أقامت دار بتانة للنشر والتوزيع الأسبوع الماضي أمسية ثقافية عن الشيخ إمام عيسي، إحياءً لذكراه، بحضور عدد من الأدباء والمثقفين. أدارها الشاعر شعبان يوسف، الذي استهل كلمته قائلا إنه لا يوجد أحد عاصر فترة السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، إلا وتأثر بالشيخ إمام الذي حلت مئوية ميلاده مطلع الشهر الجاري. وأضاف: من الملاحظ أن مسيرة الشيخ إمام لا تنفصل عن مسيرة أحمد فؤاد نجم علي الإطلاق، وإن تحدثنا عن البداية، سنجد أن نجم هو الشخص الذي أخذ الشيخ إمام في طريقه. فقد تربي الشيخ إمام في ملجأ أما أحمد فؤاد نجم فعمل في قناة السويس ودخل السجن لأسباب جنائية، وفي السجن تعرّف علي ثلاثة أدباء هم عبد الحكيم قاسم وسامي خشبة وحسين شعلان، وبدأ كتابة الأشعار حينها. كان محبوبا جدا من قبل الضباط والمساجين، فهو يمتاز بخفة الدم وروح الدعابة، كما دخل العديد من المسابقات وهو في السجن ونجح فيها، ولحسن سلوكه خرج قبل انتهاء المدة، فأخذه سعد الموجي معه، ومن خلاله قابل الشيخ إمام حيث كان يعمل ملحنا في ذلك الوقت ويدندن مع الموسيقي، وعندما سمع نجم صوته سأله »لماذا لم تغني؟» فرد قائلا إنه لا توجد أغاني تستحق أن نغنيها، فاقترح عليه قصيدة »أنا أتوب عن حبك أنا»، وكانت تلك البداية. واستطرد يوسف: لا نستطيع أن نقرأ في الثورة المصرية دون التعرف علي الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، كانا الأعلي صوتا والأكثر ثورية وتمردا، فهم من علمّونا كيف نثور وكيف نغني. بدوره، قال سيد عنبة، مؤسس جمعية الحفاظ علي تراث الشيخ إمام إنه كان من الصعب التعامل مع شخصية »فرقع لوز» مثل الشيخ إمام، معقباً: أنا واحد من الملايين الذين أحبوا الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، وواحد من العشرات الأقرب لهما والذين تعاملوا معهم، طوال حياتي أؤمن بمقولة »الحب الإيجابي» وهو أن الإنسان يفعل شيئا نافعا ومفيدا لمن يحب ولا يكتفي بالإعجاب والانبهار، فهناك ملايين أحبوا الثنائي، لكن لم يقدم الكثيرين أي شيء نافع لهما، موضحاً أنه قام بتسجيل أشعار أحمد فؤاد نجم كاملةً مع تدوين أسباب كتابة كل قصيدة وهذا أخذ من حياته 6 سنوات. يقول: كان من الصعب جداً أن أقنع أحمد فؤاد نجم بأن يسجل معي قصائده، وبعدما انتهيت من التسجيلات وفي إحدي زياراتي له مع أحد أصدقائنا توجه له قائلا »صاحبك سيد عنبة ده غتت غتاتة مفيش بعدها» فسألته لماذا؟ فرد »لقد حاولت التهرب منه بأي طريقة وَلم أنجح». فهو بالفعل حاول بكل الطرق أن يصيبني بالملل، ومن الأمثلة البسيطة لذلك أن أذهب في ميعادي المتفق عليه معه فلا يفتح لي الباب. لكني في النهاية تمكنت من تسجيل القصائد بنجاح. واستطرد عنبة: أما بالنسبة للشيخ إمام؛ يمكنني القول إن أغانيه بنسبة 98% موجودة ومنقاة في سوريا ولبنان وتونس وكل البلاد، فكان أهم هدف بالنسبة لي أن أقوم بتأسيس جمعية لمحبي الشيخ إمام غرضها تجميع أغانيه لأنه لم يكن يغني في استديوهات مثلما يحدث الآن، فكان يجب أن يتم تنقية هذه الأغاني. كما كانت هناك رغبة في عمل تدوين للنوتة الموسيقية للشيخ إمام، حيث سجّل بصوته حوالي 178 لحنا من ألحانه علي العود، مع شرح تفصيلي للمعلومات الموسيقية