لكل إنسان ظروف نفسية واجتماعية نشأ فيها دون اختيار بطبيعة الحال، وأصبح لها تأثير عميق فى تكوينه الثقافى بطريقة أو بأخرى، وقد تتشابه تلك الظروف بين عدد من الأشخاص، لكن تأثيرها يختلف من فرد لآخر بناء على عوامل أخرى خارجة عن إرادة كل فرد، ومن هنا يأتى التباين والاختلاف بين الناس فى نمط الحياة والموقف إزاء التصرفات والأفعال. وعندما يتصرف إنسان ما تصرفًا معينًا يدفع الآخرين للتساؤل والاستفسار عن أسباب هذا التصرف تجده يقول للسائل: ظروفى كده.. هى التى فرضت علىَّ اتخاذ هذا التصرف.. إلخ، ومن هنا جاءت المقولة الرائعة: «إن الإنسان ابن ظروفه». وعلى هذا الأساس، نستطيع أن نفهم تكوين جمال عبدالناصر فى مرحلتى الطفولة والصبا، من خلال الظروف التى مر بها، والتى رسخت فى نفسه كثيرًا من المواقف التى اتخذها عندما أصبح كبيرًا، وشاءت الظروف أن تجعله يقود ثورة فى بلده ضد الحكم القائم، وعندما أصبحت له سلطة اتخاذ القرار نجد أن كثيرًا من تلك القرارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التى اتخذها، تبلورت من خلال التكوين الثقافى له فى مرحلتى الطفولة والصبا. ولد جمال عبدالناصر فى حى باكوس بالإسكندرية فى الخامس عشر من يناير 1918 حيث كان والده يعمل فى مكتب بريد الحى، وقد آثر الوالد أن يسجل مولد ابنه جمال فى قريته «بنى مر» بأسيوط فى صعيد مصر حفاظًا على وحدة أصول العائلة وحتى ينسب الوليد إلى الصعيد فيقال له «صعيدى». ونظرًا لطبيعة عمل والده من حيث التنقل بين مكاتب البريد من مكان لمكان، وحرصًا من والده عليه من محنة الشتات بين مختلف الأمكنة، أرسله إلى عمه خليل حسين الذى كان يعيش فى حى الجمالية بالقاهرة (القاهرة الفاطمية)، حيث يسكن فى هذا الحى نفر من التجار والحرفيين والمهنيين، فبدأ جمال يشعر ببعض الاغتراب للبعد عن الأسرة، فكان لهذا تأثيره من حيث الابتعاد والانزواء والتأمل فى ظروف الحياة. وعندما التحق بالمدرسة الابتدائية ماتت أمه فى عام 1926 وهو فى الثامنة من عمره فعرف معنى الصدمة النفسية ومعنى الحرمان من عطف الأم وحنانها، وعندما نقل والده إلى الإسكندرية مرة أخرى فى عام 1929-1930 بعد ثمانى سنوات من العمل فى البحيرة، عاد جمال إلى الإسكندرية. فى تلك الأثناء كانت مصر تحت الحماية البريطانية منذ نوفمبر 1914 وقامت ثورة مارس 1919 تطالب بالاستقلال التام، لكن انتهى الأمر إلى نفى زعماء الثورة وإعلان تصريح 28 فبراير 1922 بأن مصر مملكة مستقلة ذات سيادة مع بقائها تحت الحماية البريطانية، ومن باب تأكيد قيام مملكة مستقلة بدأت الدعوة لوضع دستور لهذه المملكة، فكان دستور عام 1923 الذى نص على أن نظام الحكم فى مصر ملكية وراثية، وكان واضعو الدستور قد اقترحوا النص على أن: «الملك يملك ولا يحكم» أسوة بملك إنجلترا. لكن الملك فؤاد اعترض على هذا النص فتم تعديله ليصبح: «الملك يملك ويحكم بواسطة وزرائه»، فأصبح جزءًا من السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وما إن أصبح إسماعيل صدقى رجل الأعمال ورئيس اتحاد الصناعات المصرية رئيسًا للحكومة فى عام 1930 بادر بإجراء تعديل لدستور 1923 لكى يعطى للملك سلطات مطلقة أكبر. وكان دستور 1923 ينص على أن مشروع القانون الذى يوافق عليه البرلمان يرسل للحكومة لتقوم بإعداد مشروع القانون التنفيذى، وترسله إلى الملك للتصديق عليه، فإذا لم يعترض الملك عليه بدرجة أو بأخرى، ولم يرد إلى الحكومة يعتبر نافذًا. وجاء إسماعيل صدقى فى التعديل الذى أدخله على الدستور ليشترط موافقة الملك على أى قانون تنوى إصداره الحكومة، فأصبح للملك سلطة مطلقة خارج الدستور. وبناء على تصرفات إسماعيل صدقى، اندلعت مظاهرات الاحتجاج فى القاهرةوالإسكندرية واشترك فيها جمال الذى كان يتابع الأخبار فى الصحف وهو فى المنزل، فضلاً عن تأثير مدرس اللغة العربية فى المدرسة الذى كان يتحدث إلى تلاميذه عن «الروح القومية»، وفى إحدى هذه المظاهرات تعرض التلميذ جمال وعمره اثنا عشر عامًا إلى ضربات رجال البوليس حتى لقد سالت الدماء من وجهه. مدرس اللغة العربية محمد أحمد القورانى
ولقد بلغ تأثير مدرس اللغة العربية «محمد أحمد القورانى» على جمال تأثيرًا كبيرًا فى حديثه عن الروح القومية حتى لقد أرسل ناصر إليه خطابًا بعد أن أصبح رئيسًا للجمهورية تحية وإجلالاً. وانصرف التلميذ جمال عبدالناصر للقراءة فى كتب مكتبة والده الصغيرة بمنزلهم بالإسكندرية وخاصة فى التاريخ، وهى رغبة لازمته حتى عندما أصبح طالبًا فى الكلية الحربية فيما بعد، بل بعد تخرجه، حتى إن أحد الكتاب الإنجليز عندما أراد أن يكتب كتابًا عن جمال عبد الناصر جاء إلى مكتبة الكلية الحربية ليطلع على سجل إعارة الكتب للطلاب، فقرأ عناوين الكتب التى كان يستعيرها جمال فوجدها فى السياسة والتاريخ والاقتصاد والعلاقات الدولية.
