على صفحته الشخصية على موقع «فيس بوك» كتب طبيب شاب: «الحمد لله الذى بنعمه تتم الصالحات ربنا وفقنى إنى أقنع حد أعرفه إنه ميدخلش كلية الطب.. حاسس إنى داعية وأنقذت شخصًا من الضلال ورجعته لطريق الحق والهداية»! ما كتبه الطبيب الشاب يعبر عن المعاناة أو قل المأساة التى يعيشها شباب المهنيين وبخاصة الأطباء منذ فترة طويلة، لدرجة أنهم أصبحوا يشفقون على الدارسين الجدد فى كليات الطب وينصحونهم بالابتعاد عنها تجنبا للمشاكل والأزمات التى سيعانون منها فى حياتهم العملية بعد التخرج! راتب الطبيب الشاب فى مستشفيات وزارة الصحة لا يتعدى 2000 جنيه، ويصل بعد 30 سنة إلى 5000 جنيه، فيلجأ معظم الأطباء إلى العمل فى المراكز والمستشفيات الخاصة، والمستوصفات الطبية الخيرية الصغيرة، لزيادة دخولهم الهزيلة، مما يؤثر فى النهاية على نوعية الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين. لا أحد يسعى لحل مشكلة الخدمة الصحية من جذورها بتحسين النواحى المادية والتعليمية لأهم عنصر فى المنظومة الصحية وهو الطبيب. يقول د. أحمد - 37 سنة - طبيب شاب بأحد مستشفيات وزارة الصحة فى القاهرة: رغم أن عددًا كبيرًا من وزراء الصحة «أطباء» عانوا فى شبابهم ماديًا وتعليميًا بسبب ترهل وتهالك المنظومة الصحية، لكن أحدًا منهم لم يحاول أن يضع حدًا لهذه الأزمة، بل يحملون شباب الأطباء مسئولية سوء الخدمات فى المستشفيات العامة. وقال أحد وزراء الصحة: الأطباء يهملون العمل فى المستشفيات الحكومية لانشغالهم بالعمل فى عيادتهم الخاصة. فى المقابل تشير إحصائيات نقابة الأطباء إلى أن أكثر من 80 % من الأطباء ليس لديهم عيادات، خاصة أن الطبيب الشاب يقضى 10 سنوات من عمره بعد التخرج فى كلية الطب فى الدراسات العليا حتى يتخصص، ومتوسط إنفاقه على دراسات ما بعد التخرج تصل إلى 10 آلاف جنيه لا تعطيه وزارة الصحة منها شيئا رغم أن القانون يلزمها بذلك! ويتساءل أحمد: «من أين يأتى الطبيب الشاب بكل هذا فى ظل الراتب الهزيل، لازم يشتغل فى كذا مستشفى ومركز طبى حتى يوفر الحد الأدنى من مستلزمات تعليمه الطبى المستمر، وتوفير حد أدنى من الحياة المقبولة». يكمل أحمد: «دكتور يعنى واجهة اجتماعية له ولأسرته، لازم حاجة محترمة فى السكن واللبس والمواصلات، يعنى لو معندوش عربية يبقى يركب تاكسيات، لأن لو الناس شافته بيركب ميكروباص محدش هيحترمه لا مرضاه أو جيرانه.. باختصار شباب الأطباء هم الطبقى الوسطى التى جار عليها الزمن والتى على وشك أن تنهار مقاومتها». • الطبيب بعد 10 سنوات نشر أحد شباب الأطباء من دفعة 2007 مفردات راتبه على فيس بوك، يوضح أنه بعد عشر سنوات من التخرج لا يزيد صافى راتبه على 2410، والراتب الأساسى يبلغ 362 جنيهًا، وبدل طبيعة العمل 30 جنيهًا، وعلاوة الكادر 1411 جنيهًا، فى حين يبلغ بدل العدى 19 جنيهًا! • أزمة الدراسات العليا ويعرض طبيب شاب ثالث أزمة الدراسات العليا قائلا: «نحن مجموعة من الأطباء مسجلون درجة ماجستير فى جامعة عين شمس فى