أسعار الذهب تعاود الارتفاع في بداية تعاملات الثلاثاء بالبورصة العالمية    أسعار الخضروات واللحوم والدواجن في الأسواق اليوم    الرئيس الإيراني يعطي عراقجي الضوء الأخضر لإجراء محادثات "عادلة" مع أمريكا    وصول الدفعة الثانية من العائدين إلى معبر رفح لإنهاء إجراءات الدخول إلى قطاع غزة    الأرصاد تحذر من شبورة كثيفة الأربعاء: فرص ضعيفة لسقوط أمطار اليوم    تشييع جثامين 6 أشخاص من عائلة واحدة بقنا بعد وفاتهم فى حادث بأسوان    متحدث الصحة: جراحات معقدة لمصابي غزة يشارك فيها 9 تخصصات طبية في وقت واحد    الصحة: 150 مستشفى مستعدة لاستقبال جرحى غزة.. وعالجنا أكثر من 8 آلاف فلسطيني    ألمانيا ترفض مزاعم روسيا حول «دافع الانتقام» وتؤكد دعمها لأوكرانيا    وزارة العدل الأميركية تعترف بأخطاء جسيمة في ملفات إبستين بعد كشف بيانات ضحايا    إيلون ماسك يدمج أعماله في مجال الفضاء والذكاء الاصطناعي في شركة واحدة    يفند مزاعم هاني مهنا، فيديو نادر ل فاتن حمامة تتحدث عن علاقتها بشادية    ميرتس: العلاقات عبر ضفتي الأطلسي تغيرت والحنين إلى الماضي لن يجدينا نفعا    ترامب يطلق مشروعا لتخزين المعادن النادرة بقيمة 12 مليار دولار    اليوم، النيابة الإدارية توقع الكشف الطبي على المرشحين للتعيين بمقر الأكاديمية العسكرية    سندرلاند يعمق جراح بيرنلي بثلاثية نظيفة في الدوري الإنجليزي (فيديو)    الفنان أحمد عزمي: «حكاية نرجس» قصة حقيقية.. والعمل إنساني وصعب جدًا    دراسة بمعهد الدراسات والبحوث العربية تنال درجة الماجستير حول الضوابط المهنية والأخلاقية للعمل الصحفي في غرف الأخبار الذكية    السيد البدوي: المواطن مطحون ويعيش في شقاء.. والاقتصاد حاليا أفضل مما كان عليه قبل 5 سنوات    انخفاض الحرارة ورياح مثيرة للأتربة.. الأرصاد تحذر من طقس الساعات المقبلة    اتحاد الغرف التجارية: خصومات أهلا رمضان تصل ل 30%.. والبيع أحيانا بسعر التكلفة    المتهم قتلها بدافع السرقة.. تفاصيل العثور على جثمان سيدة داخل حقيبة سفر بمنطقة الأزاريطة في الإسكندرية    حريق بمول لتصليح الهواتف المحمولة بالمحلة الكبرى    «شتاء رقمي».. مبادرة رئاسية لتأهيل طلاب التعليم الفني بالمهارات الرقمية المطلوبة لسوق العمل    مواقيت الصلاة الثلاثاء 3 فبراير 2026 في القاهرة والمحافظات    محافظ الجيزة يشهد احتفالية ذكري النصف من شعبان بمسجد أسد بن الفرات بالدقي    إصدارات نقدية متنوعة للناقد الأدبي أحمد علوان في معرض القاهرة الدولي للكتاب    بإطلالة شتوية.. مي عز الدين تلفت الأنظار في أحدث ظهور    رئيس محكمة النقض يستقبل رئيس المحكمة العليا بالجمهورية الإسلامية الموريتانية    وزير العدل يستقبل رئيس المحكمة العُليا بالجمهورية الإسلامية الموريتانية    القبض على المتهمين بالتعدي على فتاة بمنطقة مربعات شركة السكر بأسوان    مسؤول إيرانى: جميع مراكز الكيان الصهيونى تحت مرمى نيراننا وقدراتنا تعززت بعد حرب ال12 يوما    وفد طلابي من جامعة العاصمة يشارك في فعاليات معرض الكتاب لتعزيز الوعي الثقافي    ترامب يدعو الكونجرس لتمرير قانون الإنفاق وإنهاء الإغلاق الحكومي    من "شكرا إلى أهلا بك"، النجمة السعودي يعلن رسميا ضمن نبيل دونجا لاعب الزمالك    متحدث الصحة: خطة الطوارئ لاستقبال