فى عصر تتسارع فيه الابتكارات الرقمية، أصبحت مواقع التواصل وتطبيقات الألعاب الإلكترونية جزءًا لا يتجزأ من حياة الملايين حول العالم. وهو ما أدى إلى تصاعد المخاوف العالمية بشأن تأثير هذه المنصات فى سلوك المستخدمين وتشكيل وعيهم، إلى جانب التحديات المرتبطة بحماية بياناتهم الشخصية. وفى ظل هذه المخاوف، تسعى الحكومات والمؤسسات الدولية إلى وضع قوانين لتنظيم عمل هذه المنصات والتطبيقات وتعزيز مسئوليتها. تصميم يسبب الإدمان وفى هذا الإطار، كثفت المفوضية الأوروبية رقابتها على شركات التكنولوجيا الكبرى، حيث أعلنت أن تطبيق «تيك توك» قد انتهك قانون الخدمات الرقمية بسبب تصميمه الذى يحتوى على ميزات تشجع على الاستخدام القهرى أى أن التطبيق ببساطة قد يسبب الإدمان لمستخدميه. وأوضحت المفوضية أن تصميم التطبيق يتضمن خصائص مثل التمرير اللامتناهى أو غير المحدود، والتشغيل التلقائى للفيديوهات، بالإضافة إلى الإشعارات المتكررة، ونظام التوصيات المخصص والذى يقدم للمستخدم محتوى يجذب انتباهه باستمرار بدلًا من منحه فترات توقف طبيعية. كل العناصر السابق ذكرها قد تدفع المستخدمين إلى سلوك قهرى وتؤثر فى صحتهم النفسية، خاصة الأطفال. وفى استجابة سريعة من جانب تطبيق تيك توك بدأ التطبيق فى عرض شاشة تنبيه للمستخدمين كل نصف ساعة، تحذرهم من اقتراب نفاد الوقت الذى يمكن تخصيصه لمشاهدة مقاطع الفيديو وتتضمن هذه الشاشة اقتراحات بسيطة لكنها مباشرة مثل: اشرب كوبا من الماء، قم ببعض التمارين الرياضية، أو خذ لحظة للتنفس بعمق. وعلى الرغم من كونها خطوة إيجابية إلا أن تأثيرها الفعلى محدود حيث يمكن للمستخدم تجاوز التنبيه والعودة إلى المشاهدة مجددا، لكنها فى الوقت نفسه خطوة تعكس محاولة واضحة من المنصة لإظهار قدر من المسئولية تجاه إدارة وقت المستخدمين والحد من الاستهلاك المفرط للمحتوى. تغيير التصميم أو دفع غرامة كما أظهرت التحقيقات الأولية للمفوضية أن تطبيق «تيك توك»، الذى يضم أكثر من مليار مستخدم حول العالم، لم يقم بتقييم كافٍ لكيفية تأثيره الإدمانى على الصحة البدنية والعقلية لمستخدميه، سواء القاصرين أو البالغين، مؤكدًة أن المنصة المملوكة للصين تتضمن بعض الخصائص فى التصميم تكافئ المستخدمين باستمرار بمحتوى جديد، ويغذى الرغبة فى مواصلة التصفح، مما يدفع أدمغة المستخدمين إلى ما وصفته ب»وضع الطيار الآلى». وتشير الأبحاث العلمية إلى أن الاستخدام المستمر للتطبيق قد يؤدى إلى سلوك قهرى كما يضعف قدرة المستخدمين على ضبط النفس، لذا طالبت المفوضية الأوروبية تطبيق «تيك توك» بضرورة تغيير «التصميم الأساسى» للمنصة. ومن جانبها، نفت إدارة «تيك توك» هذه الاتهامات، وقالت الشركة فى بيان لها: «إن النتائج الأولية للجنة تقدم صورة خاطئة تماماً ولا أساس لها من الصحة لمنصتنا، وسنتخذ كل الخطوات اللازمة للطعن فى هذه النتائج بكل الوسائل المتاحة لنا». يُذكر أنه فى حال إدانة المفوضية للتطبيق الصينى بانتهاك قانون الإعلانات الرقمية، قد يواجه «تيك توك»، الذى يحقق إيرادات تصل إلى 15 مليار دولار سنويًا، غرامة تصل إلى 6 % من إيراداته السنوية، وهو ما يعنى خسارة تقدر ب900 مليون دولار.