الحكومة تقترض 17 مليار جنيه من البنوك اليوم    تهديد خطير من مستشار الأمن القومي الأمريكي لفنزويلا    هاري وميجان يصلان إلى الدار البيضاء في جولة بالمغرب    تحطم طائرة شحن أمريكية ومصرع 3 أشخاص    تأهل 11 لاعبة مصرية لدور ال32 ببطولة العالم للإسكواش    صور.. جلين كلوز تفوز بجائزة سبيريت لأفضل ممثلة قبل حفل جوائز الأوسكار    أبو ستيت: إطلاق الموقع الإلكتروني للإرشاد الزراعي قريبا    مختار نوح يكشف اعترافات أحد المتهمين في قضية النائب العام    متحدث التموين يحدد موعد قبول الفئات التي ترغب في الاستفادة من نظام الدعم    أكرم حسني ل محمد صلاح: شكرا على متابعة الوصية    ما حكم المصافحة بين المصلين بعد الصلاة مباشرة.. «الإفتاء» ترد    استشاري أمراض جلدية: لا يوجد علاج دوائي للصلع الوراثي    شاهد.. وصول بعثة الهلال السعودي إلى الإسكندرية    احمد الفولي : تنظيم مصر الدولية رسالة اطمئنان لدول العالم    علاء نبيل: قرار عدم مشاركة اللاعبين المعارين أمام أنديتهم بايخ    "تعليم شمال سيناء" تكرم المشاركين في حملة "أنا ضد التمييز"    كيم يستقل القطار إلى هانوي لحضور القمة مع ترامب    انتخابات نيجيريا.. 16 قتيلًا بأعمال عنف و"بوكو حرام" تهاجم الناخبين    خارجية النواب: الاستقرار وراء ما تجنيه مصر على مستوى العلاقات الدولية    جامعة الإسكندرية تختتم معسكر الموارد البشرية بمشاركة 200 طالب وطالبة    ضبط 66 من قائدى السيارات أثناء القيادة خلال 48 ساعة .. اعرف السبب    محافظ المنوفية يأمر بتشكيل فريق عمل لمتابعة انهيار مصنع قرية الكوم الأخضر    مصرع شخصين وإصابة 6 آخرين في انقلاب سيارة بالشرقية    أبرزهم رحيل مورينيو.. 3 أسباب قد تجعل صلاح يسجل في مرمى مانشستر يونايتد    خاص مصدر في اتحاد الكرة ل في الجول: لا تغيير في موعد لقاء الأهلي وبيراميدز    مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية يحقق توصيات وزيرة الثقافة    تركي آل الشيخ يكشف سبب عودته لملكية نادي بيراميدز    الأميرة "ريما" أول سفيرة للرياض بواشنطن    اليوم.. انطلاق الحملة القومية للتطعيم ضد شلل الأطفال    محمد برو الرئيس التنفيذى لبنك الإمارات دبى الوطنى: التكنولوجيا المالية تتصدر استراتيجية البنك للعام الحالى    المصرف المتحد يشارك فى مبادرة «رواد النيل»..    تأييد أحكام المتهمين بأحداث بولاق أبو العلا    مداهمة 77 بؤرة إجرامية وتأمين إزالة 4 آلاف تعد على أملاك الدولة    “المصري اليوم” تنشر دليل براءة شهداء هزلية “النائب العام”    بعد اكتشافه عيوباً إنشائية بإحدى مدارس طنطا..    المركز الإعلامى لمجلس الوزراء يرصد تطور علاقات التعاون العربية - الأوروبية    «طب القوات المسلحة» تستضيف امتحان الزمالة للباثولوجى    أستاذ علاقات دولية: مصر محور استقرار أوروبا    «قصة حب حزينة» فى عرض أوبرالى    تعرف على حظك في أبراج اليوم الأحد 24 فبراير 2019    أحمد أبو دياب الفائز بجائزة «الشارقة» فى القصة القصيرة: «الأهرام» اكتشفت موهبتى والفوز المبكر بالجائزة أسعدنى    احمد عاطف ممثلا إقليميا للاتحاد الافريقي للسينمائيين    عزاء مصطفى الشامي غدا بمصر الجديدة    بيان رسمي – بيراميدز يعلن عودة تركي آل الشيخ كمالك للنادي    "هذا نبينا ".. تبويب جديد للسيرة النبوية ل"إسلام الشافعي"    الفريق أول محمد زكى خلال تفقده وحدة التدريب الأساسى للمشاة: المنظومة التعليمية والتدريبية بالقوات المسلحة تخرج أجيالا قادرة على حماية الوطن    كل يوم    خالد الجندي: ننتظر كل البلايا من أجل وطن آمن    هل صلاة المرأة بدون جورب باطلة؟.. الإفتاء تجيب    «الزراعة» تتخلص من 1200 طن مخلفات مبيدات الشهر المقبل    «الإنتاج الحربى» يبحث تصدير التكنولوجيا الكورية للمنطقة    معسكر نظافة لطلاب بيطرى الوادى الجديد    شوقى: «التعليم الجديد» يفتح السوق أمام شركات التكنولوجيا    كرم جبر: السوشيال ميديا تبث الشائعات وتهدد وحدة الصف العربى    تناول الطعام فى أوقات الصلاة    «الإدارية العليا» تلزم التأمين الصحى بتوفير العلاج دون حد أقصى للتكلفة    93 ألف عملية جراحية منذ إطلاق المبادرة الرئاسية للقضاء على قوائم الانتظار    شاهد .. نصيحة أمين الفتوى لسيدة دائما ما تتهم زوجها بالخيانة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





في رحلته من الشك إلي الإيمان د. مصطفي محمود يكتب: الله
نشر في صباح الخير يوم 23 - 11 - 2010


د. مصطفي محمود
رسوم: محمد حجي
كان ذلك من زمن بعيد لست أذكره.. ربما كنت أدرج من الثالثة عشرة إلى الرابعة عشرة وربما قبل ذلك.. فى مطالع المراهقة.. حينما بدأت أتساءل فى تمرد:
- تقولون أن الله خلق الدنيا لأنه لابد لكل مخلوق من خالق ولابد لكل صنعة من صانع ولابد لكل وجود من موجد.. صدقنا وآمنا.. فلتقولوا لى إذن من خلق الله.. أم أنه جاء بذاته.. فإذا كان قد جاء بذاته وصح فى تصوركم أن يتم هذا الأمر.. فلماذا لا يصح فى تصوركم أيضًا أن الدنيا جاءت بذاتها بلا خالق.. وينتهى الإشكال.
كنت أقول هذا فتصفر من حولى الوجوه وتنطلق الألسن تمطرنى باللعنات وتتسابق إلى اللكمات عن يمين وشمال.. ويستغفر لى أصحاب القلوب النقية ويطلبون لى الهدى.. ويتبرأ منى المتزمتون ويجتمع حولى المتمردون.. فنغرق معا فى جدل لا ينتهى إلا ليبدأ ولا يبدأ إلا ليسترسل.
وتغيب عنى فى تلك الأيام الحقيقة الأولى وراء ذلك الجدل، أن زهوى بعقلى الذى بدأ يتفتح وإعجابى بموهبة الكلام ومقارعة الحجج التى انفردت بها.. كان هو الحافز دائمًا.. وكان هو المشجع.. وكان هو الدافع.. وليس البحث عن الحقيقة ولا كشف الصواب. لقد رفضت عبادة الله لأنى استغرقت فى عبادة نفسى وأعجبت بومضة النور التى بدأت تومض فى فكرى مع انفتاح الوعى وبداية الصحوة من مهد الطفولة.
كانت هذه هى الحالة النفسية وراء المشهد الجدلى الذى يتكرر كل يوم.
وغابت عنى أيضا أصول المنطق وأنا أعالج المنطق ولم أدرك أنى أتناقض مع نفسى إذ أعترف بالخالق، ثم أقول ومن خلق الخالق فأجعل منه خلوقًا فى الوقت الذى أسميه فيه خالقا وهى السفسطة بعينها.
ثم إن القول بسبب أول للوجود يقتضى أن يكون هذا السبب واجب الوجود فى ذاته وليس معتمدًا ولا محتاجًا لغيره لكى يوجد، أما أن يكون السبب فى حاجة إلى سبب فإن هذا يجعله واحدة من حلقات السببية ولا يجعل منه سببًا أول.
هذه هى أبعاد القضية الفلسفية التى انتهت بأرسطو إلى القول بالسبب الأول والمحرك الأول للوجود.
ولم تكن هذه الأبعاد واضحة فى ذهنى فى ذلك الحين.
