات الأسواق العالمية بعد أحداث فنزويلا والذهب يقفز 2%    رئيس كولومبيا يرد على اتهامات ترامب: توقف عن تشويه سمعتي    نيللي كريم: انجذبت ل«جوازة ولا جنازة» لأن الحكاية هي الأساس... والسينما متعة قبل أي شيء    اللجنة العامة بالدائرة الاولى بأسيوط تعلن عن نتيجة الحصر العددى فى إعادة انتخابات مجلس النواب    ارتفاع محدود لأسعار النفط رغم الأزمة السياسية في فنزويلا    قفزة كبرى في أسعار الذهب عالمياً.. والأوقية تتجاوز 4400 دولار    بالطرب الشعبي، سعد الصغير يستعد لإحياء حفلات في جولة أوروبية    عمرو مصطفى: علاقتي بعمرو دياب كانت ناقر ونقير.. وصبر عليَ كثير أوي لأنه عارف إني بحبه    عمرو مصطفى: بدأت الغناء بعد خلافاتي مع المطربين.. كنت كل ما أتخانق مع مطرب أروح مغني    رئيس لجنة التصنيع الدوائي: وضع باركود على العبوات لكشف الأدوية المغشوشة    9 أطعمة يمكنك الاستمتاع بها دون خوف من زيادة الوزن    حريق شقة ينهي حياة أم وطفليها بالقليوبية    «أون لاين».. كيفية الإستعلام عن فاتورة الكهرباء لشهر يناير 2026    ترامب يحذر إيران.. ويؤكد مقتل عدد كبير من الكوبيين المرتبطين بمادورو    خبير سيبراني: حظر السوشيال ميديا عمن دون ال 16 عاما سهل التنفيذ.. واللوم على الأهالي    نائبة الرئيس الفنزويلي: الهجوم الأمريكي واعتقال مادورو يحمل دلالات صهيونية    نتيجة الحصر العددي لانتخابات مجلس النواب بدائرة المحمودية بالبحيرة    الاتحاد الأوروبي يدعو واشنطن إلى احترام القانون الدولي وإرادة الشعب الفنزويلي    ترامب: كوبا على وشك الانهيار والسقوط    حسين فهمي: تحمست لفيلم «المُلحد».. والمشاهد لازم يشغل عقله    فاجعة تهز قليوب.. حريق شقة ينهي حياة أم وطفليها في «أم بيومي»    اللجنة العامة بالوراق وطناش تعلن الحصر العددي للمرشحين    الصحة: إنشاء مجمع تعليمي طبي متكامل بأرض مستشفى حميات إمبابة لدعم منظومة التمريض    الصحة العالمية تدعو لترشيد استخدام المضادات الحيوية قبل فوات الأوان    مهرجان المسرح العربي يكشف تفاصيل دورته الجديدة في مؤتمر صحفي اليوم    مواقيت الصلاة اليوم الإثنين 5 يناير 2026 في القاهرة والمحافظات    بالأرقام.. نتائج الحصر العددي لأصوات الناخبين بالدائرة الثالثة بالفيوم    نتيجة الحصر العددي لدائرة المنتزه بالإسكندرية في جولة الإعادة بانتخابات مجلس النواب 2025    مؤشرات الحصر العددي، اقتراب أبوعقرب ورشوان من حسم مقعدي أبوتيج في أسيوط    ياسر ريان: مشاركة الزمالك بالناشئين أمام الاتحاد السكندرى قرار خاطئ    "لمّ الشمل" في المنوفية.. وعاظ الأزهر ينهون نزاعا أسريا طويلا بمدينة الشهداء    اتحاد الغرف التجارية: وفرة السلع تسمح بوقف الاستيراد من مناطق النزاع دون رفع الأسعار    ندوة بمركز الحوار تناقش تطورات المشهد السياسي في بلغاريا وآفاق العلاقات المصرية- البلغارية    الاختلاف فى الرأى يفسد للود قضية    نتيجة الحصر العددي لانتخابات مجلس النواب بالدائرة التاسعة كوم حمادة وبدر بالبحيرة    