عبد الرازق توفيق: الدستور نص غير مقدس والتعديلات تلبى احتياجات مصر الحديثة    بالإنفوجراف.. ملامح الامتحان الإلكتروني لطلاب الصف الأول الثانوي    أبو شقة: ثورة 19 تمثل كفاح أمة وزعامة زعيم وأسست للدولة المصرية    أنشطة مكثفة للتدريب المشترك المصرى البريطانى أحمس -1    فيديو.. ما هي العلاوات الخمسة؟ ومن المستفيدين؟ صندوق التأمينات يجيب    تعرف على المكافأة المالية الضخمة التي صرفتها "بي إم دبليو" لعمالها    جبرائيل: «للأسف قانون نيوزيلاندا لا يتضمن عقوبة إعدام قاتل المصلين»    الارجنتين ضد فنزويلا.. التانجو يسقط بثنائية فى الشوط الأول بمشاركة ميسي    شاهد..إنجلترا تتقدم على تشيك في الشوط الأول    «سيدات طائرة الأهلي» تتأهل إلى نصف نهائي بطولة إفريقيا    وليد صلاح: صن داونز سيكون نسخة من الإسماعيلي في مواجهة الأهلي    عبد الخالق"الإسماعيلي" يقترب من العودة للملاعب    إيقاف أعمال بناء مخالف شرق وغرب الإسكندرية    مصرع شخص وإصابة زوجته وابنته فى حادث انقلاب سيارة ملاكى في قنا    ضبط شخص اشترك مع آخر لسرقة مواطن والاستيلاء على 70 ألف جنيه    السيطرة على حريق بمخزن لشركة الغاز بطنطا    بالأسماء والصور.. الفائزين في انتخابات التجديد النصفي لنقابة المهن التمثيلية    حوار| نادين لبكي: «كفر ناحوم» ليس فيلم مهرجانات واحتفال السياسيين به «ازدواجية»    الكشف على 2400 مواطن خلال فعاليات القافلة الطبية بمدينة دمياط الجديدة    مشاهدة مباراة البرتغال وأوكرانيا .. بث مباشر    مقتل فلسطينيين اثنين وإصابة العشرات في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي شرق قطاع غزة    ترامب يعلن هزيمة داعش بسوريا بنسبة 100%.. و«قسد»: مجموعة صغيرة ترفض الاستسلام    خبير اقتصادى يتوقع هبوط سعر الدولار ل6 جنيهات    انطلاق الأسبوع المائى فى قرية بطرس بالجيزة    ضبط مستحضرات تجميل مجهولة المصدر بمحل غرب الإسكندرية    غدًا.. الحكم في طعن 20 متهمًا على قرار إدراجهم بقائمة الإرهاب    "فيراري" تطلق حملة استدعاء لعدد من سياراتها بعد اكتشاف عيوب خطيرة    محكمة تركية تؤيد عقوبة السجن المؤبد ل «فرقة اغتيال» أردوغان    تامر عاشور يحصد 3.5 مليون بعد يوم واحد من طرح ألبومه أيام    لا تخذلونا    استشاري: الإعلام المصري له دور كبير في التوعية بمرض كرون    شيخ الأزهر: المرأة المسلمة فى الشرق لا تتمتع بحقوقها الشرعية    عاجل| "الوطن" تنشر فيديو أزمة شيرين عبدالوهاب بالبحرين    "أبو العينين" يهنئ الشعب المصرى والوفديين بثورة 19    كارثة.. مركز السموم بالإسكندرية يحذر من السيجارة الإلكترونية لهذا السبب    حملة 100 مليون صحة بنادي القضاة بالزقازيق    وزيرة الهجرة تشارك في مراسم تأبين شهداء حادث نيوزيلندا    القيادات العمالية والأحزاب تشيد بتوجيهات الرئيس بشأن المعاشات والأجور    ترامب يغازل كوريا الشمالية بإلغاء عقوبات أمريكية لم تفرض بعد    الصحة تكشف حقيقة تطبيق نظام جديد لتكليف الأطباء    البنك المركزي التركي يعلق مزايدات «القروض الأسبوعية»مع تراجع الليرة    القومي للمرأة بالمنيا ينظم حفل لتكريم المرأة المصرية في يومها    ملحمة طابا    الرئيس السيسي يدعم التحول الرقمي في قطاع البنوك    بالصور – أبرز القمصان المسربة للموسم الجديد.. شطرنج برشلونة ويوفنتوس أنيق    "دور الرياضة في بناء الصحة وتهذيب السلوك" .. ندوة بالمتلقي العربي والأفريقي لذوي الإعاقة    نهال من المغرب: الشباب في بؤرة الاهتمام والثقة في قدرتهم علي التغيير    نيابة أمن الدولة تأمر بحبس رئيس حي وسط الإسكندرية بتهمة طلب وتقاضي رشوة    ?المفتي: الإسراف في المياه مذموم    أسامة كمال يفتح ملف تطبيق كشف المخدرات الإجبارى على موظفى الدولة    "الأرصاد" تحذر من طقس الغد: توقعات سقوط أمطار و"رياح وشبورة وبرودة"    فنزويلا تعلن تفكيك خلية خططت لعمليات اغتيال لسياسيين وعسكريين    وزير الأوقاف: المخدرات وراء هذه الجرائم    خطيب الجامع الأزهر: "الأديان ليست مسؤولة عن أخطاء تابعيها"    مصدر بالبرلمان الروسى: زعيم كوريا الشمالية قد يزور روسيا قبل الصيف القادم    وزير الأوقاف يحذر من مقولة يرددها العامة.. فيديو    أوركسترا القاهرة السيمفوني يحتفل ب "يوهان".. السبت    طريقة تحضير فطيرة الزعتر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





»ماذا بعد« في الفن التشكيلي:قاعات جديدة.. وعناوين قصصية للمعارض
نشر في أخبار السيارات يوم 29 - 12 - 2018


جانب من الأعمال المعروضة بمراسم سيوة
أعود بالذاكرة لبضع سنوات مضت، تحديدا عقب ثورة يناير 2011 والسؤال المطروح آنذاك عقب الأحداث المتتالية التي شهدها المجتمع المصري وتأثيرها علي المشهد التشكيلي إذ كان هناك تخوف كبير مما إذا كانت عروض الفن التشكيلي ستعود لسابق عهدها من عدمه، أيام طويلة في انتظار معارض مميزة تضخ الدماء للحركة التشكيلية في ظل تخوفات كبيرة، وتساؤلات عما إذا كانت القاعات الخاصة ستتمكن من الاستمرار أم يغلق معظمها أبوابة وتنسحب من المشهد.