مصابي غزة تضم 12 ألف طبيب    348 مشروعاً طبياً ب 113 مليار جنيه ترسم خارطة مستقبل الرعاية    ردد الآن| دعاء النصف من شعبان.. فضل الليلة المباركة وأفضل الأدعية المستحبة    دعاء استقبال شهر رمضان.. كلمات إيمانية لاستقبال الشهر الكريم بالطاعة والرجاء    أهمية الصدقة في شهر شعبان.. باب واسع للخير والاستعداد الروحي لرمضان    النائب عمرو علي: المواطن لم يشعر بنتائج النمو الاقتصادي نتيجة الزيادة السكانية الكبيرة    إطلاق منصة رقمية متكاملة لتعظيم إيرادات التأمين الصحي الشامل ودعم استدامة المنظومة الصحية    قبل الختام بيوم.. معرض القاهرة الدولي للكتاب يقترب من 6 ملايين زائر ويحقق رقمًا قياسيًا في تاريخه    محمد علي خير لوزيرة التخطيط بعد دعوتها لزيادة العمل: الناس في الشارع مابتروحش.. وكبار الموظفين بقوا شغالين أوبر    الصحة: أكثر من مليون خدمة طبية بمنشآت أسوان خلال 2025 ضمن خطة تطوير المنظومة الصحية    المجلس القومي للمرأة يشيد بدور الأزهر الشريف في دعم حقوق المرأة    أوقاف الإسكندرية تحتفل بذكرى تحويل القبلة وليلة النصف من شعبان بمسجد سيدي جابر الأنصاري    مايوركا يضرب إشبيلية برباعية ويقربه من مراكز الهبوط    التابعي: علامة استفهام على رحيل دونجا.. ومعتمد جمال لا يعمل في أجواء مناسبة    إيهاب المصرى: محمد صلاح ليس أهلاويا ويميل للزمالك أو الإسماعيلى    الخامس من تشيلسي.. ستراسبورج يستعير أنسيلمينو    سكاي: ماتيتا مستمر مع كريستال بالاس    بسبب التعدي على الصغار.. بدء محاكمة مديرة مدرسة الإسكندرية للغات و17 من العاملين بها 12 فبراير الجاري    محافظ الإسماعيلية يشهد احتفال الأوقاف بليلة النصف من شعبان    متسابقو بورسعيد الدولية يروّجون لمعالم المدينة خلال جولة سياحية برفقة شباب المسابقة    رئيس جامعة بنها يفتتح مؤتمر "التمكين المهني والتقدّم الوظيفي استعدادًا لمستقبل العمل"    برلمانية المؤتمر بالشيوخ: نؤيد تطوير المستشفيات الجامعية ونطالب بضمانات تحمي مجانية الخدمة والدور الإنساني    صدام القمة السعودي.. الأهلي يواجه الهلال في مواجهة مفصلية لدوري روشن 2025-2026    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أسباب انتشار النقاب فى العام الجديد!
نشر في روزاليوسف الأسبوعية يوم 02 - 01 - 2010

تصدت روزاليوسف لظاهرة النقاب فى 2008 و2009 ونستطيع أن نقول مطمئنين أنها ستواصل التصدى للظاهرة فى 2010 و2011 و2012!
إذا كان السؤال هو: هل ستواصل ظاهرة النقاب انتشارها فى العام الجديد فالإجابة هى نعم وبالثلث أيضا لأن المقدمات تؤدى إلى النتائج والمقدمات التى بدأت منذ سنوات طويلة لا تبشر بالخير.. احتل النقاب مساحة كبيرة على أرض الجدل الدينى والاجتماعى فى 2009على المستوى الرسمى كانت هناك حالة من الصمت و(الطناش) والتظاهر بعدم الرؤية من جانب الجميع، كانت الظاهرة ليست اكتشاف النقاب نفسه فهو موجود فى مصر منذ منتصف السبعينيات ولكن الظاهرة كانت هى تحول النقاب من زى هامشى لجماعات هامشية إلى متن رئيسى فى المشهد الاجتماعى كان النقاب خلال السنوات الأخيرة يتحول من حالات فردية إلى ظاهرة، وكعادتها فى الانتباه للفيروسات الغريبة عن الجسد وانطلاقا من دورها التاريخى كجهاز مناعى للمجتمع ضد فيروسات التطرف غير المصرية.
