لازلنا مع صديقي المبتلي بالسفر من الصعيد الي القاهرة يروي لنا مأساته والتي يضيف فيها الي عذاب السفر عذاب ما يلاقيه في وسائل المواصلات , واليكم بقية ما دار بيني وبين صديقي , فلما ان وصل بنا الحوار عن الوسيلة الثالثة من وسائل المواصلات ، قلت له اذا لم يبقي امامك الا الميكروباص ؟ قال نعم , لقد اصبح اكثر الوسائل التي اركبها ركوب المضطر ( والمضطر يركب الصعب كما يقولون ) وما ذلك الا لميزة واحدة انك قد تجده في اي وقت , ولكون الركاب به اقل عددا من وسائل المواصلات سالفة الذكر لذا فان عملية شحنه بالركاب تكون اسرع نوعا ما من الاتوبيس مثلا , قلت له اذن المسألة مسألة توفير وقت ؟ , قال نعم . قلت له واين مواطن الصعوبة في ركوب هذه الوسيلة من وسائل المواصلات ؟ قال علي الرغم من الميزة سالفة الذكر الا انها تعتبر اكثر المواصلات مشقة , ذلك للطريقة العجيبة التي صممت بها المقاعد والتي قد تكون خالية من أي مواصفات قياسية لراحة الركاب خلال رحلاتهم الطويلة هذه والتي تمتد الي الساعات , او مراعية لظروفهم الصحية والبدنية , فيصبح الركاب فيها مكدسين , فلا يمكن ان ينطبق عليها وصف الا انها علبة سردين محشوة بالركاب , فتشعر وانت جالس فيها بأنك تجلس جلسة القنفذ , اذا جاز التشبيه , فتجد رجليك محشورة في مسند الكرسي الذي امامك وبالتالي تصبح ملتصقة في بطنك وقريبة من صدرك , فقل لي بالله عليك كيف يصبح حالك بعد عدد من الساعات وانت علي هذه الحال , فقلت له بشرّ حال..!! , قال , فما بالك وانت تجلس هذه المدة و النوافذ مغلقة صيفا خشية صفير الهواء المندفع الي داخل السيارة والذي قد يصيبك بالصمم , اوخشية لطشة البرد من الهواء البارد شتاءا , فقلت له ان هي الا دقائق معدودة حتي تشعر بالاختناق نظرا لنفاذ الاوكسيجين من السيارة , قال فما بالك اذا قام بعض الركاب او حتي السائق بالتدخين في هذه الظروف القاسية , قلت له فأن ذلك يزيد الطين بلة , قال هذا ما يحدث غالبا دون رقيب او حسيب , قلت له ولكني اعلم ان هناك قانون يجرم من يدخن في الاماكن العامة وبخاصة المواصلات , فقال لي انه نادرا ما يطبق واذا تم تطبيقه لن يكون الا عند انتظار السيارة اثناء عملية شحن الركاب , فقد حدث ذلك ذات مرة مع احد الركاب ودفع الغرامة الغير رادعة ( احدي عشر جنيها ) فلم يردعه ذلك عن التدخين اثناء الطريق , بل انه قال للسائق لقد كنت تدخن انت ايضا فلما لم يفرض عليك الغرامة فقال السائق انهم لايحاسبون السائقين علي مثل هذه التجاوزات , فاعتبر الراكب انه مظلوم و ان هناك كيل بمكيالين , مما دفعه الي التدخين ثانية داخل السيارة , فلما اردت ان اذكره بضرورة العدول عن التدخين في الاماكن العامة , قال لي دعني في حالي كفاية الغرامة التي دفعتها ..!!. قال لي صديقي الا اخبرك بثانية المثالب لهذه الوسيلة , وهي انها ظلت لفترة طويلة بغير موقف لركوب الركاب من المنيب او رمسيس , فما الذي حدث , تجد ان السيارة تجوب بك شوارع المنيب او رمسيس بحثا عن الركاب او هربا من عساكر المرور وانت