أفيق علي سؤال أحد الأصدقاء عن اختيار الكتابة لهذا الأسبوع حيث المساحة المخصصة بجريدة أخبار الأدب لأحد العروض التشكيلية، أجد الإجابة حقا صعبة في ظل ذلك الزخم الذي تشهده العروض التشكيلية وافتتاح العديد من قاعات العرض الجديدة خلال الفترة الماضية، إذ شهدت الزمالك وحدها افتتاح عدة قاعات جديدة منها قاعة آزاد وقاعة ليوان كما شهدت أيضا افتتاح قاعات إضافية بكل من جاليري بيكاسو وجاليري أوبنتو، بخلاف ما يقرب من خمسة عشرة قاعة في الزمالك وحدها بما في ذلك قاعات كلية التربية الفنية والفنون الجميلة، إضافة إلي عدد من القاعات بالمهندسين ومن بينها جاليري ضي الذي يقدم من ثلاثة إلي أربعة عروض تشكيلية في الافتتاح الواحد، وجاليري قرطبة، والكحيلة بخلاف قاعات العرض المتواجدة الآن في القاهرة الجديدة و6 أكتوبر والشيخ زايد وبافرلي هيلز وغيرها، ذلك إضافة إلي قاعات العرض الحكومية وهي عديدة بالفعل، إذ ربما نجد ما يقرب من خمسة وعشرين إلي ثلاثين معرضا مستمرين يوميا معا في نفس التوقيت، ما تلبث أن تتغير في أقل من عشرة أيام، منها ما هو فردي ومنها ما هو جماعي، ما بين عروض حكومية وعروض خاصة، البعض يقيم معرضه الفردي لأول مرة مثل الفنان الشاب عمر جبر والفنانة منال حسن، ومنهم من هو مخضرم يقدم طرحا مغايرا ويختبر نفسه في مساحات جديدة تضاف لتجربته التشكيلية مع عدم انفصال عن الماضي كما فعلت الفنانة هيام عبد الباقي في معرضها الأخير بجاليري أوبنتو، ذلك أيضا بخلاف الملتقيات الفنية والعروض الاستيعادية المتميزة إذ قدمت قاعة أفق معرضا متميزا للفنان أحمد عبد الوهاب، واستضاف مركز سعد زغول معرض استعادي للفنان الراحل أبو الفتح أبو شادي، وقدمت قاعة ليوان معرضا لأعمال الراحل صبري راغب.
كذلك شهدت الساحة التشكيلية مؤخرا افتتاح الدورة 29 من صالون الشباب، الذي يعتبر واحدا من أهم الفاعليات الفنية التي تساهم في اكتشاف المواهب الشابة، ولطالما أزاح الصالون الستار عن نجوم في مجال الفن التشكيلي، لكنه خرج هذا العام ليثير ضجة كبيرة بما حدث من جدل وذلك بعد أن تقدمت الناقدة والفنانة التشكيلية سوزي شكري بشكوي مدعومة بالصور مفادها خرق بعض الشباب للائحة الصالون بتقديم أعمال سبق تقديمها في معارض ومسابقات من قبل، وما ترتب عليه سحب الجوائز من بعضهم وتقديمهم لتظلمات دفع ببعضهم للحصول علي خطابات من جهات حكومية وخاصة تفيد بعدم مشاركتهم للعمل من قبل، وهو ما طرح عدة أسئلة أهمها يتعلق بالسبب الجوهري وراء ذلك الشرط من اللائحة وتفسيره علي الوجه السليم دون التفاف حوله، ففي وجهة نظري المعني المقصود بهذا الشرط هو أن يكون العمل جديدا تماما علي أعين المتلقي وأنه تم إعداده خصيصا لصالون الشباب كبوتقة لتفريغ طاقات إبداعية متجددة، ولذا فإن دخول العمل ضمن مجموعة من الأعمال لنفس الفنان للتحكيم في مسابقة أخري وحصوله علي جائزة حتي وإن لم يعرض بذاته يعني أنه بالفعل لا يجوز عرضه بالصالون مرة أخري، كذلك فإن عرض العمل بكثافة علي وسائل التواصل الاجتماعي طرح سؤالا حول جوهر العرض الإليكتروني إذ أصبح العرض الإليكتروني وسيلة أكبر لمشاهدة العمل، إذا فالحديث هنا يتمحور حول وجود ميديا جديدة في مواجهة لوائح قديمة ثابتة، تلك الإشكاليات فتحت أبوابا حول ضرورة وجود حلقات نقاشية مستمرة حول الفن وآلياته لخلق قناة حوار وإعادة تحديد المفاهيم في ظل التطورات المستمرة في المشهد التشكيلي المصري والعالمي، إذ أنه لم يكن من المفترض تحميل الأمر علي محمل شخصي وتحويل الأمر لشجار الغلبة فيه لصاحب الصوت العالي دون مناقشة حقيقية جادة تقرب وجهات النظر .. وربما نظرا لهذا السبب وفي محاولة لخلق منصة للحوار في الفن بدأت قاعة أوبنتو بالزمالك سلسلة لقاءات تناقش مختلف جوانب المشهد الفني في مصر.
كذلك كشف قطاع الفنون التشكيلية عزمه إقامة الدورة الثالثة عشر لبينالي القاهرة الدولي خلال شهر إبريل 2019 تحت عنوان »نحو الشرق»‬ .. وذلك بعد توجيهات وزيرة الثقافة بضرورة عودة البينالي في أقرب وقت وتسخير كافة الإمكانات له كونه أحد الاسهامات الهامة التي كانت تشارك بها مصر علي صعيد دعم ورعاية الفنون في العالم، وكأداة من أدوات التواصل والانفتاح بين الفنون والحضارات. وفي إطار الانفتاح علي ثقافة الآخر استضاف متحف محمود مختار المعرض المصري البرتغالي للرسم والحفر والطباعة »‬بورتو كايرو» الذي يأتي كما ذكر د.خالد سرور، رئيس قطاع الفنون التشكيلية، كصورة جديدة ومهمة للانفتاح علي ثقافات وفنون العالم، وقد أتاح المعرض فرصة التعرف علي إبداعات متخصصة في مجال الجرافيك بتقنياته وأساليبه المتنوعة التي قدمها نحو 30 فنان من مصر والبرتغال من بينهم الفنانين محمد طراوي وشعبان الحسيني وفاطمة عبد الرحمن، وفدوي رمضان، وأحمد محيي حمزة، ومحمد نبيل عبد السلام، ونورا مصطفي، وإيمان أسامة، وطارق الشيخ، كما شارك من البرتغال 18 فناناً من بينهم كارلوس كارريور، وداريو ألفيس، وديانا كوستا، ومانويل أجوير، وبيدرو روتشا، وسبرال سينتينو، وزولميرو دي كارافيلو، ودولس باراتا فيو.