العثور على جثة مسنه داخل منزلها بطنطا    إندونيسيا: ارتفاع ضحايا فيضانات وانهيارات سومطرة إلى 1177 قتيلًا    أيمن منصور يكشف كواليس تسجيله أسرع هدف في تاريخ أمم إفريقيا    سيف زاهر: منافسة كبيرة بين الأهلى وبيراميدز على ضم موهبة بتروجت    115 عامًا من المجد والتاريخ، الزمالك يحتفل بذكرى تأسيسه    أمم إفريقيا - بروس: إذا لم نهدر فرصنا لم نكن لنخسر أمام الكاميرون    مسلحون يقتحمون سوقًا في وسط نيجيريا ويقتلون 30 شخصًا ويختطفون آخرين    دمياط.. الانتهاء من 548 مشروعا ضمن المرحلة الأولى من حياة كريمة    بين الاندماج والاختراق.. كيف أعاد تنظيم الإخوان ترتيب حضوره داخل أوروبا؟    أمم إفريقيا - باليبا: سنرى كيف يمكننا منع المغرب من اللعب    خالد الدرندلي: البنية الرياضية المتطورة تجعل مصر جاهزة لكأس العالم    للمرة الأولى منذ 47 عاما.. سان جيرمان يفوز على نادي باريس بهدفين    ميراث الدم| يقتل شقيقه ونجله بقنا.. والمحكمة تُحيل أوراقه إلى فضيلة المفتي    بيع سجائر بأغلى من التسعيرة.. حملة تفتيش على المحلات بأسواق العريش    أخبار × 24 ساعة.. إضافة مادة البرمجة والذكاء الاصطناعى لطلاب التعليم الفنى    أسباب زيادة الوزن في الشتاء    تدهور الحالة الصحية للفنان إيمان البحر درويش.. اعرف التفاصيل    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : فابشر طالما انت مع الله !?    بدء صرف الإعانة الشهرية لمستحقي الدعم النقدي عن يناير 2026 بتوجيه من شيخ الأزهر    القمة الإنجليزية.. ليفربول يواجه فولهام في مواجهة حاسمة بالبريميرليج 2025-2026    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 4يناير 2026 فى المنيا    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من ذاكرة التاريخ: الحرب العالمية الثانية وتأثيرها على العراق/ الحلقة الرابعة
نشر في شباب مصر يوم 02 - 10 - 2011


عبد الإله يكلف طه الهاشمي بتأليف الوزارة:
على أثر اللقاء الذي تم بين الوصي عبد الإله والشيخ محمد الصدر، والنصيحة التي قدمها له الأخير، استدعى الوصي السيد طه الهاشمي، بحضور الوزير صادق البصام، وكلفه بتأليف الوزارة الجديدة، على الرغم من عدم اقتناعه به ورضاه عنه.
لكن الظروف الدقيقة والخطيرة من جهة، ونصيحة الشيخ الصدر من جهة أخرى هي التي جعلته يكلف الهاشمي. وقد حاول الوصي أن يشهّد البصام على تعهد الهاشمي بتشتيت شمل قادة الجيش [العقداء الأربعة]، وحذره من المتصيدين في الماء العكر، والإيقاع مجدداً بينه وبينهم، ووعد الوصي بأنه سوف يسعى إلى لقاء القادة الأربعة به لتقديم الولاء والطاعة، لكن ذلك لم يتم بسبب نصيحة السفير البريطاني بعدم استقبالهم.(19)
تم تأليف الوزارة الجديدة في 31 كانون الثاني 1941، وجاءت على الوجه التالي:
1 طه الهاشمي رئيساً للوزراء، ووزيراً للخارجية والدفاع وكالة.
2 عمر نظمي وزيراً للداخلية، ووزيراً للعدل وكالة.
3 علي ممتاز الدفتري وزيراً للمالية ، الأشغال والمواصلات وكالة.
4 عبد المهدي للاقتصاد.