ولم أكن قد عرفت بعد من هو أرسطو ولا ما هى القوانين الأولى للمنطق والجدل.
واحتاج الأمر إلى ثلاثين سنة من الغرق فى الكتب وآلاف الليالى من الخلوة والتأمل والحوار مع النفس وإعادة النظر ثم إعادة النظر فى إعادة النظر.. ثم تقليب الفكر على كل وجه لأقطع الطريق الشائكة من الله والإنسان إلى لغز الحياة إلى لغز الموت إلى ما أكتب اليوم من كلمات على درب اليقين.
لم يكن الأمر سهلاً.. لأنى لم أشأ أن آخذ الأمر مآخذًا سهلاً.
ولو أنى أصغيت إلى صوت الفطرة وتركت البداهة تقودنى لأعفيت نفسى من عناء الجدل.. ولقادتنى الفطرة إلى الله.. ولكنى جئت فى زمن تعقد فيه كل شىء وضعف صوت الفطرة حيث صار همسا وارتفع صوت العقل حتى صار لجاجة وغرورًا واعتدادًا.. والعقل معذور فى إسرافه إذ يرى نفسه واقفًا على هرم هائل من المنجزات وإذ يرى نفسه مانحًا للحضارة بما فيها من صناعة وكهرباء وصواريخ وطائرات وغواصات وإذ يرى نفسه قد اقتحم البر والبحر والجو والماء وما تحت الماء.
فتصور نفسه القادر على كل شىء وزج بنفسه فى كل شىء وأقام نفسه حكما على ما يعلم وما لا يعلم.
وغرقت فى مكتبة البلدية بطنطا وأنا صبى أقرأ لشبلى شميل وسلامة موسى وأتعرف على فرويد ودارون.
وشغفت بالكيميا والطبيعة والبيولوجيا.. وكان لى معمل صغير فى غرفتى أحضر فيه غاز ثانى أكسيد الكربون وثانى أكسيد الكبريت، وأقتل الصراصير بالكلور وأشرح فيه الضفادع.
وكانت الصيحة التى غمرت العالم هى.. العلم.. العلم.. العلم.. ولا شىء غير العلم. النظرة الموضوعية هى الطريق
لنرفض الغيبيات ولنكف عن إطلاق البخور وترديد الخرافات.
من يعطينا دبابات وطائرات ويأخذ منا الأديان والعبادات؟! وكان ما يصلنا من أنباء العلم الغربى باهرًا يخطف أبصارنا وكنا نأخذ عن الغرب كل شىء.. الكتب والدواء والملابس والمنسوجات والقاطرات والسيارات حتى الأطعمة المعلبة حتى قلم الرصاص والدبوس والأبرة حتى نظم التعليم وقوالب التأليف الأدبى من قصة ومسرحية ورواية حتى ورق الصحف. وحول أبطال الغرب وعبقرياته كنا ننسج أحلامنا ومثلنا العليا.. حول باستير وماركونى ورونتجن وأديسون.. وحول نابليون وإبراهام لنكولن.. وكريستوفر كولمبس وماجلان.
كان الغرب هو التقدم.
وكان الشرق العربى هو التخلف والضعف والتخاذل والانهيار تحت أقدام الاستعمار. وكان طبيعيًا أن نتصور أن كل ما يأتينا من الغرب هو النور والحق.. وهو السبيل إلى القوة والخلاص.
ودخلت كلية الطب لأتلقى العلوم بلغة إنجليزية وأدرس التشريح فى مراجع إنجليزية وأتكلم مع أساتذتى فى المستشفى باللغة الإنجليزية.. ليس لأن إنجلترا كانت تحتل القنال ولكن لسبب آخر مشروع وعادل.. هو أن علم الطب الحديث كان صناعة غربية تمامًا.. وما بدأه العرب فى هذه العلوم أيام ابن سينا كان مجرد أوليات لا تفى بحاجات العصر.
وقد التقط علماء الغرب الخيط من حيث انتهى ابن سينا والباحثون العرب ثم استأنفوا الطريق بإمكانيات متطورة ومعامل ومختبرات وملايين الجنيهات المرصودة للبحث فسبقوا الأولين من العرب والفرس والعجم وأقاموا صرح علم الطب الحديث والفسيولوجيا والتشريح والباثولوجيا وأصبحوا بحق مرجعا.