كانت روزاليوسف أول من أطلق صافرة الإنذار تجاه الظاهرة الغريبة عبر مجموعة من التحقيقات الاستقصائية التى حاولت أن ترصد الظاهرة وأن تتوقف أمام تحول النقاب من زى ترتديه بعض النساء اللاتى يشكلن جماعات هامشية إلى زى شبه جماعى فى بعض مدن وقرى الدلتا على سبيل المثال، وقد ضاعف من أهمية هذه التحقيقات التى بدأنا نشرها فى نهاية عام 2007 أن مصر تكاد تكون خالية من أى دراسة اجتماعية أو مسحية تتخذ النقاب موضوعا لها أو تهتم بتحديد عدد تقريبى للمنقبات أو الدوافع التى دفعتهن لارتدائه وهل الأسباب اجتماعية واقتصادية أم دينية؟ وهل ارتداء النساء له يكشف عن تدين زائد أم عن تدين سطحى؟ ثم الأهم ما هى العلاقة بين تزايد النقاب وبين انتشار التدين على الطريقة السلفية وهى طريقة غير مصرية فى فهم الإسلام وردت إلى مصر فى السبعينيات ونمت وترعرعت وازدهرت فى غياب الحضور القوى للأزهر وعلمائه، والحقيقة أن التحقيقات التى نشرتها روزاليوسف وشارك فيها الزملاء أسماء نصار وهدى المصرى ومحمود سماحة حاولت بتلقائية أن تجيب عن هذه الأسئلة التى كان يجب أن تتصدى الأجهزة البحثية والعلمية فى مصر للإجابة عنها مبكرا، وكان أول ما توقفنا عنده هو ظاهرة انتشار النقاب بين الممرضات فى عدد كبير من مستشفيات الدلتا.
وكان سر التوقف هو التعارض بين التمريض كمهنة تستلزم تواصلا إنسانيا بين الممرضة وبين المريض، فضلا عن التناقض بين النقاب كزى وبين اشتراطات النظافة فى الزى الذى يجب أن ترتديه الممرضة، ولم نجد بدا من أن نوجه أصابع الاتهام لوزارة الصحة وأن نتهمها بالتخاذل فى تطبيق اللوائح والقوانين المنظمة لطبيعة الزى الذى يجب أن ترتديه الممرضة، وبالطبع فلم يكن تخاذل وزارة الصحة وليد موافقة على النقاب أو رغبة فى انتشاره داخل المستشفيات بقدر ما كان خوفا من الدخول فى مواجهة مع تيار ضخم غير محدد الملامح يشبه قمة جبل الجليد الذى لا تظهر منه سوى القمة فقط، على أن أهم ما خرجت به التحقيقات السباقة لم يكن إجبار وزارة الصحة على تفعيل القرارات الخاصة بزى الممرضات ولا الصدى السياسى والثقافى والصحفى لما نشرناه ,ولكن كان الإحصاء البسيط الذى تضمنته التحقيقات والذى قال أن ما يقرب من 60٪ من عينة النساء المنقبات اللاتى التقتهن روز اليوسف قلن أنهن ارتدين النقاب تأثرا بدعاة الفضائيات السلفية مثل الناس والحكمة والرحمة.
فى حين قالت بقية المنقبات اللائى ينتمين للعينة نفسها أنهن ينتمين لقرى ينشط فيها الدعاة السلفيون المحليون عبر جمعيات خيرية ومساجد ومشروعات اجتماعية وأن ارتداءهن للنقاب جاء ضمن اتجاه جماعى لنساء القرى اللاتى ينتمين إليها، وبالطبع لم تكن ظاهرة النقاب خاصة بالممرضات فقط ولا الطالبات اللاتى يتظاهرن حتى الآن احتجاجا.
وكان من اللافت للنظر أيضا أن النقاب تحول من ظاهرة هامشية إلى ظاهرة عابرة للطبقات والشرائح الاجتماعية المختلفة، حيث ترتديه نساء من كل المستويات الاقتصادية والتعليمية ومن المحافظات إلى القاهرة كانت محطتنا التالية فى مسجد العزيز بالله فى منطقة الزيتون بشرق القاهرة والذى وصفناه بأنه مستعمرة سلفية فى قلب القاهرة وبالطبع كان النقاب هو الزى الرسمى لنساء المستعمرة اللاتى يعتبرن النقاب شرط الإسلام الصحيح ولا يرتحن لأى امرأة تنقبت خارج المستعمرة وهو ما كشفته محررتنا أسماء نصار من خلال مغامرة مثيرة ارتدت فيها النقاب وانضمت مؤقتا لنساء المستعمرة التى تحتوى نساء من كل الطبقات والشرائح الاجتماعية..