5 حمدي الباجه جي وزيراً للشؤون الاجتماعية.
6 صادق البصام وزيراً للمعارف.
ثم أضاف إلى الوزارة في 4 شباط السيد توفيق السويدي كوزير للخارجية.
عبر السفير البريطاني في برقيته إلى وزارة الخارجية البريطانية عن سروره لإخراج الكيلاني من الحكم، ولكنه أعرب عن عدم اطمئنانه لطه الهاشمي، ووعد بأن يكون عمر الوزارة قصيراً، وأشاد السفير بدور نوري السعيد، والجميل الذي أسداه لبريطانيا، غير أنه كان قد فقد نفوذه في الآونة الأخيرة، ورأى أن يكون بعيداً عن الأنظار حالياً.
كان همْ السفارة البريطانية، بعد استقالة حكومة الكيلاني هو التخلص من العقداء الأربعة بأي طريقة كانت، لكي يستقر الوضع لصالح بريطانيا.
أما الوصي فقد طلبت منه حكومة الهاشمي العودة إلى بغداد، وأرسلت لمرافقته كل من عمر نظمي، وزير الداخلية، ووكيل رئيس أركان الجيش أمين زكي، إلا أن الوصي تردد في العودة خوفاً من وجود مؤامرة لقتله، مما اضطر الهاشمي إلى السفر إلى الديوانية، وإقناعه بالعودة، وعاد الوصي بصحبة الهاشمي في 3 شباط 1941.
تاسعاً:حركة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة الانقلابية:
بدا الوضع السياسي بعد تشكيل حكومة الهاشمي يميل نوعاً ما إلى الهدوء بعد تلك العاصفة التي حدثت بين الكيلاني والوصي.
لكن النار كانت لا تزال تحت الرماد، فقد كان عنصر الثقة بين الوصي والهاشمي شبه مفقوداً، كما كانت الثقة بين الكيلاني، ومن ورائه العقداء الأربعة المسيطرين على الجيش، وبين الوصي قد تلاشت.
وكان الوصي، ومن ورائه السفارة البريطانية، يعمل في الخفاء من أجل تشتيت شمل قادة الجيش تمهيداً للتخلص منهم ومن الكيلاني، ومارست السفارة البريطانية ضغوطها على رئيس الوزراء من أجل إبعاد العقداء الأربعة عن أي تأثير سياسي في البلاد، كما ضغطوا على الهاشمي لقطع العلاقات مع إيطاليا، وكان الهاشمي يخشى رد فعل الشعب إن هو فعل ذلك.
ونتيجة لتلك الضغوط، أقدم الهاشمي، بصفته وزيراً للدفاع وكالة، بتاريخ 26 آذار 1941 على نقل العقيد [كامل شبيب]إلى قيادة الفرقة الرابعة في الديوانية، ليحل مكانه صديق الوصي، والذي أواه في الديوانية اللواء الركن [إبراهيم الراوي]، كما أصدر قراراً آخر بنقل مقر قيادة الفرقة الثالثة التي يقودها العقيد [صلاح الدين الصباغ] من بغداد إلى جلولاء.
كانت تلك الإجراءات التي اتخذها الهاشمي بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، كما يقول المثل، فلم يكد يبلغ القرار لقادة الجيش حتى قرروا على الفور التصدي له ورفضه، واتخاذ التدابير السريعة والضرورية لحل الأزمة بصورة جذرية.
ففي مساء يوم 1 نيسان 1941، أنذر العقداء الأربعة قطعات الجيش في بغداد، وتم إبلاغها بما ينوون القيام به، حتى إذا انتصف الليل، نزلت القوات العسكرية لتحتل المراكز الهامة والحساسة في بغداد، كدوائر البرق والبريد والهاتف، والجسور، ومداخل الطرق الرئيسية، وجميع المرافق العامة في بغداد، وتوجه العقيد [فهمي سعيد]، وبرفقته وكيل رئيس أركان الجيش [محمد أمين زكي] إلى دار رئيس الوزراء [طه الهاشمي] وأجبروه على الاستقالة.