عدة تخصصات من سنة 2010 ، بعد التحاقنا بالجامعة بعدة سنوات أصدرت الجامعة لائحة بتحديد سنوات الدراسة لتصبح 5 سنوات، تنطبق على الدفعات الحديثة، وللأسف شملونا بهذه اللائحة». ومن لم ينته من دراسته خلال هذه الفترة ألغوا قيده، فألغوا قيد حوالى 200 طبيب شاب وأضاعوا حقهم، ومعظمهم كان فى المرحلة الأخيرة، ومتبق له مادة أو اثنتان فقط، وحاولنا الوصول لحلول، لكن قوبلت بالرفض! قدمنا شكوى لنقابة الأطباء ومجلس النواب وعرضنا المشكلة فى مواقع التواصل الاجتماعى على أمل أن يتدخل أحد لمساعدتنا. • لا يوجد تشريع أو نظام لتدريب الأطباء الطبيب الشاب عندنا هو الطبيب الوحيد فى العالم، الذي يسعى من تلقاء نفسه للحصول على التدريب اللازم للممارسة المهنية الجيدة، فلا يوجد تشريع قانونى أو نظام ثابت لتدريب شباب الأطباء. الجامعات لا تقبل فى برامج الدراسات العليا إلا حوالى 4 آلاف طبيب، ولا توفر الزمالة الطبية المصرية سوي 1500 فرصة تدريب، بينما يصل عدد خريجى كليات الطب إلى أكثر من 10 آلاف خريج سنويًا، والنتيجة الطبيعية ضياع سنوات طويلة على عدد كبير من الأطباء، بعضهم قد ينتظر لأكثر من 5 سنوات للالتحاق بالدراسات العليا. لكن قانون مزاولة مهنة الطب فى مصر ينص على أن الطبيب الذى يمر على استلامه النيابة 5 سنوات ولا يقوم بعمل دراسات عليا يرجع لتخصص الطب الوقائى بشكل إجبارى وتوزعه وزارة الصحة على مراكزها الصحية المختلفة. • دراسات عليا بيزنس تعنت الجامعات الحكومية، فى توفير فرص الدراسات العليا للأطباء، شجع الجامعات الخاصة على الاستثمار فى هذا المجال، فأعلن بعضها عن استعداده قبول شباب الأطباء الراغبين فى الدراسات العليا نظير رسوم تتراوح بين 20 و25 ألف جنيه. الطريف أن الجامعات الخاصة أعلنت أن البيزنس الجديد «الدراسات العليا للأطباء» ستكون بالتعاون مع جامعات حكومية مثل المنوفية وبنى سويف وبنها. فى الوقت الذى أعلنت فيه نقابة الأطباء أنها لن تعترف بالدراسات العليا التى تمنحها الجامعات الخاصة، ولم يوقف هذا استغلال شباب الأطباء بعد أن أغلقت الجامعات الحكومية أبوابها أمامهم، فقد سبق أن أعلنت النقابة عن إنشاء كليات الطب الخاصة قبل حوالى 20 عاما أنها لن تعترف بخريجيها وتقبلهم فى عضويتها، وفى النهاية قبلتهم بإرادة النقيب ومجلس النقابة! • أطباء بلا حماية وإذا كان الأطباء الشباب عندنا هم الأكثر معاناة ماديًا وتعليميًا، فإنهم الأكثر أيضا التعرض للاعتداءات، فهم كبش الفداء لفشل وتردى أوضاع الصحة، وتتكرر حالات الاعتداء على الأطباء ومعهم طواقم التمريض فى المستشفيات الحكومية بالدرجة التى أصبحت أمرًا معتادًا لا تثير الاهتمام حتى من نقابة الأطباء أو من وزارة الصحة نفسها! لا يتدخل أحد لأخذ حقوق الأطباء إلا فى حالات الاعتداء الصارخة التى تثير اهتمام الرأى العام مثل اعتداء عدد من أمناء الشرطة على أطباء مستشفى المطرية، وعدا ذلك تنتهى حالات الاعتداء بإجبار الأطباء على التصالح مع من اعتدى عليهم فى المستشفيات! •