وقد طالبت المفوضية التطبيق بإجراء تعديلات على الواجهة والشكل للتقليل من تأثيره الإدمانى ولوحت بالغرامة لكى تجبر التطبيق على اتخاذ الإجراءات المطلوبة. وبحسب ما ذكره « توماس رينييه» المتحدث باسم المفوضية الأوروبية، فإن التطبيق الصينى يضم 170 مليون مستخدم من دول الاتحاد الأوروبى معظمهم من الأطفال، مضيفًا أن 7 % من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و15 عامًا يقضون ما بين أربع وخمس ساعات يوميًا على «تيك توك»، كما أكد «رينييه» أن «تيك توك» هى المنصة الأكثر استخدامًا بعد منتصف الليل من قبل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و18 عاما، مشيرًا إلى «ان هذه الإحصائيات مثيرة للقلق للغاية». قضية فى أمريكا ضد «ميتا» المالكة ل«فيسبوك وانستجرام» ومن ناحية أخرى، أكدت صحيفة «جارديان» البريطانية أن عددًا كبيرًا من العائلات قد أقامت دعاوى قضائية اتهموا فيها شركة «ميتا» ومنصات أخرى من بينها تطبيق «يوتيوب»، بتطوير منتجات رقمية تعتمد على آليات جذب مستمرة بهدف إبقاء المستخدمين أطول فترة ممكنة. وتنظر المحكمة حاليًا قضية تخص شابة فى العشرين من عمرها تتهم «ميتا» بالتسبب فى تدهور حالتها النفسية خلال فترة المراهقة وإدمانها على السوشيال ميديا بفضل تلك الآليات الإدمانية. وخلال جلسات المحاكمة، نفى «آدم موسيرى» المدير التنفيذى لشركة «انستجرام» فكرة إدمان مستخدمى السوشيال ميديا، ودعا «موسيرى» إلى التفريق بين السلوك القهرى المرتبط بالإدمان كحالة مرضية وبين استخدام التطبيق لوقت أطول مما يرغب فيه المستخدم مشيرًا إلى أن الشركة تفضل استخدام مصطلح «الاستخدام المفرط» بدلًا من الإدمان. بينما اتهمت الأسر تطبيق «انستجرام» بالسعى وراء المكسب وتجاهل سلامة المستخدمين وأشاروا إلى أن استخدام المراهقين للفلاتر التى تشبه عمليات التجميل تجعل أبنائهم غير راضين عن نفسهم وتتسبب فى حالات اكتئاب. وجدير بالذكر، تعد هذه المحاكمة واحدة من القضايا التجريبية التى قد تحدد مستقبل مئات الدعاوى المشابهة المرفوعة ضد منصات ومواقع التواصل الاجتماعى وسط اتهامات بأنها تساهم فى تفاقم أزمات نفسية للمستخدمين خاصًة الشباب. ولم تقتصر إجراءات الاتحاد الأوروبى على التيك توك وحده، اذ وسع نطاق قواعده الرقمية الصارمة لتشمل جميع المنصات الإلكترونية، بما فى ذلك فيسبوك، وانستجرام، ويوتيوب، وأمازون، وويكيبيديا. ويفرض هذا القانون مجموعة من المتطلبات الصارمة المصممة لحماية مستخدمى الإنترنت، بما فى ذلك تسهيل الإبلاغ عن السلع المقلدة أو غير الآمنة، أو الإبلاغ عن المحتوى الضار أو غير القانونى مثل خطاب الكراهية، فضلاً عن حظر الإعلانات الموجهة للأطفال. ومن هنا يبرز السؤال حول مدى مسئولية الشركات المالكة لتطبيقات السوشيال ميديا عن تصميم تطبيقات آمنة وصحية إلى جانب توفير أدوات فعالة للحد من الاستخدام المفرط