واضطر الهاشمي إلى تحرير كتاب استقالة حكومته إلى الوصي، وسلمها لهما، حرصاً على عدم إراقة الدماء. (20)
أما الوصي فقد أيقضه الخدم من النوم، وأبلغوه أن هناك أوضاع غير طبيعية في منطقة القصر، وأن الجيش متواجد في المنطقة، فما كان من الوصي إلا أن صمم على الهرب مرة أخرى، واستطاع الإفلات من قبضة الجيش، ولجأ إلى السفارة الأمريكية، بعد أن تعذر عليه الوصول إلى السفارة البريطانية، وقامت السفارة الأمريكية بنقله إلى قاعدة الحبانية، ومن هناك تم نقله على متن طائرة حربية بريطانية إلى البصرة، حيث نقل إلى الدارعة الحربية البريطانية [كوك شبير] الراسية قرب البصرة، وكان برفقته كل من [علي جودت الأيوبي] ومرافقه العسكري [عبيد عبد الله المضايفي]، ثم لحق بهم [جميل المدفعي].
حاولت السفارة البريطانية الاتصال بأعضاء وزارة طه الهاشمي في محاولة لنقلهم إلى البصرة للالتحاق بالوصي، لكن العقداء الأربعة حالوا دون خروجهم. كما نصبت القوات البريطانية للوصي إذاعة لاسلكية حيث قام بتوجيه خطاب إلى الشعب في الرابع من نيسان، وقامت الإذاعة البريطانية في لندن بإعادة إذاعة الخطاب مرة أخرى، وقد هاجم الوصي في خطابه الكيلاني والعقداء الأربعة، واتهمهم بالاعتداء على الدستور، والخروج على النظام العام، واغتصاب السلطة.
كما أخذ الوصي يحرض قائد الفرقة الرابعة في الديوانية [إبراهيم الراوي] وقائد حامية البصرة العقيد [رشيد جودت] وعدد من شيوخ العشائر الموالين للبلاط والإنكليز، للتمرد على الكيلاني وقادة الجيش، والزحف على بغداد، لكن الراوي وجودت رفضا السير مع الوصي بهذا الطريق الذي لو تم لوقعت حرب أهلية لا أحد يعرف مداها.
تشكيل مجلس الدفاع الوطني:
بادر العقداء الأربعة، بعد هروب الوصي، إلى تشكيل مجلس الدفاع الوطني وتم اختيار[رشيد عالي الكيلاني] رئيساً للمجلس ليقوم مقام مجلس الوزراء.
وفي أول اجتماع لمجلس الدفاع الوطني قرر المجلس إرسال مذكرة إلى الحكومة البريطانية تحذرها من التدخل في شؤون العراق الداخلية، وتقديم الدعم والمساندة للوصي عبد الإله.
كما قرر المجلس إرسال قوات عسكرية إلى البصرة لمنع أي تحرك ضد مجلس الدفاع الوطني، وتم اعتقال متصرف البصرة [صالح جبر] الذي قطع صلاته ببغداد تضامناً مع الوصي، وتم تسفيره إلى بغداد.
عزل عبد الإله وتعين شريف شرف وصياً على العرش:
رداً على تحركات الوصي الرامية إلى إسقاط حكومة الدفاع الوطني، وهروبه من العاصمة، وتعاونه مع المحتلين البريطانيين في هذا السبيل، فقد وجهت حكومة الدفاع الوطني إنذاراً له بالعودة إلى بغداد فوراً، وإلا فإنها ستضطر إلى عزله من الوصاية، وتعين وصي جديد على العرش بدلا منه.
ولما لم يستجب عبد الإله إلى الإنذار قررت حكومة الدفاع الوطني عزله من الوصاية، وتعين [الشريف شرف] وصياً على العرش بدلاً عنه، وقد صادق البرلمان على هذا الإجراء في جلسته المنعقدة في 16 نيسان1941.