ومن المعارض الجماعية المهمة التي أقيمت مؤخرا معرض نتاج ملتقي »‬مراسم سيوة»، حيث تعتبر مراسم سيوة واحدة من التجارب الملهمة التي تتبناها الهيئة العامة لقصور الثقافة لمنح فنانين مختارين الفرصة للتعايش مع بيئة نقية بكر ذات جمال أخاذ، وتتيح لهم التعبير عنها في أشكال إبداعية مختلفة تجسد هذا التفاعل الخلاق بين عبقرية المكان وعبق التاريخ وعمق التراث وثراء البيئة وخصوصية رصيدها الفني والثقافي. وقد أقيمت هذه الدورة تحت عنوان »‬مراسم سيوة .. رؤي معاصرة» وهي دورة استثنائية أقيمت بمشاركة 15 فنان، وقد ذكر الفنان محمود المغربي قوميسير عام مراسم سيوة: إن الدورة الخاصة لهذا العام تكمن أهميتها بأنها اتبعت نظام الترشيح المباشر لفنانين من أجيال ومدارس فنية مختلفة، ممن كانت دائرة مشاركاتهم محلياً ودولياً مؤخراً قائمة علي اهتمامهم بثقافات وتراث الشعوب بوجه عام، والهوية المصرية علي وجه الخصوص.. وقد أقيم معرض لنتاج هذه الدورة الاستثنائية بمركز الجزيرة للفنون، وأقيم بالتوازي معه معرض استيعادي لمجموعة مختارة من مشاركات فنانين دورات سابقة سمحت للجمهور بالتعرف علي نتاج المراسم منذ بدايتها.
كما شهدت القاهرة اثنين من أهم معارض الفن المعاصر التي ألقت الضوء علي دور القطاع الخاص في تقديم مشهد مواز لقطاع الفنون التشكيلية، حيث نظمت شركة أرت دي إيجيبت معرض »‬ كل شيء يتلاشي.. كل شيء يتحول» في قصر الأمير محمد علي، كما نظم مركز درب 1718 الدورة الثانية من »‬أوف بينالي القاهرة» بمشاركة عدد كبير من الفنانين والعاملين بالمجال الفني من مصر ومختلف دول العالم، وقد أقيم في عدة أماكن منها مقر درب 1718 بمصر القديمة، والتاون هاوس، وعدة ساحات أخري بمناطق عبد الخالق ثروت، وشارع هدي شعراوي. ذلك إضافة إلي معرض »‬كايرو أرت فير» أو »‬معرض القاهرة للفنون» الذي أقامه جاليري أرتس مارت في دورته الرابعة وذلك بمشاركة أكثر من 120 فنانا بأكثر من 1500 عمل فني.
وعلي الجانب الآخر كان كثير من أسماء المعارض التشكيلية الفردية التي أقيمت مؤخرا مثيرا للرؤي والخيالات التي تصلح عناوين لمجموعات قصصية من بينها علي سبيل المثال لا الحصر »‬فرق توقيت» للفنان شعبان الحسيني، و»‬فنجان ورد» للفنان عماد عبد الوهاب، و»‬أسفار التكوين» للفنانة مني غريب، و»‬السرداب» للفنانة رندة فخري، و»‬كون» للفنانة الشابة سارة عوف، و»‬ماذا بعد؟» للفنانة شرين البارودي وهو السؤال الذي اخترته عنوانا لهذا الموضوع فإذا كانت الفنانة طرحت من خلال هذا العنوان سؤالا علي نفسها لتنتقل إلي مرحلة جديدة في طرحها الفني، فإنه كان ملهما بالنسبة لي لقراءة ما يحدث حاليا علي المشهد التشكيلي المصري وطرح تساؤل »‬ماذا بعد؟»، الذي أتمني أن تكون إجابته في صالح الحركة التشكيلية المصرية مضيفا إلي تاريخها وفاتحا أمامها أفاق جديدة للعالمية.
ويبدو مما سبق أنه من الصعوبة بمكان متابعة كل ما يحدث حاليا علي الساحة التشكيلية، ولكن في ظل ما يحدث كانت الفكرة التي تفرض سطوتها عليَّ هي أن الفن هو طريق الخلاص، ولذا أقدم في السطور التالية نبذة سريعة عن بعض من المعارض الفردية التي أقيمت خلال الفترة الأخيرة التي لم تتجاوز شهرين تقريبا، وكان الإنسان عنصرا أساسيا في كثير منها، في رحلته لاستكشاف ذاته وعلاقته بالمحيطات والموجودات، وقد حاولت أن أشاهد معظمها، في محاولة لقراءة التنويعات التي شهدتها الساحة مؤخرا.
فرق توقيت للفنان شعبان الحسينى
اختار الفنان شعبان الحسينى اسم «فرق توقيت» ليقدم من خلاله مجموعة بديعة من الأعمال التى استضافها جاليرى الباب، وذلك على الرغم من تحرر المعرض من أى دلالات زمنية بشكلها المعهود والمباشر، فكما ذكر د.خالد سرور رئيس قطاع الفنون التشكيلية، غلب على المعرض طابع إنسانى مميز، فقناعات الفنان أن الزمان والشخوص تتغير لكن تبقى الأحداث تتكرر بصورة أو بأخرى، حيث يقول الفنان: تتلاحق الأحداث وتتداخل اللقطات فندرك حينها أن فروق التوقيتات قد عصفت بالتاريخ، ورسمت تاريخا آخر فى زمن آخر فى مكان ما لأناس آخرين. ويبدو مفهوم الزمن شخصى للغاية يتغير بتغير الأشخاص إذ تعلق الفنانة والناقدة سوزى شكرى على المعرض قائلة: يطرح الحسينى تساؤلات تشكيلية بصرية مصدرها أن الزمن إحساس يخص كل إنسان، وقد استند فى لوحاته على مجموعة لقطات ومشاهد ومواقف حياتية شكلتا «مسرح الحياة» وقد انبثقت التكوينات من وجود العنصر الإنسانى لتؤدى دورها المفروض عليها أو اختيارها فى مكان بلا عنوان وزمن معدوم الوقت .. كما أن التكوينات فى لوحاته تشير إلى أكثر من معنى أبرزها أن الزمن والوقت كلاهما عملية لا رجع فيها، ولا يوجد زمن واحد للكون كله، كما خرجت المعالجة والصياغة التشكيلية للعناصر الإنسانية فى لوحاته أقرب إلى شكل المنحوتات قوية البناء المتماسكة، والقيمة الجمالية للتعبير بأسلوب المنحوتات توحى بأن العلاقات ثابتة ومتوازنة سيكولوجيا.. ولذا تبدو أعمال الحسينى وكأنها تحمل شحنة من الدفء من خلال العلاقات الإنسانية المتداخلة، التى وصفها الفنان عز الدين نجيب فى عبارته إحساس جياش بالإنسانية، ويعلق د.صلاح المليجى على المعرض قائلا ذلك: تبدو المرأة هى بطل حقيقى مفعم بالحياة رغم صمته وسكونه يصحبك معه وكأنك فى رحلة حياة بزخمها وثرثرتها.. تبدو المرأة لديه تلك الصامتة الساكنة الهادئة والتى تعج حياتها بالأحداث والخوف والأمل والرجاء فقد منحها حياتين حياتها مع رجل أو طفلة أو أسرة، مضيفا: يؤكد الحسينى على مشاهد الأسرة التى تعكس أبوته ذاته وتصويره لتلك اللحظات الحانية التى جاءت تتداعى فى أعماله وكأنها رسالة حب .. ويبدو أن تلك الحالة من القرب والرهافة الإنسانية قد تأكدت من خلال التكنيك الذى تبناه الحسينى والذى على الرغم من توظيفه للزيت والأكريلك خرجت شخوصه تحمل قدرا من الشفافية وكأنها أرواح هائمة فى بحر الحياة والزمن، حول التكنيك الذى وظفه الفنان شعبان الحسينى والذى يبدو فيه تأثره بالحفر والطباعة يقول د.صلاح: الأداء لدى الفنان يجمع بين الرسم ومفهوم الطبعة الفنية، إذ أنه ينثر ذرات القلافونية ليصنع أسطحا طرية تتمايل مع تقنيات الحفر والطباعة التى تخصص فيها أثناء دراسته فى الفنون الجميلة، ولعل ذلك هو ما أكسب السطح لديه هذا الثراء التقنى باستخدامه للأكريلك وألوان الزيت وكأنها أحبار مائية ينثرها بعفوية يتخللها اللون فى بعض الأعمال ليمنحها أبعادا تسهم فى بناء العمل وتمنحه بعدا زمانيا ومكانيا رغم صمته.
