يتسم الواقع السياسى المصرى بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير بأساليب وأدوات وممارسات سياسية عديدة لم يعتدها من قبل وربما لم يعتدها الواقع السياسى العربى ككل ويعود ذلك إلى أن هذا الواقع قد شهد قمعا سياسيا هائلا ولم يفكر حتى سياسيا لفترات زمنية طويلة. فقد كانت الممارسة السياسية ضعيفة ومحدودة وغالبا ما تتم وفقا لأهداف وتوجهات الحاكم ومدى انفتاحه السياسى.
ويمكن القول بأن الواقع السياسى المصرى قد تغير بشكل كبير قبل الثورة مع صعود الحركات السياسية المدنية المختلفة مثل حركة «كفاية» و«6 أبريل» و«كلنا خالد سعيد» وغيرها من الحركات النقابية السياسية والاجتماعية المختلفة. كما لا يمكن إنكار دور حركات الإسلام السياسى فى بعض المساهمات وإن كانت تتم فى إطار الأهداف الجامدة الضيقة الخاصة بها وليس المجتمعية الشاملة مثل الحركات المدنية. فالواضح أن ثمة تباينا فى المقصود بالممارسة السياسية بين التيارات المدنية والتيارات الدينية فالأولى حركية بالمعنى السياسى ومتعددة الوسائل والأساليب بل يمكن القول بأنها أكثر استنارة رغم التفكك والتضارب فيما بينها. أما الثانية فلا تعى من العمل السياسى شيئا سوى ما يتم التوجيه والأمر به من قبل قيادات الجماعة فهى جماعات منغلقة على ذاتها لا تعترف بالتعددية ولا الديموقراطية بل على العكس تراها هى متعارضة مع تفسيرها الضيق والمحدود للدين. وفى هذا السياق فاجأ التيار المدنى المصريين بما يعرف بحركة «تمرد» التى دعمها الكثير من المثقفين والنشطاء السياسيين المدنيين بل الفنانين أيضا لدرجة غير مسبوقة أرقت النظام السياسى فى مصر إلى الحد الذى دفع رئاسة الجمهورية لطلب تقارير أمنية عن هذه الحركة ومدى تأثيرها على الشارع المصرى، إضافة إلى إعلان جماعة الإخوان المسلمين عن طريق مكتب الإرشاد ضرورة مواجهة تلك الحملة وتشويهها إعلاميا. ولم تقتصر أوامر الإخوان على التشويه الإعلامى فقط بل فى ظل تمسك هؤلاء الشباب الواعى بمبدأهم وإصرارهم على تكملة المشوار للنهاية فقد تصاعدات حدة المواجهات بين النظام السياسى الحالى المتمثل فى جماعة الإخوان المسلمين وبين حركة تمرد الى المواجهات والاعتداءات، ففى سوهاج حرر أعضاء حملة «تمرد» عدة بلاغات ضد أعضاء وقيادات الإخوان بتهمة التعدى عليهم وحرر أحمد حسين مناع «14 سنة» محضراً رقم 63 جنح مركز طما يتهم فيه المدعو «هانى. ت» مدرس بالتعدى عليه بالضرب وإحداث عدة إصابات بأماكن متفرقة بالجسد بسبب توزيعه استمارات «تمرد». وبدأت نيابة طهطا تحقيقاتها فى بلاغ مقدم من فتحية إبراهيم أمينة المرأة بحزب التجمع بسوهاج ضد «محمد ع.أ» أحد المنتمين لتيار الإسلام السياسى تتهمه فيه بسبها ومحاولة التعدى عليها ب«شومة» أثناء جمعها توقيعات بميدان عبدالحميد جمعة. وفى الشرقية اتهم منسقو «تمرد» فى محضر رسمى أعضاء بجماعة الإخوان بالاعتداء عليهم أثناء جمعهم توقيعات المواطنين بمدينة فاقوس وقال أعضاء الحملة: إن شباب «الجماعة» اعتدوا عليهم بالضرب والسب ومزقوا الاستمارات مما أدى إلى إصابة أحمد محمد عزت عمر «28 عاما». عامل بمصنع «النساجون الشرقيون» بكدمات وسحجات بأماكن متفرقة بالجسم أثناء توقيعه استمارة سحب الثقة. وقال منسقو الحملة إنهم فوجئوا بتهديد «أيمن.ع» مدير العامل له بالفصل التعسفى فى حالة عدم تنازله عن المحضر. وفى البحيرة، حرر علاء عطية - منسق «تمرد» بمركز إيتاى البارود بالبحيرة - محضراً رقم 4632 إدارى مركز شرطة إيتاى البارود يتهم فيه مجهولاً بالاتصال به تليفونياً وتهديده بالقتل فى حال واصل جمع التوقيعات ومطالبته بالتوقف عن توزيع وجمع استمارات الحملة على أن يحصل منه على الاستمارات التى وقع عليها المواطنون مقابل مبالغ مالية. وهذه مجرد نماذج مما يحدث على أرض الواقع وهناك الكثير والكثير منها فإلى هذا الحد تقلق حركة «تمرد» النظام الحاكم إلى درجة التعدى على طفل والتهديد بالفصل لعامل والتهديد بالقتل لآخر وعرض رشاوى. رغم إن جماعة الإخوان والكثير من مؤيديهم من تيار الإسلام السياسى قد ملأوا الدنيا ضجيجا فى تقزيم وتتفيه وتقليل هذه الحملة فلماذا إذا كل هذا العنف؟ ولماذا كل هذا الخوف من الحملة أيضا؟ وما هى حركة «تمرد»؟ وما هى الأهداف الرامية إليها؟ ولماذا تقلق نظام الإخوان السياسى فى مصر؟ تهدف حركة «تمرد» التى تقودها مجموعة من النشطاء المصريين الشباب إلى جمع توقيعات من الشعب المصرى بما يتجاوز ما حصل عليه الرئيس محمد مرسى فى انتخابات الإعادة الماضية والتى أوصلته لسدة الحكم. ويستند الهدف السياسى لهذه الحملة على أساس ضغط سياسى معنوى فى أنه إذا ما تم الحصول على مثل هذا العدد من التوقيعات فإنه لابد من إجراء انتخابات رئاسية مبكرة لأن وجود الرئيس فى هذه الحالة يصبح غير شرعى فى ضوء تصاعد نسبة من يطالبون بتغييره ورفضه. نحن إذاً أمام أساليب جديدة مبتكرة ومتنوعة ومربكة للنظام السياسى الذى تقتصر حدود عقليته السياسية على غرف مكتب الإرشاد المغلقة وعلى قواعد السمع والطاعة فلم يحاول النظام السياسى فى مصر توسيع رقعة المشاركة السياسية أو الحوار مع هؤلاء الشباب وكسب ودهم سياسيا واجتماعيا لكنه آثر الطريق المختصر للتعامل السياسى القائم على القمع والقبض على النشطاء السياسيين من هنا وهناك. واللافت للنظر أن حركة «تمرد» أزعجت النظام بشكل كبير فبدأ حملته العبثية للقبض على النشطاء الذين يعملون من أجل جمع التوقيعات فى الجامعات والميادين وجميع مؤسسات الدولة المصرية. والملاحظ أن النظام السياسى لا يفكر فى شىء سوى القبض على النشطاء السياسيين ناسيا أن معظمهم من الشباب وأنهم هم من أنتجوا ثورة الخامس والعشرين من يناير قبل أن يفكر الإخوان وغيرهم من التيارات الدينية فى الانخراط فى الثورة وأحداثها. والغريب فى الأمر لمن يتابع حركة الحراك السياسى على الساحة المصرية أن بداية هذا الرفض الجارف من جانب فئات الشعب المصرى كان بسبب الإعلان الدستورى الذى أصدره رئيس الجمهورية فى نوفمبر 2012 والذى نزل الناس بعدها فى الشوراع وتحديدا عند قصر الاتحادية وما شهده هذا المكان من أعمال عنف وقتل للمتظاهرين على يد ميليشيات الإخوان وما تبع هذه الأحداث من أعمال عنف مفرط وقتل وتصفية للعديد من شباب المتظاهرين فخرج قيادات الجماعة وأنصارهم من تيار الإسلام السياسى يعلنون رفضهم لنزول الناس إلى الشارع ومطالبتهم بأن يكون التعبير عن الرأى تعبيرا سلميا لا أن يكون التعبير عن الرأى بإلقاء المولوتوف وأعمال التخريب للمنشآت العامة والخاصة. والغريب أيضا أن هناك الكثير من المصريين قد وافقوا على هذا الكلام، بل وصل الحال إلى تحميل المتظاهرين أنفسهم والذين نزلوا إلى الشارع من أجل الحفاظ على أهداف ثورتهم وعدم السماح لظهور فرعون جديد يحكم مصر بالإعلانات الدستورية المشبوهة. والأكثر غرابة هو مواجهة حركة تعلن عن جمع توقيعات بشكل سلمى وحضارى من المواطنين بعيدا عن استخدام العنف والمولوتوف بشكل عنيف جدا يجعلنا نستنتج أن النظام الحاكم فى مصر وأنصارهم من أنصاف المثقفين والمتعلمين وأصحاب العقول الفارغة لا يعترفون بالتعددية ولا بالديمقراطية ولا بالمولوتوف ولا حتى بالاستمارات لأننا وكما ذكرنا فى البداية لايعترفون بأساليب الممارسة الديمقراطية وإنما يقوم التنظيم عندهم على مبدأ السمع والطاعة فقط. فهل لا يعى النظام السياسى حجم التغيير الذى حدث فى مصر؟ وهل لا يعى النظام ذاته الذى وصل لسدة الحكم عن طريق المظاهرات والاعتصامات والشعارات وحملات الضغط المختلفة أنه لا بديل عن الحوار السياسى مع شركاء الوطن؟ أغلب الظن أن النظام السياسى فى مصر لا يعى قدرات هؤلاء الشباب الجدد ولا يعى طرق الضغط الجديدة وهو ما يجعله يتصور أن الحلول الأمنية هى أقصر الطرق لتثبيت قواعده وترسيخ حكمه للبلاد ونرى فى ذلك نفس أسلوب النظام السابق، حيث إنه كان يعتمد فى الماضى على القبضة الأمنية الغاشمة فى التعامل مع المشكلات ذات الطابع السياسى وبذلك يكون النظام الحالى قد فشل فى ابتكار أساليب جديدة فى التعامل مع مشكلاته وهذا الفشل يعود إلى عدم قدرته على احتواء كم الأفكار والتغيير الذى طرأ على المجتمع المصرى عقب قيام الثورة وهو أمر سوف يلعب دورا كبيرا فى إنجاح حركة «تمرد» وإشعال المزيد من حركات التمرد الأخرى.