الكيلاني يشكل حكومة مدنية جديدة:
بعد أن تم تعين [الشريف شرف] وصياً على العرش، قدم مجلس الدفاع الوطني برئاسة رشيد عالي الكيلاني استقالته إلى الوصي الجديد في 12 نيسان 1941 لغرض تشكيل حكومة مدنية جديدة، وقد كلف الوصي السيد الكيلاني بتشكيل الوزارة الجديدة في اليوم نفسه، وتم تشكيل الوزارة على الوجه التالي:
1 رشيد عالي الكيلاني رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية.
2 ناجي السويدي وزيراً للمالية.
3 ناجي شوكت وزيراً للدفاع.
4 موسى الشابندر وزيراً للخارجية.
5 رؤوف البحراني وزيراً للشؤون الاجتماعية .
6 علي محمود الشيخ علي وزيراً للعدل.
7 يونس السبعاوي وزيراً للاقتصاد.
8 محمد علي محمود وزيراً للأشغال والمواصلات.
9 محمد حسن سلمان وزيراً للمعارف.
وفور تشكيل الوزارة أعلن الكيلاني عن عزم الحكومة على عدم توريط العراق في الحرب، مع الالتزام بمعاهدة التحالف مع بريطانيا، والتمسك بالتعهدات الدولية. وقد لاقت حكومة الكيلاني تأييداً كاسحاً من أبناء الشعب الحانقين على الاستعمار البريطاني وأعوانه.
عاشراً:القوات البريطانية تسقط حكومة الكيلاني،وتعيد عبد الإله وصياً على العرش وولياً للعهد:
تسارعت التطورات في البلاد بعد أحكام سيطرة رشيد علي الكيلاني والعقداء الأربعة على مقاليد الحكم، ولاسيما وأن الحركة قد لاقت تأييداً واسعاً من أبناء الشعب عامة الذين كانوا يحدوهم الأمل في التخلص من الاستعمار البريطاني الذي أذاقهم الأمرّين، ولم يدركوا أن الاستعمار الألماني البديل أسوأ منه، وهكذا أصبحت الأمور صعبة للغاية بالنسبة لبريطانيا، وتنذر بمخاطر كبيرة.
وبناء على ذلك طّير السفير البريطاني [كورنوليس] برقية إلى المستر تشرشل رئيس الوزراء جاء فيها:
{ إما أن ترسلوا جيشاً كافيا إلى العراق، أو انتظروا لتروا البلاد في أيدي الألمان}.
فلما اطلع تشرشل البرقية أسرع بالإبراق إلى وزير الهند لإرسال قوات عسكرية، وإنزالها في البصرة على عجل. (21)
كانت الحكومة البريطانية قد أبلغت العراق قبل وقوع الانقلاب أنها عازمة على إنزال قوات في البصرة لنقلها عبر العراق إلى حيفا في فلسطين حيث تقتضي ضرورات الحرب، وبموجب المعاهدة العراقية البريطانية يحق لبريطانيا ذلك، بعد إبلاغ ملك العراق بذلك.
ولذلك فقد اتصل القنصل العام البريطاني في البصرة بوكيل المتصرف، يوم 10 نيسان، وأبلغه أن فرقة من الجيش الهندي على ظهر ثلاث بواخر حربية، وبحراسة طرادين حربيين، وثلاث طائرات، سوف تدخل المياه الإقليمية العراقية خلال 48 ساعة، وطلب منه إبلاغ حكومته بذلك للموافقة على نزول تلك القوات في البصرة.
كما قام مستشار وزارة الداخلية، المستر [أدمونس] في بغداد بزيارة رئيس الوزراء الكيلاني، وابلغه بنفس الأمر. (22)
وعلى الفور أجتمع مجلس الوزراء وبحث الأمر، وبعد مناقشة مستفيضة اتخذ قرارا بالسماح للقوات البريطانية بالنزول، وفق الشروط التي اتفق عليها في 21 حزيران 1940، والتي نصت على نزول القوات لواء بعد لواء، على أن يبقى اللواء مدة معقولة، وهو في طريقه إلى فلسطين، ثم يليه نزول اللواء التالي، بعد أن يكون اللواء السابق قد غادر الأراضي العراقية، وعلى الحكومة البريطانية أن تشعر الحكومة العراقية بعدد القوات المراد إنزالها. (23)
كما قررت الحكومة العراقي إيفاد اللواء الركن [إبراهيم الراوي] إلى البصرة لاستقبال القوات البريطانية، كبادرة حسن نية من الحكومة.