فنجان ورد يعالج قضايا شائكة
لا شك أن العنصر الإنسانى أيضا فرض حضورا طاغيا على الأعمال التى قدمها الفنان عماد عبد الوهاب فى معرضه الأخير الذى استضافه جاليرى ضى، إلا أنه على العكس خرجت الشخوص تحمل على أجسادها حالة من الاغتراب والتشوهات وكذلك الندبات والجروح لتصيب المتلقى بحالة الصدمة التى يجدها متناقضة مع الورد المنثور على المسطح وكذا مع عنوان المعرض الرومانسى «فنجان ورد»، وربما يرجع ذلك لمناقشته قضية شائكة لها علاقة بالتناقض الذى تغرق فيه المجتمعات حاليا، حيث يقول الفنان: لقد اندمجت المجتمعات المحلّية فى إطار المجتمع العالمى وقيمه، دون أن يكون هناك قواعد راسخة وقوية مستندة إلى خلفيّات معرفية وثقافية عميقة، بل دخلت بوّابة المجتمع العالمى، وبدأت تعيش حاضره وواقعه، فى حين أنّها تفصلها هوّة عميقة من السنوات، بفارقها الحضارى والقيمى والمعرفى. وفى حين تدّعى هذه المجتمعات امتلاكها مجموعة من القيم الأصيلة والمحافظة بخلفيّاتها الثقافية والدينية، فقد كشفت عنه تناقضات تباينت من خلالها تلك القيم ما هى إلا قواعد تضعها المجتمعات فى الظاهر ثم تنتهكها فى السرّ، فأنتج هذا الوضع مجتمعات شبه متناقضة غير منسجمة مع ذاتها ولا مع محيطها. ويضيف الفنان: فنجان ورد ما هو إلا دلالة على ازدواجية تلك الأفكار المعرفية التى لا يكون لها مصداقية فى الواقع وأصبح فيها الحكم غير نهائى ( بين قوسين) والتى تمثل مجموع المشاعر والأحاسيس والاضطرابات والفوضى الذاتية ومنظومة القيم الهشّة داخل المجتمع. وربما لذلك خرجت شخوصه بلا ملامح أو منكفئة على ذاتها فى وضع يشى بالخجل أو الهروب، فهى فى حالة ضياع وانهزام داخلى انعكس فى كل شىء حتى فى تلك العلاقة التى تجمع بين الزوجين.
حالات جسد بمعهد جوتة
كذلك قدمت الفنانة شيماء عزيز تنويعات على الجسد الإنسانى وإن كانت اعتمدت على بطولة فردية فى كل عمل من أعمالها لبطلة وحيدة، تلك المجموعة التى عرضتها بمعهد جوته بالدقى تحت عنوان «حالات جسد» وهو مشروع منفذ من الحبر على الورق، إذ يستكشف المشروع إشكالية وضع جسد المرأة ما بين تاريخ الفن الغربى، وتاريخنا المعاصر بالعالم العربى حاليا.
ويستهدف المشروع كما تقول الفنانة: إلى استكشاف حالات المرأة الذهنية، والنفسية والجنسانية أو الجنسية من خلال كيان الجسد المرسوم فى اللوحات، متحديآ الحملقة الذكورية الذى يحجم الجسد الأنثوى. وينعى المشروع الاختفاء التدريجى والسريع لجسد المرأة من المساحة العامة، فى عدة استكشافات بصرية شملت أجسادا مغطاة بالسواد، وأجسادا نازفة وأخرى مربوطة بخيوط تشبه عرائس الماريونت.. وأخرى منكفئة على ذاتها.
الغابة المظلمة والصراع بين مفهوم الهوية
الفردية والاجتماعية
الفنانة مروة عادل أيضا وظفت الجسد ومفرداته فى كثير من الأعمال التى قدمتها والتى امتزجت فى الغالب بمفردات من الطبيعة كأوراق الشجر والفراشات فى معرضها المتميز الذى أقيم تحت عنوان «الغابة المظلمة» بجاليرى مصر بالزمالك.
ولطالما اشتهرت الفنانة مروة - التى تجمع بين التصوير الفوتوغرافى وفنون الجرافيكس - بتوظيف الجسد ومزجه بعناصر أخرى من بينها مفردات الطبيعة وكذلك الخط العربى لمناقشة مختلف القضايا والموضوعات، إذ تتمحور أعمالها فى الغالب حول استكشاف مفاهيم جدلية متعددة كالجسد الإنسانى والهوية وجدليتهما مع المحظورات الاجتماعية والثقافية، فتهتم فى أعمالها بتناول الجسد كمحاولة لإظهار التطور والصراع اللانهائى بين أشكال الوجود الأساسية، فى سعى منها لاكتشاف العلاقة بين الشكل والجوهر، الروح والمادية، وما تحمله هذه الصراعات من معانٍ وأفكار.