خطاب بدلاً من التظاهر
ولما سقطت حكومة إسماعيل صدقى فى عام 1933 انتقل جمال مع والده إلى حى الجمالية من جديد، حيث تولى والده إدارة مكتب البريد هناك فاصطحب معه مكتبة والده ليستمر فى القراءة، ولما تجددت المظاهرات فى نوفمبر عام 1935 ابتهاجًا بعودة دستور 1923 وخروج إسماعيل صدقى من الحكم، وكان جمال فى السابعة عشر من العمر، لم يشترك فى تلك المظاهرات، بل لقد كتب خطابًا إلى أحد زملائه بالمدرسة يقول له: أين هم أولئك الذين وهبوا حياتهم من أجل تحرير البلاد..؟.. أين الكرامة..؟ ..أين الشباب المتحمس..؟.. إن الأمة قد أصابتها غفلة شديدة كغفلة أهل الكهف.. من يستطيع أن ينهض هؤلاء المساكين الذين استغرقوا فى النوم وفقدوا وعيهم؟.. إن المصريين فى أشد الحاجة إلى زعيم.. لقد قال مصطفى كامل: فليغير قلبى مكانه، وأنت أيتها الأهرامات انتقلى من مكانك، وأنت يا نهر النيل اعكس مجراك.. أما أنا فلن أتنازل عن مبادئى.. سوف نوقظ الأمة ونبتعث الطاقات المخبأة فى قلوب الناس .. يا أخى سأنتظرك فى منزلى يوم 4 سبتمبر 1935 فى الساعة الرابعة وسوف نستأنف هذا الحديث. وعندما استؤنفت المظاهرات احتفاء بإعادة العمل بدستور 1923 صرح المندوب السامى البريطانى منتقدًا المتظاهرين قائلاً: إن الدستور ثوب فضفاض ولا يتناسب مع المصريين. وكانت تلك إهانة بالغة، فاندفع طلاب المدارس فى مظاهرات صاخبة، وكان جمال ضمن المتظاهرين، وفتح رجال البوليس النار على المتظاهرين فسقط كثير من الجرحى وأطلق ضابط إنجليزى النار على قائد المظاهرة جمال عبدالناصر، لكنه نجا بأعجوبة من الموت إذ كان قد تحرك دون قصد فمست الرصاصة رأسه مسًا سطحيًا.
حين ضاعت صيحات المتظاهرين
وبناء على شدة المظاهرات قررت السلطات البريطانية فى مصر إعادة العمل بدستور 1923، فاندلعت المظاهرات تطالب الإنجليز بالمزيد من التنازلات لصالح الوطن ولا شىء غير الجلاء، وقامت معارك فى الجامعات بين الطلاب على أساس مختلف انتماءاتهم الحزبية من حيث تحديد المطالب، فابتسم الإنجليز فرحًا، لأن سياستهم فى إيقاع الفرقة قد نجحت. وقد وصف جمال عبدالناصر مشاعره الحزينة فى تلك الأيام فى خطاب قصير لأحد أصدقائه قال فيه: كنت على رأس المتظاهرين، وكنا نصرخ بكل قوتنا ليعيش الاستقلال التام، لكن ضاعت صيحاتنا الحادة فى الفتور واللامبالاة العامة. وآنذاك كان فى السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية، وبعدها يلتحق بالجامعة، لكنه من واقع التجربة التى مر بها، والتكوين الثقافى، لم يفكر فى الالتحاق بمدرسة البوليس لأنه رأى رجال البوليس يتصدون للمتظاهرين وفكر فى التقدم للكلية الحربية لأن الجيش مهمته الدفاع عن الوطن وقد كان. وتلك مرحلة أخرى تالية لمرحلة التكوين الأساسى زمن الطفولة والصبا، ولقد ظلت معالم ذلك التكوين كما رأيناها ملازمة لجمال عبدالناصر طوال مرحلة التلمذة، إلى أن أصبح ضابطًا فى الجيش المصرى، حتى جاءت الفرصة فى القيام بالثورة على النظام الملكى، بكل ما يحمله من حزبية وتفاوت طبقى وخضوع لسلطة الإنجليز، ليصبح المصريون كل واحدًا وتصبح مصر وطنًا لجميع المصريين.