وتعلمت مع ما تعلمت فى كتب الطب.. النظرة العلمية.. وأنه لا يصح إقامة حكم بدون حيثيات من الواقع وشواهد من الحس.
وأن العلم يبدأ من المحسوس والمنظور والملموس وأن العلم ذاته هو عملية جمع شواهد واستخراج قوانين.
وما لا يقع تحت الحس فهو فى النظرة العلمية غير موجود.
وأن الغيب لا حساب له فى الحكم العلمى.
بهذا العقل العلمي المادى البحت بدأت رحلتى فى عالم العقيدة، وبالرغم من هذه الأرضية المادية وهذا الانطلاق من المحسوسات الذى ينكر كل ما هو غيب فإنى لم أستطع أن أنفى أو أستبعد القوة الإلهية.
كان العلم يقدم إلىّ صورة عن الكون بالغة الإحكام والانضباط.. كل شىء من ورقة الشجر إلى جناح الفراشة إلى ذرة الرمل فيها تناسق ونظام وجمال.
الكون كله مبنى وفق هندسة وقوانين دقيقة.
وكل شىء يتحرك بحساب من الذرة المتناهية فى الصغر إلى الفلك العظيم إلى الشمس وكواكبها إلى المجرة الهائلة التى تحوى أكثر من ألف مليون شمس.. إلى السماء المترامية التى يقول لنا الفلك أن فيها أكثر من ألف مليون مجرة.
كل هذا الوجود اللامتناهى من أصغر إلكترون، إلى أعظم جرم سماوى كنت أراه أشبه بمعزوفة متناسقة الأنغام مضبوطة التوزيع كل حركة فيها بمقدار.. أشبه بالبدن المتكامل الذى فيه روح.
كان العلم يمدنى بطريقة أتصور بها الله بطريقة مادية.
وفى هذه الرحلة تصورت أن الله هو الطاقة الباطنة فى الكون التى تنظمه فى منظومات جميلة من أحياء وجمادات وأراض وسماوات، هو الحركة التى كشفها العلم فى الذرة وفى البروتوبلازم وفى الأفلاك، هو الحيوية الخالقة الباطنة فى كل شىء.. أو بعبارة القديس توماس.. الفعل الخاص الذى ظل يتحول فى الميكروب حتى أصبح إنسانًا ومازال يتحول، وسيظل يتحول إلى مالا نهاية.
والوجود كان فى تصورى لا محدودًا لا نهائيًا، إذ لا يمكن أن يحد الوجود إلا العدم.. والعدم معدوم.. ومن هنا يلزم منطقيًا أن يكون الوجود غير محدود ولا نهائى.
ولا يصح أن نسأل.. من الذى خلق الكون.. إذ أن السؤال يستتبع أن الكون كان معدومًا فى البداية ثم وجد.. وكيف يكون لمعدوم كيان.
إن العدم معدوم فى الزمان والمكان وساقط فى حساب الكلام ولا يصح القول بأنه كان. وبهذا جعلت من الوجود حدثًا قديمًا أبديًا أزليًا مبتدأ فى الزمان لا حدود له ولا نهاية. وأصبح الله فى هذه النظرة هو الكل ونحن تجلياته.
الله هو الوجود.. والعدم قبله معدوم.
هو الوجود المادى الممتد أزلا وأبدًا بلا بدء وبلا نهاية.
وهكذا أقمت لنفسى نظرية تكتفى بالموجود.. وترى أن الله هو الوجود.. دون حاجة إلى افتراض الغيب والمغيبات.. ودون حاجة إلى التماس اللامنظور.
وبذلك وقعت فى أسر فكرة وحدة الوجود الهندية وفلسفة سبينوزا.. وفكرة برجسون عن الطاقة الباطنة الخلاقة وكلها فلسفات تبدأ من الأرض.. من الحواس الخمس.. ولا تعترف بالمغيبات.
ووحدة الوجود الهندية تمضى إلى أكثر من ذلك فتلغى الثنائية بين المخلوق والخالق.. فكل المخلوقات فى نظرها هى تجليات الخالق.