لكن بريطانيا كانت قد قررت غزو العراق، وإسقاط حكومة الكيلاني بالقوة، وإعادة عبد الإله وصياً على عرش العراق، وكانت تعليمات القيادة البريطانية تقضي باحتلال [منطقة الشعيبة] في البصرة، واتخاذها رأس جسر لإنزال قواتها هناك، والانطلاق بعد ذلك إلى بغداد.
وفي يومي 17 و 18 نيسان 1941 نزلت القوات البريطانية في البصرة، وعلى الفور أبرق رئيس الوزراء البريطاني تشرشل إلى الجنرال [إيمسي] في رئاسة الأركان البريطانية، يأمره بالإسراع بإنزال 3 ألوية عسكرية في البصرة، وقد بدا واضحاً من تصرف تلك القوات أنها لن تغادر العراق، كما هو متفق عليه، بل لتبقى هناك حيث قامت بحفر الخنادق، وإقامة الاستحكامات، وترتيب بقائها لمدة طويلة.
وفي 28 نيسان 1941 أبلغ مستشار السفارة البريطانية في بغداد وزارة الخارجية العراقية بنية بريطانيا إنزال قوة أخرى قوامها 3500 جندي وضابط، في 29 نيسان ، وقبل رحيل القوات التي نزلت في البصرة قبلها.
وعند ذلك أدركت حكومة الكيلاني أن بريطانيا تضمر للعراق شراً، وأنها لا تنوي إخراج قواتها كما جرى عليه الاتفاق من قبل، بل لتستخدمها لاحتلال العراق من جديد.
وعليه اتخذت قرارها بعدم السماح لنزول قوات بريطانية جديدة في البصرة قبل مغادرة القوات التي وصلت إليها من قبل.
كما طلبت الحكومة العراقية من السفير البريطاني تقديم أوراق اعتماد حكومته كدليل على اعتراف بريطانيا بالوضع الجديد في العراق .(24)
وفي الوقت نفسه قررت الحكومة العراقية القيام بإجراءات عسكرية احترازية لحماية العراق، وأصدرت بياناً إلى الشعب بهذا الخصوص، وقد أشار البيان إلى إخلال بريطانيا بنصوص معاهدة التحالف، وأن الحكومة قد قدمت احتجاجاً رسميا إلى الحكومة البريطانية، كما أشار البيان إلى عزم الحكومة على التمسك بحقوق العراق، وسيادته واستقلاله.
لكن الحكومة البريطانية تجاهلت مواقف الحكومة العراقية واحتجاجاتها، وأنزلت قوات جديدة في البصرة في 30 نيسان، وحاولت تلك القوات قطع الطريق على القوات العراقية المتواجدة هناك، لكن القوات العراقية استطاعت الانسحاب إلى المسيب، مقرها الدائم، وكررت الحكومة احتجاجها على تصرفات القوات البريطانية، لكن الحكومة البريطانية تجاهلت ذلك الاحتجاج، وأقدمت على ترحيل الرعايا البريطانيين من الموظفين، وأصحاب الشركات، والعاملين فيها، كما أوعزت لهم بتهريب موجودات البنوك من العملات.
عند ذلك أيقنت الحكومة أن الصِدام بين الجيشين العراقي والبريطاني بات أمرٌ حتمي، وقررت اتخاذ عدد من الإجراءات العسكرية لحماية بغداد.
فقد أرسلت عدداً من قطعاتها العسكرية إلى المنطقة القريبة من [الحبانية] حيث توجد قاعدة جوية بريطانية كبيرة.