وإلى جانب فكرة الكشف الصحفى كنا مشغولين بالإضافة المعرفية عن النقاب فى ضوء حالة الفقر البحثى والمعلوماتى عن الظاهرة فى المجتمع وهو فقر ناتج عن سهو أو عن تواطؤ أو عن تقصير وخوف فى تتبع الأسباب الحقيقية للظاهرة والقوى والدول التى أدت لانتشارها بهذا الشكل فى مصر، وهكذا رصدنا تجربة أو مغامرة بحثية مهمة قامت بها عالمة الاجتماع المعروفة د.دلال البزرى حيث ارتدت النقاب وانضمت لمجتمع المنقبات لفترة وكانت خلاصة تجربتها المثيرة أن النساء فى مصر يرتدين النقاب بحثا عن مزيد من الحرية! حيث تستطيع المنقبة أن تقابل من تشاء وتفعل ما تشاء وتعود فى أى موعد وهى مطمئنة تماما أن أحدا لن يستبيحها أو يتدخل فى شئونها أو يتحرش بها، وهى نتيجة غريبة أضفت مزيدا من التعقيد على ظاهرة معقدة من الأساس.
ولم يكن غريبا أن نتوقف أمام ظاهرة فرعية للنقاب وإن كانت أكثر غلظة ولا إنسانية وهى ظاهرة إجبار الأطفال الإناث على ارتداء النقاب فى المدارس الابتدائية! وقد كان لما نشرناه رد فعل كبير على مستوى الجهات الداعمة للطفولة، لكن الظاهرة المركبة استمرت فى المدارس الابتدائية وفى المعاهد الأزهرية الابتدائية والإعدادية التى كنا أول من تنبه لحجم الظاهرة فيها قبل أن يتخذ شيخ الأزهر موقفه الأخير بعام ونصف على الأقل. وفى محاولة لفهم الأسباب الأعمق للظاهرة قدمنا تحقيقا مهما للغاية عن داعيات تحقير النساء أو عن الداعيات السلفيات اللائى ينتشرن فى القرى والأحياء الفقيرة ويشجعن النساء على قبول تعدد الزوجات وارتداء النقاب!
والحقيقة أن ما قدمناه كان أقرب لمشروع دراسة متكاملة لأى جهة بحثية مخلصة تحاول أن تدرس الظاهرة وأن تقف بوعى وفهم على أبعادها المختلفة، لكن لا المركز القومى للبحوث ولا أقسام الاجتماع فى الجامعات ولا حتى أمانة السياسات فى الحزب الوطنى اهتمت بدراسة ظاهرة مثل هذه يعنى تفاقمها خصم نصف طاقة المجتمع المصرى ويعنى انتشارها فى الشوارع إعلان نصف دولة دينية فى مصر.
إذا كان السؤال هو هل سيستمر انتشار النقاب بين النساء المصريات فى 2010؟ فالإجابة نعم سيستمر ونصف لأنه لاتوجد جهة واحدة أخذت على عاتقها فهم الظاهرة أو وضع خطة ثقافية أو اجتماعية لمواجهتها من جذورها أو تجفيف منابعها على حد التعبير الشهير الذى ذاع فى سنوات المواجهة مع التطرف، وستستمر الظاهرة لأن قرارات المنع الإدارى للمنقبات من السكن فى المدن الجامعية وأداء الامتحانات بالنقاب لن تحل المشكلة، بل ربما تفتح الباب لمزيد من المزايدات والإحساس بالاضطهاد من جانب والتصميم على فرض الهيبة من جانب آخر فى حين أن كلا الجانبين لايفهم الظاهرة موضوع الخلاف.
ولو تأملنا فى أحداث 2009 سنجد أن معركة النقاب كانت من أهم المعارك الدينية فى العام الماضى، ولكنها بقيت تتسم بسمتين هامتين أولاهما أنها بقيت معركة على المستوى الدينى فقط دون التطرق للجوانب الثقافية والاجتماعية، بل والسياسية للظاهرة.
