مرة أخرى إرهاب. ومرة أخرى دماء أبرياء تسال على الأرض. كأن هذه الدولة مكتوب على جبينها الحزن. ومكتوب على خريطتها الألم. لكن الشعب هذه المرة وكعادته أعطى للعالم درسا. انقضوا على القاتل الإرهابى ومعهم أفراد الشرطة وطرحوه أرضا. رغم الألم ورغم دم الشهداء إلا أننا لا بد أن نفخر بالملحمة البطولية التى تمت فى حلوان أمام كنيسة مارمينا. تكاتف الشعب والشرطة. ولم يخافوا الموت وهو فى يد موتور مأجور مغيب عن الوعي. ما تم فى حادث حلوان هو أبلغ رد على القوى الغربية بزعامة الأمريكان. لن يكون فى مصر فتنة طائفية أبدا. ولن يسمح أقباط مصر بتدخل قوى خارجية لحمايتهم. إنه مخطط كبير. لكنه سيفشل على أرض مصر. ولكى نحلل ما حدث. علينا أن نربط الأحداث بعضها ببعض لنصل إلى الحقيقة الكاملة. فخطط استغلال أقباط مصر قديمة. وكلما أطفأت الدولة نار الفتنة. ظهر من يحاول إشعالها من جديد. لن تكون حادثة حلوان الأخيرة. لكننا صامدون. فقد كانت البداية القريبة هو وصول السفير الأمريكى ستيفن بيكروفت إلى القاهرة. وهو الرجل المتخصص فى إشعال الفتنة الطائفية ما بين المسلمين والمسيحيين فى العالم العربي. وأشرف بنفسه على ترحيل 150 ألف مسيحى من العراق إلى دولة السويد عندما كان سفيرا لبلاده فى بغداد. وكان مجيئه إلى مصر نذير شؤم على الأمة كلها لما يتمتع به من دهاء فى ملف مسيحيى الشرق الأوسط. حادثة أطفيح الأسبوع قبل الماضى لم تكن صدفة. توقيتها والغرض منها وتسويقها إعلاميا كان مدروسا بعناية. فقد قام الكونجرس الأمريكى على الفور بعد الحادث بتقديم مشروع القرار الذى قدمه 6 أعضاء من الحزبين الجمهورى والديموقراطى، بعنوان «القلق من ازدياد الهجمات الإرهابية على المسيحيين فى مصر»، مطالبا بربط المعونة باتخاذ مصر خطوات لضمان المساواة وإنهاء تهميش المسيحيين فى المجتمع المصري. حيث يشير القرار إلى أن «المسيحيين يواجهون تمييزا شديدا فى كل من القطاعين العام والخاص، بما فى ذلك المستويات العليا فى دوائر الاستخبارات والدفاع والشئون الخارجية والأمن»، وأن «التعصب النظامى والانقسامات الطائفية طويلة الأمد جعلت المسيحيين مواطنين من الدرجة الثانية». ويوضح القرار أن «الأقباط كانوا ضحايا العديد من الهجمات الإرهابية من قبل جماعات إرهابية، فضلا عن أحداث القتل الطائفية، خاصة فى الصعيد». هذا ما سيناقشه الكونجرس الأمريكى فى الأيام القادمة. كأن الأمريكان مهمومون بآلام المسيح وآلام شعوب العالم. وكأنهم حامى حمى الأقليات وعلى أرضهم تدور حروب شوارع ضد التمييز العنصرى ما بين البيض والسود. قرار الكونجرس كان أحد أهدافه هو الرد على موقف مصر فى الأممالمتحدة من قرار ترامب بنقل سفارة بلاده إلى القدس وتصويتها ضد قرار واشنطن. وقد صرح رئيسهم علنا بفرض عقوبات على كل دولة تصوت ضد القرار. وبدأت بمصر فى شئونها الداخلية. لكن كان رد البابا تواضروس حازما وواضحا على مشروع الكونجرس. حيث قال إن الأقباط فى مصر لا يستقوون بالغرب بل بالله فى المقام الأول والأشقاء فى الوحدة المسلمين. وهو ما أخمد نار فتنة حادث أطفيح. وهو ما جعل قرار الكونجرس بلا مبرر طالما كان رد بابا الأقباط رافضا لسعيهم للتدخل لحماية الأقباط فى مصر. وما إن مر أسبوع من رد البابا حتى تم حادث حلوان اللعين يوم الجمعة الماضي. لتصرخ الصحف الغربيةوالأمريكية وتبدأ مدافع الصحف والإعلام فى اتهام الإدارة المصرية بأن المسيحيين فى مصر يقتلون فى الشوارع أثناء الاحتفال بعيدهم. والدولة عاجزة عن حمايتهم. وهو مبرر قوى لتدخل الأمريكان فى الشئون المصرية بحجة حماية الأقباط من القتل فى