وتستكشف مروة عادل فى المجموعة التى عرضتها مؤخرا حسبما ذكر محمد طلعت مدير الجاليرى الصراع بين مفهوم الهوية الفردية والاجتماعية، فمع الضغط المستمر لقبولنا اجتماعيا نسعى للحفاظ على صورتنا لتكون مقبولة مجتمعياً، لنشعر معها بتحققنا واندماجنا .. ومع هذه الصورة تتلاشى حقيقتنا وهويتنا تدريجياً إلى أن نفقد ذاتنا كلياً، لتُحدد قوة هذا المجتمع الهجين وما يحويه من متناقضات وسيادة شكل ومفهوم الهوية الذاتية.
ماذا بعد؟.. من الجغرافيا للإنسان
ويبدو أن العنصر البشرى بتنويعاته قد فرض وجودا بارز على كثير من المعارض التشكيلية، بحث من خلالها الفنان فى علاقة الإنسان بذاته وبالمجتمع وبالموجودات من حوله وكذلك بالكون، وربما هذا هو ما اتضح فى معرض الفنانة شيرين البارودى التى لطالما اشتهرت بتقديم الخرائط والجغرافيا اللونية خلال معرضها «خرائط سهلة» ومعرض «حكايات» حيث إنها كانت دوما شغوفة بعلم الجغرافيا لتخلق عالما خاصا بها مفرداته من الحياة والواقع المعاش فى إطار الخرائط الخاصة بها.
وفى تطوير واضح لتجربتها تبتعد شيرين عن الخرائط قليلا، ليسيطر الإنسان على مسطح التشكيل ويحتوى الخرائط فى حالات متعددة بداخله، وذلك فى معرض «ماذا بعد؟» الذى استضافه جاليرى قرطبة مؤخرا. إذ تقول الفنانة: هو ليس انسلاخا عن تجربة الجغرافيا وإنما هو امتداد وتطوير لها، ففى القراءات الجغرافية حاولت الوصول إلى عمق العلاقة بين الإنسان والموجودات على الأرض بتعبيرات حرة تتصل أحيانا بالتاريخ القديم وتارة أخرى برؤية معاصرة، يمكن القول إنه دخول أكثر فى العمق، الاقتراب مما يحدث على الأرض، مراقبة تفاصيل العلاقات الإنسانية والعلاقات بين الموجودات فالعناصر الصغيرة تحولت وأصبحت هى البطل.
ويبدو أن هذا ليس هو التطور الوحيد الذى شهدته تجربة الفنانة شيرين البارودى، إذا قدمت فى هذا المعرض مجموعة من الخزفيات ذات أشكال غير محددة تبدو وكأنها مخلوقات خرجت من رحم اللوحات ليبدو أن تلك الخزفيات وكأنها قفزت للتو من المسطح التشكيلى، حيث تقول الفنانة: استخدامى للخزف بدأ من رغبتى فى أن أمسك عناصر لوحاتى لأشعر بها بين يدى، فبدأت بتنفيذها بتقنية الخزف، وكان هناك العديد من المحاولات والتجارب سبقت العرض حتى تكتمل التجربة.
ولكن من الواضح أن الإجابة على سؤال «ماذا بعد؟» لم يقف عند محاولة تقديم تطوير لتجربتها السابقة، بل يطرح السؤال على المتلقى فى محاولة لفتح قنوات حوار معه وتتبع الأثر الذى تركه مشاهدة المعرض على وجدانه، إذ يقول د.رضا عبد السلام هو عنوان فى صيغة سؤال يتطلب إجابة وتفسير واضحين، خاصة أن شيرين لم توضح معنى ومغزى السؤال فى المطبوعة الخاصة بها. وهو ما يعنى أن المتلقى لأعمالها سوف يشاهدها دون أن يجد تفسيرا لعنوان المعرض. لكن ومع افتراض أن شيرين تعنى أن نتاجها الجديد هنا هو فى حد ذاته الإجابة على العنوان المشار إليه، غير أن نتاجها الإبداعى يحتاج إلى فهم حتى يمكن قراءته ومقصده، لذلك أؤيد طرح السؤال بطريقة أخرى.. ماذا كان الغرض الكامن من وراء هذه الأعمال التصويرية والخزفية؟ وهل هى تمثل امتدادا فكريا وتشكيليا لما سبق من أعمال فى هذا المجال.. أم كان مجرد حالة اعتيادية ارضاء لغريزة اللهو والتمتع بشّغل وقت الفراغ؟ أم كان ثمرة الفراغ والاستحواذ على شئ ذاته فى الصورة والقطع الخزفية من أجل السيطرة على الموضوع والقيمة الفنية والإبداعية التى تفصح عن التمثيل الحقيقى للذات الحائرة؟.. من هنا ربما يمكننا إدراك فحوى العنوان ومدى مطابقته لمضمون أعمالها الحديثة الإنتاج. لقد قصدت من وراء هذه التساؤلات التى يسألها كل فنان لذاته بعد الانتهاء من كل معرض أقامه ماذا بعد..أى ما هو الجديد الذى سوف يقدمه فى المعرض القادم؟ وهو سؤال مهم ربما لا يسأله سوى الفنانين الذين يؤمنون بتقديم شئ جديد يمثل إضافة ملموسة إلى نتاجهم السابق. ولتحقيق ذلك المطلب يظل الفنان المبدع على عهده بالبحث والتجريب والكشف عن مفردات وصيغ جديدة.
الاحتفاء بالمرأة فى مجموعة هيام عبد الباقى
من جانب لآخر شهدت تجربة الفنانة هيام عبد الباقى تطورا جديدا يضاف لتجربتها السابقة، إذ يبدو أنها أيضا تقترب من المسطح الذى طالما اشتهر بزخمه وتنوع مفرداته لتبدو أقرب للمنمنمات، كى تركز على بطولات فردية بخامة الزيت وبطبقات لونية كثيفة تختبر معها مرحلة جديدة فى مشوارها الفنى، وقد قدمت مجموعة كبيرة من أعمالها فى قاعتى جاليرى أوبنتو مما أتاح للمتلقى شحنة فنية مكثفة، ويتضح فى مجموعتها الأخيرة اهتمام هيام بالمرأة المصرية، فهى الحياة من وجهة نظرها .. وكما ذكر كتيب المعرض: تعتبر الأنثى هى محور الأعمال وأفضل توضيح لذلك هو رسمها لوحة العروس الشابة بفستانها الأبيض منتظرة الزواج، فهذه العروس هى رمز شائع فى الثقافة المصرية بسبب ارتباطها باحتفالات المولد النبوى الشريف.. ويظهر تصوير عبد الباقى المتكرر للدمية فهمها العميق لأهمية بعض الزخارف ومكانتها داخل الثقافة المصرية، فالعروسة تعبر عن الأمل وغالبا ما ترمز لمصر«أم الدنيا» ليس فقط بمفهومها المباشر للعروسة ولكن هى رمز للعالم كله.. كما نلاحظ دائما ظهور الحيوانات فى علاقة إنسانية مع الأشخاص، تلك الحيوانات التى ترسمها بشكل خيالى حاملة فى مضمونها العديد من المعانى الرمزية.