عن هذه الألحان. تقدمت مع المهندس أحمد بهاء الدين شعبان بطلب للهيئة العامة لقصور الثقافة لطباعة كتاب يضم ألحان الشيخ إمام، لكن لم يكن هناك اهتمام بالقدر الكافي من قبل الهيئة، وكان الأداء روتينيا ومملاً، يشوبه عدم تقدير للجهد المبذول. لكن تشاء الأقدار وأتلقي اتصالا من الدكتور حسين الشافعي من عائلة المهندس أحمد بهاء الدين شعبان والتبرع يبلغني فيه بالتبرع بنفقات النوت الموسيقية التي تضم 24 لحنا، ومنحني الأموال بدون أي وصل وقال لي »أنت حر التصرف ولكن طلبي الوحيد هو أن تخرج هذه النوت الموسيقية من قبل الهيئة العامة لقصور الثقافة»، فالكتاب لم يكلف هيئة قصور الثقافة شيء سوي 1380 جنيها فقط لا غير، بينما التكلفة الحقيقية لهذا الكتاب هي من أربعة إلي خمسة آلاف جنيه، مختتما: أناشد الشباب وأحثهم علي الانضمام إلي الجمعية لأنها لا تضم غير كبار السن، فعندما سنرحل نحن يجب أن تستمر الجمعية، ولا يوجد سوي الشباب ليكملوا المسيرة بعدنا. أما بهاء الدين شعبان، فقد أعرب عن سعادته لتواجده في مثل هذا المحفل، وأضاف: تعرفت علي الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم في أواخر الثمانينيات وتوثقت العلاقة بعد ذلك، فنجم والشيخ إمام لم يكونا مجرد ظاهرة فنية، وإنما ظاهرة سياسية علي درجة عالية جدا، لعبا دورا يقترب من دور الزعامة السياسية الحقيقية، لأنهما كانا في فترة بعد هزيمة 1967 وبعد الانهيار النفسي الهائل الذي حدث، من عاصر هذه الفترة يدرك تماماً ما أقصده، فلك أن تتخيل أنك تفتح التليفزيون كل يوم وتسمع أننا أقوي قوة في الشرق الأوسط وأننا سنسحق إسرائيل، ثم تستيقظ في اليوم التالي وتسمع أن قوات إسرائيل علي بعد 100 كيلو متر من القاهرة، فهذا الشرخ النفسي الكبير لم يكن أن يلتئم إلا بجهود هائلة من أجيال بأكملها والتعبير الفني البليغ عن هذه التطلعات للتحرر. واستكمل: ألحان الشيخ إمام هي التي أوصلت الرسالة، وتأثير نجم والشيخ إمام لم يكن فقط في مصر أو في المنطقة العربية، فأنا أتذكر أنه منذ حوالي 3 سنوات كان هناك مؤتمر في تونس وكنت أحد المشاركين فيه، وفوجئت بأن هناك مئات من أهل تونس حضروا لمجرد سماعهم أن هناك شخصاً اسمه ذُكِر في قصيدة من قصائد الشيخ إمام، وانهالت عليّ القبلات والترحيب عند وصولي ووجدتهم يتحدثون عن الشيخ إمام بحفاوة هائلة. واختتم الأمسية الشاعر محمود الشاذلي، الذي ألقي علي الحضور مقطع من قصائد الشيخ إمام، ليعقب: اليوم من أحب الأيام إلي قلبي، وعندما أقف أمامكم للحديث عن الشيخ إمام أشعر بسعادة شديدة، فعلاقتي به تبدأ منذ أن كان عمري خمس سنوات، حيث كان صديقا لوالدي رحمه الله عليه وكان جاري في الدرب الأحمر، يسكن في منزل اسمه بيت النمارسة نسبة إلي هؤلاء الذين جاءوا من أبو النمرس، وكان يقرأ عندنا في الورشة كل يوم جمعة ما تيسر من آيات القرآن الكريم مقابل خمسة قروش. واختتم الشاذلي قائلا: عندما كنت في سجن طرة أنا ونجم والشيخ إمام وبعض الأصدقاء، حدث موقف غريب، فقد شعرنا بأن هناك حركة غير معتادة خارج الزنزانة التي كنّا فيها، فدب في قلوبنا الخوف، ثم فوجئنا بشخص يسأل عن نجم لكي يسمع منه إحدي قصائده المشهورة، وبعد أن ذهب عرفنا أنه القائد الأعلي لسجون مصر.