وفى سفر اليوبانيشاد صلاة هندية قديمة تشرح هذا المعنى فى أبيات رقيقة من الشعر. إن الإله يراهما الذى يسكن قلب العالم يتحدث فى همس قائلاً:
إذا ظن القاتل أنه قاتل
والمقتول أنه قتيل
فليسا يدريان ما خفى من أساليبى
حيث أكون الصدر لمن يموت
والسلاح لمن يقتل
والجناح لمن يطير
وحيث أكون لمن يشك فى وجودى
كل شىء حتى الشك نفسه
وحيث أكون أنا الواحد
وأنا الأشياء
إنه إله يشبه النور الأبيض.. واحد.. وبسيط.. ولكنه يحتوى فى داخله على ألوان الطيف السبعة.
وعشت سنوات فى هذا الضباب الهندى وهذه الماريجوانا الصوفية ومارست اليوجا وقرأتها فى أصولها وتلقيت تعاليمها على أيدى أساتذة هنود، وسيطرت على فكرة التناسخ مدة طويلة وظهرت فى روايات لى مثل العنكبوت والخروج من التابوت.
ثم بدأت أفيق على حالة من عدم الرضى وعدم الاقتناع.
واعترفت بينى وبين نفسى أن هذه الفكرة عن الله فيها الكثير من الخلط.
ومرة أخرى كان العلم هو دليلى ومنقذى ومرشدى.
عكوفى على العلم وعلى الشريعة الحية تحت الميكروسكوب قال لى شيئًا آخر.
وحدة الوجود الهندية هى عبارة شعرية صوفية.. ولكنها غير صادقة.. والحقيقة المؤكدة التى يقولها العلم أن هناك وحدة فى الخامة لا أكثر.. وحدة فى النسيج والسنن الأولية والقوانين.. وحدة فى المادة الأولية التى بنى منها كل شىء.. فكل الحياة من نبات وحيوان وإنسان بنيت من تواليف الكربون مع الأيدروجين والأكسجين.. ولهذا تتحول كلها إلى فحم بالاحتراق.. وكل صنوف الحياة تقوم على الخلية الواحدة ومضاعفاتها.
ومرة أخرى نتعلم من الفلك والكيمياء والعلوم النووية أن الكربون ذاته وكذلك جميع العناصر المختلفة جاءت من طبخ عنصر واحد فى باطن الأفران النجمية الهائلة هو الأيدروجين.
الأيدروجين يتحول فى باطن الأفران النجمية إلى هليوم وكربون وسليكون وكوبالت ونيكل وحديد إلى آخر قائمة العناصر وذلك بتفكيكه وإعادة تركيبه فى درجات حرارة وضغوط هائلة.
وهذا يرد جميع صنوف الموجودات إلى خامة واحدة.. إلى فتلة واحدة حريرية غزل منها الكون فى تفصيلات وتصميمات وطرز مختلفة.
والخلاف بين صنف وصنف وبين مخلوق ومخلوق هو خلاف فى العلاقات الكيفية والكمية.. فى المعادلة والشفرة التكوينية.. لكن الخامة واحدة.. وهذا سر الشعور بالنسب والقرابة والمصاهرة وصلة الرحم بين الإنسان والحيوان وبين الوحش ومروضه وبين الأنف التى تشم والزهرة العاطرة وبين العين ومنظر الغروب الجميل.
هذا هو سر الهارمونى والانسجام.
إن كل الوجود أفراد أسرة واحدة من رب واحد، وهو أمر لا يستتبع أبدًا أن نقول إن الله هو الوجود، وأن الخالق هو المخلوق فهذا خلط صوفى غير وارد.
والأمر شبيه بحالة الناقد الذواقة الذى دخل معرضًا للرسم فاكتشف وحدة فنية بين جميع اللوحات.. واكتشف أنها جميعًا مرسومة على نفس الخامة، وبذات المجموعة الواحدة من الألوان، والأكثر من هذا أن أسلوب الرسم واحد.
والنتيجة الطبيعية أن يقفز إلى ذهن الناقد أن خالق جميع هذه اللوحات واحد، وأن الرسام هو بيكاسو أو شاجال أو موديليانى.. مثلاً.. فالوحدة بين الموجودات تعنى وحدة الخالق.. ولكنها لا تعنى أبداً أن هذه الموجودات هى ذاتها الخالق.
ولا يقول الناقد أبدًا أن هذه الرسوم هى الرسام.
إن وحدة الوجود الهندية شطحة صوفية خرافية.. وهى تبسيط وجدانى لا يصادق عليه العلم ولا يرتاح إليه العقل.