راكب فيها وقد يستغرق ذلك بعض الوقت والذي قد يؤخرك عن مصالحك ومواعيدك , ثم تم تحديد تسعيرة للركوب من قبل المسئولين وزيادتها الي الضعف وذلك للتماشي مع ارتفاع اسعار السولار والبنزين والزيت , فتحمل الركاب عبء فارق السعر ويزيد , فما كان من الركاب الا الاستسلام لهذه التسعيرة الحكومية , وعلي الرغم من ذلك اذا بنا نجد ان السائقين قد رفعوا الاجرة بعد ذلك بنسبة زيادة خمسين (واللي مش عجبه ينزل ) وقد تصل الي مائة بالمائة في ايام الذروة مثل ايام العودة من اجازة نهاية الاسبوع او قد تصل الي مائة وخمسين بالمائة في ايام المناسبات والاعياد , وهنا قد تحدث الاعتراضات من قبل بعض الركاب و التي غالبا ما تنتهي بانتصار ارادة السائقين وقهر الركاب علي هذه التسعيرة الجديدة للركوب , وعلي الرغم من الشكوي الي المسئولين عن هذه التجاوزات الا ان تدخلهم يكون كعزومة المراكبية والتي تلقي بعلامات الاستفهام حول علاقة المسئولين بهولاء السائقين , فبدلا من اتخاذ اجراء رادع مع السائق المتجاوز اذا بالمسئول يطل برأسه الي داخل السيارة ( محدش يدفع اكثر من الاجرة ) ولكن أني للسائق ان يستجيب لذلك وأني للركاب ان يرغموا السائق علي عكس ذلك والا حدثت مناوشات قد يتطاول فيها السائق علي الركاب المعترضين مهددا اياهم بالتوقف في منتصف الطريق مما قد يعطلهم عن مصالحهم فيرضخ بقية الركاب للامر ويطالبوا المعترضين بدفع الاجرة كما طلب السائق حتي لايحدث تأخر لهم عن مصالحهم . ثم صمت صديقي قليلا , وقال اليك ثالثة المثالب , وهي ان عملية شحن السيارة بالركاب لايحكمها ضابط ولا رابط , فما ان تطأ رجلك ارض الموقف وتعلن عن رغبتك في السفر الي القاهرة وخاصة عندما يكون هناك قلة في عدد الركاب الا وجدت عدد من السائقين قد احاطوا بك كل يجذبك من طرف لتركب معه في صورة مهينة للراكب حتي تكون الغلبة للاقوي والراكب المسكين مغلوب علي امره لا يستطيع من الامر فكاكا , الا ان بعض الركاب قد يزجرهم لفعلهم هذا ويختار اين يركب وهم قليل . وهنا توقف صديقي عن الكلام وانتهت قصته , وشعرت بمدي القهر الذي يلاقيه المواطن الصعيدي الذي يرغب في السفر الي العاصمة لقضاء بعض مصالحه وحاجياته وكيف ان المسئولين يغضون الطرف عن هذه التجاوزات , بدءا من الذين يقومون باعمال الترخيص لمثل هذه السيارات وهي علي هذه الحالة الغير صالحة للركوب الي اولئكم المعنين باعمال الرقابة علي التدخين الي هؤلاء المسئولين عن الموقف , وتعجبت للحالة التي وصلنا اليها فكل اولئك في النهاية مصريين , فكأننا نعيش في جزر منعزلة قد غلب علينا الطمع والانانية شعار كل واحد فينا انا ومن ورائي الطوفان , فقلت متي نغير فينا هذة العادات والسلوكيات السيئة ولا يكون لسان حال المادة هو الغالب بيننا وان تصبح الرحمة والعطف شعارنا وان يكون البحث عن الحلال ديدنا وان نعين بعضنا البعض ونرفق ببعصنا البعض , قلت لا اجد الي ذلك سبيل الا ان نعود الي اخلاقنا الي اسلامنا فنجعله منهج حياة , عسي الله ان يصلح حالنا ويهدينا سواء السبيل .