وثانيها أنها مثل كثير من المعارك العادلة أديرت بأسوأ طريقة ممكنة، وقد بدأت الضجة فى شهر أكتوبر من العام الماضى حين واجه شيخ الأزهر تلميذة فى الصف الثانى الإعدادى ترتدى النقاب وطلب منها أن تخلعه واحتد عليها حين همت بمجادلته وقد وجدتها بعض الصحف فرصة للنيل من الإمام الأكبر باعتباره رمزا رسميا وتداعت فصول القصة ودخل على الخط نواب جماعة الإخوان بعدد من الأسئلة وطلبات الإحاطة وصدر من الرجل ما يشبه التراجع لكنه عاد وتدارك موقفه، وعلى المستوى الدينى الرسمى انتهى العام بموقف شبه جماعى لشيخ الأزهر ومفتى الجمهورية ووزير الأوقاف أعلنوا فيه أنهم يعتبرون أن النقاب عادة وليس عبادة، وتضامن معهم د.نصر فريد واصل مفتى الجمهورية الأسبق وعدد من رموز المؤسسة الدينية الرسمية،
أعلنوا كلهم بضمير مطمئن أن النقاب ليس فرضا على النساء المسلمات، وكان من اللافت للنظر ومن غير المستغرب لدى المتابعين أن المؤسسة الدينية الموازية أو المؤسسة الدينية السلفية انخرطت فى حرب ضروس ضد شيخ الأزهر والمفتى ووزير الأوقاف بسبب الموقف من النقاب، وأن دعاة هذه المؤسسة تجرؤا على ما يمكن تسميته بتسفيه وإهانة شيخ الأزهر والمفتى بشكل شخصى بعد أن أعلنا موقفهما الواضح من النقاب، وهو ما كان دعاة هذه المؤسسة السلفية يتجنبونه فى السابق بدافع من الحرج الناتج عن تبعيتهم الواضحة للمؤسسة الدينية السعودية، لكن الحرج زال وانطلق رموز هذه المؤسسة أمثال محمد حسان ومحمد حسين يعقوب، والحوينى، وعبدالله بدر، ومازن السرساوى وآخرين فى هجوم جارح ضد الشيخين بعد أن تجرآ واقتربا من موضوع النقاب، ولعل فى هذا ما يفسر سكوت الجميع عن الظاهرة لسنوات طويلة حتى استفحلت وانتشرت وغدت مشكلة اجتماعية وثقافية حقيقية تتصل بهوية المجتمع كله وليس بمحض سلوك شخصى للفتاة أو السيدة التى ترتدى النقاب.
على مستوى آخر وفى نفس الوقت الذى كانت فيه قضية النقاب تتداعى على المستوى الدينى جاءت قرارات إدارات المدن الجامعية للطالبات بمنع الطالبات من ارتداء النقاب داخل المدن الجامعية لاعتبارات تتعلق بضرورة التأكد من هويتهن وبعدم وجود داع لذلك مادامت المقيمات والمشرفات من السيدات لتثير ضجة أخرى وتصدر د.هانى هلال وزير التربية والتعليم المشهد، وهو نفس ما تكرر حين قرر منع الطالبات المنقبات من دخول لجان الامتحانات وهن يرتدين النقاب، لترد الطالبات المنقبات بسلسلة من التظاهرات التى حظيت بتغطية إعلامية مكثفة إن لم يكن بسبب أهمية الموضوع وتداخل ما هو دينى بما هو سياسى بما هو إنسانى، فبسبب جدة صورة المتظاهرات المنقبات على كاميرات التليفزيون.
ومرة أخرى بدا أن المعركة غير موفقة، حيث بدا أن ثمة سلطة غاشمة تمارس المنع والقهر ضد طالبات يتمسكن بما يتخيلن أنه صحيح الدين ولم ينتبه أحد إلى أن ثمة قواعد إدارية وقانونية ينبغى احترامها لأن احترام القانون ليس من الأشياء المتفق عليها بين جموع المصريين.