سرداب رندة فخرى والتواصل مع الروح
اختارت الفنانة رندة فخرى عنوان «السرداب» لتقدم من خلاله مجموعتها الأخيرة التى استضافها جاليرى العاصمة بالزمالك، إذ أنها تجيد التفتيش داخل النفس الإنسانية وقد بدأت بنفسها، حيث وجدت أن كثيرا من الأعمال تحمل من ملامحها، فأتذكر تلك المقولة الشائعة بأحد الأفلام «الشبه مش تقاطيع وملامح».
سرداب رندة فخرى يحيلنا إلى عالم سحر»، إلى الغرف البعيدة المغلقة داخل أرواحنا، التى ربما نخفى فيها الكراكيب، أو ربما ما لا نريد أن تراه العين، أو فى أقوال أخرى ربما ما نخشاه أو نخشى أن يطفو على السطح، إذ يحمل سرداب رندة أسرارها الشخصية، تفاصيل تجربتها الإنسانية، ثم تلك الآلام التى عانت منها سواء جروح الروح أو اعتلال الجسد. فلكل لوحة مدخل سرى يقودك إلى السرداب.. وهناك يكون الملتقى.. تلاقى الأرواح التى مرت بمسار شبيه، إذ أن سردابها يشبه كثير من السراديب التى تعيش بداخلنا .. لنتأمل جميعا ذواتنا وما مررنا به ..
وعلى الرغم من أن الإنسان قد يبدو هو بطل أعمالها التشكيلية، إذ يحتل المسطح شخص رئيسى واحد فى الغالب، إلا أنها ليست بطولة مطلقة فهناك دائما شريك فى العمل، لكنه شريك يكشف عن ذلك الجانب الروحانى لديها، إذ إن عالمها تتداخل فيه الكائنات وتتواصل بحوار من نوع خاص قوامه المحبة.. حين تحتضن الفتاة حوض السمك .. وحين تتكئ الفتاة على ظهر السلحفاة لتجد بينهما تشابها كبيرا فى الصبر والانتظار والتحمل ... وحين يحمل الفتى الماعز حول رقبته.. أو حين تقف العصافير على كتفيه.. وليست فقط الحيوانات والطير وإنما أيضا النباتات .. انظر إلى تلك الرقة التى تحمل بها الفتاة نبتة الصبار .. ثم إلى كل تلك الأوراق المتطايرة من الشجر التى تستعين بها من مسطحها الذى اختارته من الورق المزخرف لتوظفه بتقنية الديكوباج الشهيرة التى تجمع فيها بين الأوراق المزخرفة والتصوير. إنها حالة من الرهافة والرقة التى تمزج بين كل الكائنات ..إذ تقول الفنانة: لم يخلقنا الله لنعيش كل إنسان بمفرده .. متفرغاً لغاياته محاولاً إشباع احتياجاته .. خلقنا على اختلاف ألواننا وأشكالنا لنتكامل .. يكمل كل منا نقص أخيه .. يسد احتياجه.. فنكتمل جميعاً .. الحب يصنع المعجزات وهذه حقيقة .. بالحب نصل لأعلى مراتب الإنسانية..
وتقودنا الفنانة للبحث فى تفاصيل الأشياء المحيطة، خاصة من خلال توظيفها لتقنية الديكوباج حيث تخرج شخوصها وكائناتها من قلب الورق المزخرف كلية أو جزئيا، أو تحتويه داخلها ليتحول إلى نقوش الجلباب الذى ترتديه العجوز المتأملة للسمكة، أو مفرش الطاولة، أو فساتين الفتيات أو غير ذلك وكأنها تعيش به منذ أمد بعيد، ويحمل كل عمل حالة تخصه من الظهور والغياب.. فأحيانا لا نجد سوى الوجه والكفين وكأن البطل قادم من أعماق سحيقة، لنتذكر ألعاب الساحر، ونتساءل لماذا كل تلك القفزات التى يرتديها الأبطال ولماذ يختفى كثير منهم تحت أنوف حمراء كقناع المهرج، ونتساءل مرة أخرى هل نعيش حياتنا بوجوهنا الحقيقة أم أننا ندعى؟، هل نخفى ابتساماتنا أم دموعنا؟، ثم هل نستخدم تلك اليدين كى نتلاعب بشركاء الرحلة ونربطهم بخيوط الماريونيت أو كى نمد لهم يد العون، إن لوحات رندة فخرى كما تصفها الناقدة سوزى شكرى هى كنز من الحكايات والبعد الإنسانى هو المحرك الأول لأعمالها قدمتها الفنانة بتعبيرية المعالجة والصياغة الفنية التشكيلية لشخصياتها، وتقنياتها الخاصة بدءًا من تحضير السطح وصولا إلى مرحلة التلوين وإضافة بعض القصاصات المزخرفة.
رغبة قلب فريد فاضل فى حصاد 2018
لا شك أن اهتمام الفنان فريد فاضل بالإنسان وحكاياته يبدو جليا، ولذا فإن لبورتريهاته طابعا خاصا لا تخطئه العين، وفى معرضه الأخير الذى استضافته قاعة بيكاسو بالزمالك عرض الفنان أربعين لوحة جديدة تمثل حصاد عام 2018 غلب عليها استخدام خامة الزيت مع بعض اللوحات المنفذة بالألوان المائية والأقلام الملونة، ظهر فيها العنصر البشرى فى بطولات عدة.
وقد اختار الفنان أن يقدم تلك المجموعة تحت عنوان «رغبة قلبى»، حيث يكمن الرابط المشترك بين الأعمال فى العاطفة الجياشة التى تحرك قلب وفكر الفنان ليبتكر ويبدع، إذ يقول: أطلقت هذا الاسم على معرضى وهو اسم واسع المدى ويشمل أشياء عديدة ولكن يظل العامل المشترك لدى كل أعمال المعرض هو المشاركة العاطفية العميقة من ناحيتى تجاه كل الأعمال التى استمتعت برسمها.
وقد حملت بعض اللوحات بعدا روائيا مثل لوحات «الجدة و الحفيدة»، «الراعى الصالح»، «القديس سمعان والطفل»، و«فرحة حصاد القطن».. بينما ركزت مجموعة أخرى على خلق عالم من الجمال والبهجة مثل «البحر فى الماظة»،« النيل زمان»، «شوف الزهور» ولوحة «تأمل فى الحضارة القديمة».
