شهدت مساجد القاهرة الكبرى والمحافظات عمليات طرد منظمة قادها سلفيون لطرد خطباء المساجد التابعين لوزارة الأوقاف والعاملين بها. ففي منطقة إمبابة بمحافظة الجيزة المصرية، وبالتحديد في مسجد عمر بن الخطاب، تعرض خطيب المسجد للضرب واستبعاده بالقوة من قبل عدد من السلفيين، وتم تدمير لافتة المسجد الخاصة بوزارة الأوقاف. وفي محافظة مطروح ذات الأغلبية السلفية، طرد السلفيون خطيب مسجد الفتح الشهير هناك، وفشل خطيب المسجد في إعادته إلى منبر المسجد لإلقاء خطبة الجمعة. وفى القوصية بمحافظة أسيوطجنوب مصر، تمركز بعض السلفيين فى المساجد، وأدوا شعائر دينية وأجبروا خطباء وزارة الأوقاف على الخروج من المساجد وعدم ممارسة مهامهم الوظيفية. وحسب تقرير لميدل ايست اونلاين .. فقد وقفت وزارة الأوقاف قليلة الحيلة إزاء تلك المشاهد، واعتبر الشيخ سالم عبد الجليل أحد علماء الأزهر ذلك نتيجة الممارسات المتشددة للسلفيين، والتي لن تدوم طويلاً، وهو ما حدث بالفعل عقب الثلاثين من يونيو وتبعاتها من الإطاحة بالرئيس مرسي. حرب الفتاوى: لا ينفكّ المشهدُ الديني في مصر بين الفينة والأخرى عن فتاوى تشتعل بين الأزاهرة والسلفيين، ويثار حولها الكثير من اللغط والجدل. أولى هذه المشاهد حينما فجر الدكتور سعد الهلالي، وهو أحد رموز الأزهر الشريف، مفاجأة من العيار الثقيل في إحدى فتاواه، بقوله: إن "الراقصة شهيدة إذا نزلت للتظاهر ضد الفساد أو الظلم أو كانت ذاهبة إلى عمل خير ثم غرقت أو حرقت أو انهدم عليها جدار أو طعنت بآلة حادة أو قتلت بطلق ناري". مباشرة وعلى وجه الاستعجال انتفض الغريم التقليدي، لمهاجمة الهلالي في فتواه، فانبرى الشيخ ياسر برهامي، بالدفاع عن حديث رسول الله باتهامه ب"الكذب والافتراء على الله"، برهامي الذي أكد أنه "لا دليل على هذا الكلام لا من كتاب ولا من سنّة"، متهماً الهلالي بالافتراء على شرع الله، الذي يصل بالعبد إلى أن يقول: إن الراقصة الذاهبة إلى الملهى الليلي إذا قتلتْ؛ فهي شهيدة! بعد إطاحة الإخوان: عندما خرجت بعض الأصوات تحاول الفرار من النظرة الجديدة، التي تبنتها الدعوة السلفية وذراعها السياسية "النور"، وتحديداً عندما قام شريف طه المتحدث باسم الحزب ووصفه لمواقف الأزهر بالتناقض – عقب أحداث الثالث من يوليو وما تلاها - انطلق جلال المرة لنفي كلام الرجل، فالحزب يقدر مكانة "الأزهر" ويعتبره منارة العلم، ولم يكتف بذلك، بل اتهم وسائل الإعلام بالتحيز ومحاولتها التفريق بينهما، خاصة بعد علاقاتهما التي بدت بثوب جديد. وصلت الشراكة الفكرية والسياسية بين غرماء الماضي إلى درجة التعاون من أجل ما أطلقوا عليه ب"المصالحة الوطنية". فشاهدنا لقاءات ثنائية تجمع للمرة الأولى بين شيخ الأزهر ورئيس حزب النور يونس مخيون، للتناقش والتباحث من أجل الدفع بالحالة السياسية إلى واقع مغاير غير ذلك الملتبس، حينها أصدر الأزهر بياناً أكد على سبل إنجاح المصالحة، ومحاولة الخروج بالبلاد إلى بر الأمان، وبالطبع كان حزب النور الداعم الرئيس لهذه الرؤية، فالمرحلة السياسية استدعت براغماتية من كلا الطرفين في التعامل مع بعضهما البعض. الدستور الذي لطالما كان سجالاً دائماً بين الأزهر والدعوة السلفية، أضحى أمراً أيسر مما كان في الماضي، فكان أول تجلياته بعد الوفاق الطارئ التسليم بمادة الأزهر في الدستور، بل وتركها كما هي، وهو ما دفع طلعت مرزوق (مستشار رئيس حزب النور للشئون القانونية)، لإبداء تخوفه من حذف الفقرة الخاصة بأخذ رأي هيئة كبار العلماء بالأزهر في تفسير الأمور المتعلقة بالشريعة الإسلامية، والتي نصّت عليها المادة الرابعة من دستور 2012 المُعطل، مع إقراره الكامل بأن الأزهر مؤسسة وَسَطية بشهادة الجميع بمن فيهم الكنيسة، فضلاً عن كونه المرجع الأول لتفسير الشريعة، ليس في مصر فقط، بل فى شتى ربوع العالم الإسلامي، التخوف الذي وصل مداه إلى التحذير من حَذْف هذه المادة، والتى من شأنها أن تجعل هيئات أخرى، كالمحاكم، تتولى أمور تفسير المواد المتعلقة بالشريعة