وإنما تقول النظرة العلمية المتأملة لظواهر الخلق والمخلوقات أن هناك وحدة بينها.. وحدة أسلوب ووحدة قوانين ووحدة خامات تعنى جميعها أن خالقها واحد لم يشرك معه شريكا ولم يسمح بأسلوب غير أسلوبه.
وتقول لنا أيضًا إن هذا الخالق هو عقل كلى شامل ومحيط يلهم مخلوقاته ويهديها فى رحلة تطورها ويسلحها بوسائل البقاء فهو يخلق لبذور الأشجار الصحراوية أجنحة لتستطيع أن تعبر الصحارى الجرداء بحثًا عن ماء وعن ظروف إنبات مواتية.
وهو يزود بيضة البعوضة بكيسين للطفو لتطفو على الماء لحظة وضعها ولا تغرق.
وما كان من الممكن للبعوض أن تدرك قوانين أرشميدس للطفو فتصنع لبيضها تلك الأكياس. وإنما هو العقل الكلى الشامل المحيط الذى خلق.. هو الذى يزود كل مخلوق بأسباب حياته.. وهو خالق متعال على مخلوقاته، يعلم ما لا تعلم ويقدر على ما لا تقدر ويرى ما لا ترى.
فهو واحد أحد قادر عالم محيط سميع بصير خبير.. وهو متعال يعطى الصفات ولا تحيط به صفات.
والصلة دائمًا معقودة بين هذا الخالق ومخلوقاته فهو أقرب إليها من دمها الذى يجرى فيها.
وهو المبدع الذى عزف بإبداع هذه المعزوفة الكونية الرائعة.
وهو العادل الذى أحكم قوانينها وأقامها على نواميس دقيقة لا تخطئ.
وهكذا قدم لى العلم الفكرة الكاملة عن الله.
أما القول بأزلية الوجود لأن العدم معدوم والوجود موجود فهو جدل لفظى لا يقوم إلا على اللعب بالألفاظ.
والعدم فى واقع الأمر غير معدوم وقيام العدم فى التصور والفكر ينفى كونه معدومًا.
والعدم هو على الأكثر نفى لما نعلم ولكنه ليس نفيًا مطلقًا مساويًا للمحو المطلق، وفكرة العدم المطلق فرضية مثل فرضية الصفر الرياضى.. ولا يصح الخلط بين الافتراض والواقع، ولا يصح تحميل الوجود فرضًا نظريًا، فنقول اعتسافًا أن العدم معدوم، ونعتبر أن هذا الكلام قضية وجودية نبنى عليها أحكامًا فى الواقع.. هذا تناقض صريح وسفسطة جدلية.
والكون إذن ليس أزليًا.. وإنما هو كون مخلوق بعد بدء بدليل آخر من قاموس العلم هو ما يعرف باسم «القانون الثانى للحرارة الديناميكية.
ويقرر هذا القانون أن الحرارة تنتقل من الساخن إلى البارد.. من الحرارة الأعلى إلى الحرارة الأدنى حتى يتعادل المستويان فيتوقف التبادل الحرارى.
ولو كان الوجود أبديًا أزليًا بدون ابتداء لكان التبادل الحرارى قد توقف فى تلك الآباد الطويلة المتاحة وبالتالى لتوقف كل صور الحياة.. ولبردت النجوم وصارت بدرجة حرارة الصقيع والخواء حولها وانتهى كل شىء.
إن هذا القانون هو ذاته دليل على أن الكون كان له بدء.
والقيامة الصغرى التى نراها حولنا فى موت الحضارات وموت الأفراد وموت النجوم وموت الحيوان والنبات وتناهى اللحظات والحقب والدهور هى لمحة أخرى تدلنا على القيامة الكبرى التى لابد أن ينتهى إليها الكون.
إن العلم الحق لم يكن أبدًا مناقضًا للدين بل إنه دال عليه مؤكد لمعناه.
وإنما نصف العلم هو الذى يوقع العقل فى الشبهة والشك.. خاصة إذا كان ذلك العقل مزهوًا بنفسه معتدًا بعقلانيته.. وخاصة إذا دارت المعركة فى عصر يتصور فيه العقل أنه كل شىء.. وإذا حاصرت الإنسان شواهد حضارة مادية صارخة تزأر فيها الطائرات وسفن الفضاء والأقمار الصناعية.. هاتفة كل لحظة.أنا المادة.. أنا كل شىء.
د. مصطفي محمود
رحلتي من الشك إلي الإيمان 1970


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.