ولم ينقض العام إلا وكانت محكمة القضاء الإدارى تصدر حكمها برفض قرار وزير التعليم ورئيس جامعة عين شمس بعد السماح للطالبات المنقبات بدخول الجامعة وقالت المحكمة إن ارتداء النقاب يدخل ضمن الحرية الفردية والشخصية إذا لم يخل أو يتجاوز حدود القانون!، وهو ما أعاد المسألة لدائرة الجدل مرة أخرى، وأعطى الحكم ضمن إرهاصات أخرى مؤشرا واضحا على أن القضية لن تحسم خلال 2010 بل إن العام الجديد سيشهد مزيدا من الرواج للظاهرة وهذه هى الأسباب:
أولا: واحد من أهم أسباب انتشار النقاب فى مصر هى المؤسسة الدينية السلفية، وهى مؤسسة قادرة ومنتشرة ومسلحة بأدوات إعلامية ومادية وسياسية تجعل تأثيرها فى الشارع المصرى أضعاف أضعاف المؤسسة الدينية المصرية التى لاترى النقاب معبرا عن صحيح الدين.
ثانيا: تحظى هذه المؤسسة السلفية التى ترى نشر النقاب أهم أولوياتها بدعم سياسى وأمنى من فريق فى السلطة يرى أن عدم انشغال دعاتها بالسياسة بشكل مباشر مدعاة للتشجيع فى مواجهة جماعات وفرق الإسلام السياسى، فى حين أن ما تقوم به هذه المؤسسة هو عين العمل السياسى.
ثالثا: يدخل التعامل المصرى مع هذه المؤسسة ضمن تعقيدات أكبر هى تعقيدات العلاقات المصرية السعودية المتينة، حيث ينظر للسلفيين فى مصر على أنهم جزء من المؤسسة الدينية السعودية، وهو ما يجعل التعامل معها يتم بحرص وحذر بالغ.
رابعا: رغم أن المؤسسة الدينية السعودية والمجتمع السعودى يشهدان مزيدا من الانفتاح فى السنوات الأخيرة، إلا أن التعامل مع المؤسسة الدينية الموازية فى مصر يتم بنفس الطريقة القديمة بحيث يبدوا الأمر وكأنه تشدد هنا وانفتاح هناك.
خامسا: سينتشر النقاب أكثر فى عام ,2010 والأعوام التى تليه لأن ملف الهوية الاجتماعية والثقافية للمجتمع المصرى مازال تائها ما بين الأجهزة الأمنية التى أخذت على عاتقها التصدى للتنظيمات المسلحة، وما بين المجتمع المدنى والجهات الثقافية والسياسية التى يجب أن تعى أن الظاهرة تطورت، وأن لها أبعادا أخرى غير الأبعاد الأمنية وقرارات الحظر الإدارى.
سادساً: فى هذا الإطار يمكن القول أن الحزب الوطنى- فضلا عن بقية الأحزاب- يتعامل مع هذا الملف بخوف شديد يصل إلى حد الجبن والارتعاد، ويمكن القول بشكل عام أنه لايضع قضايا مثل الهوية الثقافية والحضارية للمجتمع ضمن جدول أولوياته مفضلا إعطاء الأولوية للقضايا الاقتصادية والسياسية المباشرة.
سابعا: سيستمر انتشار النقاب وتنتشر لأسباب مختلفة منها التعقيدات التى ألمت بالظاهرة نفسها، حيث تحول النقاب من زى هامشى ترتديه زوجات وبنات المنخرطين فى تنظيمات الجهاد والجماعة الإسلامية لزى شعبى عام، حيث كان ارتداء النقاب فى السبعينيات والثمانينيات يرتبط بأفكار معينة تعتنقها المرأة التى ترتديه، ومنها أن صوتها عورة وأن عمل المرأة حرام، وأن خروجها من المنزل غير مستحب، بمعنى أن النقاب كان متسقا مع نفسه وفكرته، لكن التطورات الاجتماعية وتطورات الظاهرة الإسلامية،
وانتشار فكرة الإيمان الفردى جعلت كثيرا من النساء العاملات يرتدين النقاب، وبعضهن يعملن فى مهن تقتضى التعامل مع الرجال الغرباء طوال الوقت، وأصبحت المنقبات يقدن السيارات، وأصبح النقاب أكثر عملية وباتت بعض النساء يعتقدن أن النقاب يحمى المرأة المنقبة بأكثر مما يفعل السفور، وأنه دليل تميز لها فى محيطها ودليل تدين ودليل شرف وعفة وثقة وحرية شخصية وموضة اجتماعية، وهى كلها تعقيدات تجعلنا نعتقد أن النقاب سينتشر أكثر فى عام 2010 والعام الذى يليه والذى يليه.. إلخ.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.