الإسلامية، وسيترتب عليه أنها ستكون عرضة للصواب والخطأ، وهو ما يُثير القلق. وفي ظل ما يمكن وصفه بالصفقات المتبادلة بين الطرفين، بدا النور وكأنه قد أخذ عهوداً ومواثيق من شيخ الأزهر خلف الأبواب المغلقة، والتي كشفت للعيان حينما ذكر عبدالله بدران عضو المجلس الرئاسي بحزب النور الذراع السياسية للدعوة السلفية، بما وعده الشيخ لهم، من دراسة كل المقترحات التي تقدموا بها، والتي تتعلق بالدستور(90)، خاصة المواد التي تتعلق بالهوية والشريعة الإسلامية داخل المناقشات التي تجري بلجنة الخمسين المكلفة لإجراء التعديلات على دستور 2012. وبالفعل تم الاتفاق حينها بين الطرفين على عدم الاقتراب من تعديل المادة الثالثة من الدستور، والتي تنص على أن ''مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية''، واجتمعا على ضرورة قصر نص المادة على ''المسيحيين واليهود''، حتى لا يسمح لأصحاب الديانات الوضعية بنشر ديانات غير سماوية في المجتمع. بيد أن من ضريبة هذا التلاقي أن المادة التي أعلن حزب النور الحرب عليها، وهي المادة التي كانت مثيرة للجدل لدى هذا الحزب، أضحت أثراً بعد عين، حيث وافق على إمكانية حذف المادة 219 من الدستور، المعروفة إعلامياً بالمادة المفسّرة لمبادئ الشريعة، مع تعديل المادة الثانية من الدستور، والتى تنص على أن ''الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع''، بينما تنص المادة 219 على أن ''مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنّة والجماعة''. بطبيعة الحال لا يمكننا اختزال السلفية في مصر في الدعوة السلفية السكندرية، وتفريعاتها في المحافظات المصرية، وذراعها السياسية "النور" الذي تشكل عقب الثورة المصرية، والتي تجسد الحالة الوهابية الحقيقية على الأرض، ولكن الشتات السلفي الذي رفض أن يكون في لعبة المشهد السياسي الجديد عقب أحداث الثالث من يوليو، ونظر إلى العلاقة الجديدة بين الأزهر من جهة والدعوة السلفية والنور من جهة أخرى على أنها محاولة خليجية وظفت سياسياً، لوأد تجربة الإخوان المسلمين في الحكم، صبّ جامَ غصبه على الأزهر وشيخه أحمد الطيب ورجالاته الذين دعموا مسيرة الرجل، فيما تصفه النخب الإسلامية ب"الانقلاب"، وتم تدشين ما عرف فيما بعد ب"التحالف الوطني لدعم الشرعية". من بين هذه التكتلات السلفية التي ناصبت شيخ الأزهر العداء "حزب الفضيلة"، الذي ينتمي إلى المدرسة السلفية القاهرية والقريب من الفكر القطبي، فأحداث الثالث من يوليو ومباركة الأزهر لها وجدها الحزب عرقلة واضحة من قبل الأزهر، لتحقيق مشروعه السياسي على الأرض، واجتثاث مشروع الإسلام السياسي فى مهده، "الذى تجسد في حكم الاخوان"، إذ لم يمر عليه عام واحد فقط، وهو الشيخ الذي باتت يداه ملطختين بالدماء التي سالت في فض اعتصامي رابعة والنهضة الشهيرين، بعد شهرين من الإطاحة بالرئيس مرسي. فيما رأى حزب الأصالة السلفي، أن شيخ الأزهر الذي كان عضواً في لجنة السياسات بالحزب الوطني أيام مبارك، كان يمارس ما يشبه بالتقية السياسية عقب الثورة المصرية، للوصول إلى مآربه من أجل ساعة الصفر التي حانت يوم الثالث من يوليو، والتي بدت من خلال محطاته الدائمة لعرقلة مرسي في حكمه، فالشيخ الطيب لم يرتض يوماً بانعكاسات ثورة ال25 من يناير، والتي بدت بشكل جلي من موقفه المتعنت من هذه الثورة، وتأكيده أن مبارك ولي الأمر. من "الأصالة" إلى "الفضيلة"، لم يختلف المشهد كثيراً، فرئيس حزبه محمود فتحي طالب بضرورة تطهير الأزهر من رموز نظام مبارك، والذي يتجسد بشكل كبير في شيخ الأزهر أحمد الطيب، وحين تمت الإطاحة بالرئيس مرسي ودشن ما عرف لاحقاً بخارطة الطريق حينذاك، طالب الفريق عبد الفتاح السيسي الشعب المصري بتفويضه لما عرف وقتها بمحاربة الإرهاب. في ذلك الوقت، دعا رئيس حزب "الأصالة" شيخ الأزهر لإعلان موقفه من هذه الدعوة، منكراً في الوقت ذاته دعمه لما أسماه الانقلاب. واعتبر يسري حماد نائب رئيس الحزب "الوطن" الشيخ الطيب جزءاً من الأزمة التي تعيشها مصر.