الشوارع. ولتفعيل قرار الكونجرس الذى أبطل بابا الأقباط مفعوله. لم يكن رد البابا تواضروس هو الوحيد الذى أوجع الأمريكان. بل كان رفضه مقابلة نائب الرئيس الأمريكى مايك بنس، خلال زيارة الأخير المقررة لمصر، بعد اعتراف واشنطنبالقدس عاصمة لإسرائيل، حيث كان من المقرر فى المقابلة مناقشة أوضاع الأقباط فى مصر، كان رفض البابا للمقابلة ردا آخر على رفض الكنيسة المصرية لقرارات الولاياتالمتحدة تجاه الشرق الأوسط بشكل عام وللقضية الفلسطينية بشكل خاص. وهو ما أهان الإمبراطور الأمريكي. فقد اعتادوا على الغطرسة فى التعامل مع الدول. ونسوا أن للدول كرامة وللشعوب إرادة. وكان ردهم واضحا فى حادث حلوان أمام كنيسة مارمينا. الأمر إذن لم يكن صدفة. بل هناك خطط وخطط بديلة للضغط على مصر. إنهم يريدون النيل من مصر ومن نظامها السياسي. ويريدون فرض عقوبات شاملة لتحرك مصر خارجيا بعيدا عن الدوران فى الفلك الأمريكي. وكان الاتفاق الأخير الذى عقدته مصر مع الروس فى الملف النووى وفى فتح المجال الجوى المصرى للروس وفتح المجال الجوى الروسى لمصر اتفاقا لم يرق إلى الإمبراطور الأمريكي. إنها حزمة عقوبات تريد الولاياتالمتحدة تنفيذها على مصر لأنها خرجت من مجرة شمس الإمبراطورية. وبحثت عن أفق جديدة وفقا لمصالحها بعيدا عن الإملاءات الأمريكية المعتادة. فهم يعرفون خطورة مصر ويعرفون مدى تأثيرها ونفوذها ويخشون أن يبدأ التمرد على الإمبراطور من مصر كما هى العادة. الحادث الإرهابى الذى استهدف الأقباط لن يكون الأخير. كما أن الأقباط ليسوا هم الملف الوحيد الذى سيضغطون به على مصر. بل سيستخدمون مثلث إفشال أى دولة فى العالم. الفتنة الطائفية ضلع من المثلث. أما باقى أضلاع المثلث فيتمثل فى الحدود وفى مياه النيل. لتخضع مصر لطلباتهم وتحقق مصالحهم. وتعود إلى الفلك الأمريكى كما كان فى الماضى القريب. علينا أن نتوقع مزيدا من الدم والدموع. لأننا نواجه حزمة من الأعداء. أعداء بالخارج وأعداء بالداخل. وخونة. حادث حلوان وهى معقل الإخوان دليل على ضعفهم ودليل على القوة الأمنية فى مواجهتهم. فهم لم يستطيعوا الخروج من مخبأهم. ونفذوا جريمتهم فى معقلهم. وهو أمر غير معتاد أن تنفذ عملية إرهابية على أرض هى معقل لهم. وهو دليل على قوة حصارهم. وشراسة التعامل معهم. لكن الأمريكان لديهم خطط أخرى تجاه جماعة الإخوان الإرهابية. فلهم استخدام آخر فى بلاد أخرى بعيدة. ولابد من إحيائهم من جديد فى معقلهم فى مصر. فهم يعرفون أن التيار الدينى انتهى دوره فى مصر إلى الأبد. لكنهم لا يريدون أن تموت الجماعة. فلهم فوائد عدة لتحقيق مصالحهم ولخوض حروب بالوكالة فى مناطق تريد الإمبراطورية إشعالها. وهناك دول تمول تحمل فى نفوسها حقدا دفينا تجاه مصر. وهناك دول تبدو صديقة أو محايدة تجاه النظام المصرى لكنها تكره أن تعود مصر لمكانتها فى قيادة الأمة العربية. مصر تستقل وتتقدم وتنمو وتتحرر وتقود. وهو ما يزعج العالم كله. فمصر دولة خطيرة. إذا تحركت وانتفضت وتمردت على خطط الغرب تغيرت خريطة العالم. التاريخ يثبت ذلك. فكم من الخطط أحرقت تحت قدمى مصر. وفشلت مؤامرات كانت تحاك للمنطقة أمام نبل مصر وطهارتها تجاه العالم العربي. سنخوض الحرب. حربا طويلة وشرسة وموجعة. لكن النصر لنا لا محالة. مصر لم تنهزم ولن تنهزم أبدا مهما كان العدو. ومهما كانت شراسته. فشعب مصر وجيشها وشرطتها ونظامها الحاكم قادر على النصر. لأنهم رجال مخلصون لهذه الأمة. ولا يريدون سوى الخير والسلام والأمان لشعوب العالم أجمع. مصر ستنتصر رغم الألم والتضحيات والدماء والدموع. فالنصر حليفها دوما. فهى المحروسة.