لكن ثلاث أسراب من الطائرات البريطانية قامت على الفور بقصف تلك القوات المتمركزة في [سن الذبان] بجوار بحيرة الحبانية، وذلك صباح يوم الجمعة المصادف 2 أيار 1941، وبذلك اشتعلت الحرب بين العراق وبريطانيا، وقام على الأثر السفير البريطاني بإصدار بيان موجه إلى الشعب العراقي، كان قد أعده سلفاً، هاجم فيه بشدة حكومة الكيلاني، واتهمها بشتى التهم، وبذلك كشف البيان عن جوهر السياسة البريطانية وأهدافها الاستعمارية العدوانية تجاه العراق.
وفي اليوم نفسه قدم السفير البريطاني إنذاراً للحكومة العراقية بسحب قواتها من أطراف الحبانية، وهدد باتخاذ أشد الإجراءات العسكرية ضدها. وعلى اثر تلك التطورات والأحداث المتسارعة، أجتمع مجلس الوزراء، واتخذ
قرارات هامة للدفاع عن العراق، كان منها:
1 إعادة العلاقات مع ألمانيا، والطلب بإرسال ممثلها السياسي على الفور، وطلب المساعدة منها.
2 إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي فوراً.
3 نشر بيان صادر من رئيس الوزراء حول العدوان البريطاني على القوات العراقية.
4 إرسال احتجاج شديد اللهجة إلى الحكومة البريطانية على تصرفاتها تجاه العراق.(25)
وعلى الأثر قام الوزير العراقي المفوض في تركيا بمقابلة السفير الألماني [فون بابن]، وطلب منه تقديم كل مساعدة ممكنة للصمود بوجه القوات البريطانية، وقد أبلغه السفير الألماني أن تقديم المساعدة يتطلب مدة من الزمن، وسأله كم من الزمن تستطيع القوات العراقية الصمود أمام القوات البريطانية، وأخيراً تم الاتفاق على إرسال عدد من الأسراب من الطائرات الحربية الألمانية للدفاع عن مدن العراق التي أخذت تتعرض لقصف الطائرات البريطانية، ريثما يتمكن الألمان من تقديم مساعدة فعالة للحكومة العراقية.(26)
وفي الوقت نفسه غادر الدكتور[كروبا] سفير ألمانيا السابق في العراق متوجهاً إلى بغداد لفتح السفارة الألمانية، حيث وصلها في 18 أيار، وبصحبته 5 طائرات حربية، وبعثة عسكرية جوية برئاسة الفيلد مارشال فون بلومبرج].
لكن المارشال الألماني أصيب قبل هبوط طائرته في مطار بغداد بصلية من الطائرات البريطانية، وقتل قبل نزوله في بغداد، وذلك خلال اشتباك جوي مع الطائرات البريطانية.(27)
وفي الوقت نفسه تلقى العراق كميات من الأسلحة عن طريق سوريا، حيث كانت ألمانيا وإيطاليا قد استولت على تلك الأسلحة بعد انهيار فرنسا.
فقد حصل العراق على 15 ألف بندقية، و354 مسدساً و5 ملايين خرطوشة مدافع رشاشة، و10000 قنبلة عيار 75 ملم، و 6000 قنبلة عيار 155 ملم، و30 ألف قنبلة يدوية، و 6000 قنبلة زمنية، وغيرها من الأجهزة العسكرية والمتفجرات، وأجهزة الاتصال اللاسلكية وغيرها.(28 )
ورداً على سحب موجودات البنوك، أعلن الكيلاني انسحاب العراق من منطقة الإسترليني، وحاول تغير العملة بالتعاون مع المانيا، لكن الزمن لم يمهله لتنفيذ ذلك، فقد تصاعدت الأزمة بعد أن فتحت القوات البريطانية النار على القوات العراقية المتواجدة في البصرة، واستطاع الفوج العراقي الموجود هناك الانسحاب من المنطقة في 2 أيار 1941.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.