وعن وجود الإنسان فى أعماله يقول فاضل: سيظل البورتريه أساسيًا بل محوريًا فى كل معرض جديد، وهنا يحمل شخصية صاحبه وعالمه الخاص فى حضور أيقونى مميز، فنرى الشاب النوبى «مصطفى» مستغرقاً فى أفكاره وعالمه الخاص تارة وضاحكاً وسط جبال القرية تارة أخرى… نفس الموديل ولكن الرسالة مختلفة تمامًا، أما صديقى رامى فقد اختار للبورتريه الأول جلابية صعيدى ممتازة وعندما انتهيت من الرسم أطلقنا على اللوحة اسم «الأفغانى»، ثم جاءت المحاولة التالية مختلفة تماماً حيث رسمته يرتشف الشاى فى «الخمسينة» وعلى وجهه ابتسامة الرضا وخلفه إيقاع خافت من النقوش الإسلامية… والحقيقة أننى لا أجد تفسيرًا بسيطا لما يعتمل بداخلى ويؤثر فى اختياراتى الفنية ولكنها حالة خاصة تتغير وتتبدل، فأنا لا أبدأ الرسم قبل أن تصل درجة حرارة العاطفى إلى الذروة ثم أصلى طالبًا بركة الرب وتدخله الإلهى ثم تنطلق الفرش والألوان على سطح اللوحة فى سرعة وسلاسة تدهشنى أنا شخصيا .
ما يزرع داخلنا ينبت على ملامحنا
يميل الفنان إسلام زكى أيضا إلى تصوير الوجه الإنسانى ولكن ليس بشكله المعتاد، إذ يميل إلى التلخيص وتحمل تلك الوجوه الكثير من المعانى والمشاعر الداخلية التى قدمها الفنان بأسلوبه الخاص الذى ينحى منحى التعبيرية، حيث يقول د. مصطفى الرزاز: لا شك أن هذا الفنان يعنى بالإنسان بطل أعماله .. وأدواته فى ذلك الخطوط الواثقة اللحظية المتشابكة فى ضفائر متفاوتة الاتجاه والكثافة.
وقد أقام الفنان إسلام مؤخرا معرضا تحت عنوان «ما يزرع دخلنا ينبت على ملامحنا» استضافته قاعة الباب، إذ يقول الفنان فى توصيفه للمعرض: تلك الوجوه تعكس ذكرياتى عن شخوص ما زالوا فى الذاكرة وملامحهم وتفاصيلهم غير متطابقة مع ذاكرتى.. ثم يطرح تساؤلا حول.. هل تتغير ملامحنا؟؟ جميعا متشابهون عند لحظة الميلاد، بمرور العمر تختلف هيئاتنا وملامحنا، فأصدقاء الطفولة تفرقوا فى سبل الحياة نتلاقى كل حين .. يعترى ملامحنا التغيير ليس لعامل الزمن فقط ولكن لاختلاف أدوارنا فى الحياة، كنا متشابهين حالنا حال الأصدقاء والأزواج الذين تتقارب وتتشابه ملامحهم بمرور الوقت .
عزبة الصعايدة بالهناجر
لا شك أن الإنسان المصرى أيضا يظهر بكثافة فى أعمال الفنان طه القرنى الذى لطالما اشتهر بغوصه فى الحياة الشعبية إذ يستحوذ الموروث الشعبى على كامل اهتمامه وهو ما يتضح فى تصويره للعديد من المشاهد المرتبطة بالطقوس الشعبية بمصر وكذلك بحياة الإنسان كسوق الجمعة والمولد والزار وكذلك الثورة، فى معرضه الأخير الذى أقيم تحت عنوان «عزبة الصعايدة» بجاليرى الهناجر قدم الفنان 21 عملاً فنياً لأهم الطقوس الشعبية والموروثات الثقافية التى ارتبطت بالتراث المصرى فى عزبة الصعايدة، وفى كلمته عن المعرض يقول الناقد د.عز الدين نجيب : إن طه القرنى يوسع فى معرضه الجديد دائرة عالمه الذى انغمس فيه من خلال معارضه السابقة مثل السوق والمولد والزار والثورة ورقص التنورة، وإن كان فى نفس الوقت مستمرا فى ذات الاتجاه لاستلهام التراث الشعبى .. باحثا فى زوايا الهوية المصرية.. لكن عالمه اليوم يشمل مجتمع القرية بطقوسها الغاربة وحبها للحياة.
مجدى نجيب يعرض أعماله فى خان المغربى
الفنان مجدى نجيب تحشد أعماله بشخصيات تمزج بين الأسطورة والتراث الشعبى والفانتازيا، وهى شخصيات من صناعته الشخصية تحمل بهجة نابعة من ألوان زاهية ومن شخوص مفعمة بالحياة. إذ تقول الناقدة فاطمة على معلقة على أعماله إنها غنائية بصرية ملونة: وعلى حين يقدم مجدى نجيب لوحاته على عدة مستويات أفقية ورأسية.. نراه فى مهارة وبتقنية مختلفة.. يقدم لوحات تسبح فيها نسائها والأطفال بتفاصيلهم الشكلية الكثيرة فى سيولة كأنهم داخل بركة ماء لا يحدها عائق.
وقد استضاف جاليرى خان المغربى مؤخرا معرضا لأعمال الفنان والشاعر مجدى نجيب، حيث كانت فرصة للجمهور للتعرف على عدد من أعماله التشكيلية، خاصة وأنه يشتهر أكثر ما يشتهر بأنه شاعر غنائى، حيث تغنى بكلماته العديد من عمالقة الغناء فى مصر ومنهم منير مثل شبابيك وحواديت، وكذلك شادية وصباح وعبد الحليم وهو ينتمى إلى جيل الستينيات .
أسفار التكوين فى شخصيات خزفية
تجيد الفنانة منى غريب أيضا تقديم شخوص تحمل بصمتها الخاصة، لكنهم ليسوا على المسطح التشكيلى وإنما مجسمين باستخدام الخزف، وقد أقامت الفنانة مؤخرا معرضا لأعمالها تحت عنوان «أسفار التكوين» أقيم بكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية، وقد ضم المعرض 15 قطعة جميعها من النحت الخزفى باستخدام خامة الفخار الملون باستخدام أكاسيد معدنية، منهم 10 قطع لم يسبق عرضها من قبل، وقد تراوحت أحجام الأعمال ما بين 25سم حتى 60سم، وتنوعت ما بين مجموعات ثنائية وثلاثية وأيضا مفردة.
ويأتى اختيار الاسم من اهتمام الفنانة بالموروث المصرى القديم واستلهام أعمالها منه، حيث يعتبر واحدا من أهم الروافد التى ساهمت فى إثراء أعمال النحت الخزفى الحديث بالقيم والطاقات الإبداعية، فهذا الموروث الفنى الذى امتد عمره لآلاف السنين أعطى للفن المصرى المعاصر سمات خاصة تميزه عن غيره من الفنون فى العالم خاصة فن النحت الخزفى حيث أصبح هذا الفن ميدانا خصباٌ للإبداع .
باركود .. رانيا أبو العزم
على الرغم من أن العنوان يبدو بعيدا كل البعد عن الإنسان، إذ يعرف «الباركود» بأنه الشفرة الخيطية، التى ترتبط بالبضائع والمنتجات حيث تحفظ البيانات فى الخطوط العريضة إضافة إلى الفراغات التى بين هذه الخطوط ومن الممكن أيضا أن تكون فى شكل هندسى مندمجة مع بعضها.. إلا أن الفنانة رانيا أبو العزم قررت توظيف تلك الخطوط فنيا كتكوين أساسى تمزج بينه وبين حياة الإنسان إذ تقول : كلنا أشياء نولد محملين بالأرقام والبيانات نحملها معنا كدلالات من الميلاد وحتى الوفاة .نولد ثم نموت نتسم بالشباب والصحة وفى النهاية نهرم .. ولا شىء يمنعنا من قدرنا .. فكل شىء مهما طال أجله سينتهى .. وبالرغم من ذلك سيبقى هناك متع عديدة فى الحياة ..وفى الجديد متعة ومع الوليد متعة وفى الجمال متعة.
« افتحوا الأبواب» بجاليرى المشربية
اختار الفنان خالد أبو الدهب اسم «افتحوا الأبواب» ليقدم المعرض الثانى بمصر والذى استضافه جاليرى المشربية بالمهندسين، حيث يعبر فيه عن مفهوم الأبواب بالنسبة لمختلف شعوب وثقافات العالم ومدى ارتباطها بحياة الناس ارتباطا معنويا؛ ويتحدث أبو الدهب عن ذلك قائلا: معرضى «افتحوا الأبواب» يعبر عن الحياة والأبواب بينهم فلسفة حياتية قوية، فنجد الناس يبحثون عن باب للرزق؛ باب العمل؛ باب للسفر؛ باب النجاح؛ باب للتوبة؛ حتى الجنة والنار لها أبواب، وفى الحياة أيضا نجد أبواب للغنى؛ أبواب الفقر؛ وأبواب للسعادة؛ أبواب الحزن؛ أبواب للشقاء وأبواب الرخاء؛ أبواب للحب وأبواب الكره؛ أبواب للموت وأبواب الحياة، الأبواب أيضا ترتبط ارتباطا وثيقا بالهوية؛ فعندما نسافر بلدان العالم نرى الأبواب تتزين وتتلون بصبغة كل بلد وهويتها الفنية؛ إلى حد بات يجعلنا نتعرف على البلدان بمجرد أن نرى أبوابها، وعلى صعيد أخر نرى كل شىء فى حياتنا متعلقة بداياته بباب معنوى لا يتحدث به الناس بينهم البعض؛ كل «يلتمس الباب الذى يريده. ويضيف أبوالدهب: افتحو الأبواب؛ أشارك فيها معايشتى لمختلف ثقافات وشعوب العالم عن فهمهم لمنطق الحياة والتعايش مع الآخر؛ معايشتى لهم كانت حقيقية بكافة تفاصيل الحياة من مسكن؛ مأكل؛ ومشاهدة ممارساتهم لمعتقداتهم؛ والعيش معهم بإسلوبهم ورؤيتهم للحياة، وأتمنى أن يفتح كل منا بابا حقيقيا للآخر؛ ولو بمجرد أن يسمع كل منا الآخر؛ كما أتمنى أيضا أن يسأل كل منا سؤالا كل يوم؛ كم من باب فتحته اليوم للآخرين؟
ميمورابيليا.. حضور إنسانى رغم الغياب
تحت عنوان «ميمورابيليا» قدم المصور الفنان رومانى حافظ مجموعة من صور الفوتوغرافيا الأبيض والأسود لأماكن تكاد تكون خالية من الحياة ليبرز فكرة إن الأماكن تكمن أهميتها فى الأشخاص الذين يقطنونها وفى القصص والذكريات التى يتركونها خلفهم فى تلك الأماكن. فقيمة المكان فى القصص التى تحتويها جدرانه وفى الذكريات التى تخلد فيه للأبد. فمنذ اللحظة الأولى التى ترى فيها الصور التى استضافها جاليرى بيكاسو، تتساءل هل هذه الأماكن خالية من الناس؟ هل مأهولة بالسكان؟ هل كان فيها أشخاص تركوا فيها ذكرياتهم؟ أسئلة كثيرة جدا تحتاج إجابات. حيث تتركنا الأعمال فى حالة بحث وتساؤل و تترك لنا مطلق الحرية لتحديد الكثير من النقاط و عناصر القصة، حيث يريد الفنان للمتفرج المشاركة فى ترجمة الأعمال والانغماس فى كل التفاصيل وحل اللغز.
الفنان امادو الفدنى يبحث عن «ماهنجو»
نعود للبدايات.. بداية الخلق.. حيث «أول المخلوقات».. السطر الاول فى قصة خلق الإنسان فى أغلب المعتقدات.. تفسيرات خلقه وتصويره وكثير من القصص المرتبطة به والتى تتباين بين مختلف الثقافات والطوائف.إنه «آدم» كما يسمى فى أغلب المعتقدات أو «ماهنجو”»كما يسمى فى غرب أفريقيا
فى معرضه «ماهنجو» الذى استضافه جاليرى سوما للفنون مؤخرا، لم يكتف الفنان السودانى «امادو الفدنى» بتصوير «ماهنجو» بشكل مختلف وإنما ذهب أيضآ لتصوير غير تقليدى لكثير من الكيانات التى ارتبطت به وعاصرته وربما تلته أيضاً استوحاها الفنان من الثنايا الإفريقية المتغلغلة فى شخصيته والمشبعة بالاعتقادات الروحانية.
وفى نهاية تلك الجولة أكاد لا أستطيع أن ألتقط أنفاسى فى ظل ما يحدث فبينما أكتب تلك السطور هناك أكثر من عشرين معرضا آخر يفتحون أبوابهم قبل أن ينتهى العام لتعبر كثير منها إلى العام الجديد.. ولكننى أفعل الآن ما كانت تفعله شهرزاد بالحكاية الممتدة حين يأتى الفجر فتتوقف عن الحكى على أن تعود مجددا ببقية الحكاية فى اليوم التالى .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.