كان الطريق مزدحما للغاية.. وأنا متأخرة كالعادة.. والتوتر سيد الموقف ثم.. رن جرس التليفون المحمول برقم مجهول.. ∎ ممكن آخذ 5 دقايق من وقت حضرتك ؟!
- أيوه يا فندم مين حضرتك؟!
- أنا من بنى سويف وباشتغل فى المجلس المحلى.. وبأفرش أمام جامعة بنى سويف (فرشة كتب قديمة) و..
∎ قلت بتوجس.. خير ؟!!
- - أنا وجدت النمرة دى ومن غير اسم علشان كده أعذرينى أنا معرفش اسم حضرتك.. لكن مكتوب أمامها 3 أسئلة وكلمة صباح الخير..
∎ استبد بى القلق من هذه المكالمة الغامضة.. وقلت فى اقتضاب.. أسئلة إيه؟! ومكتوبة فين ؟!
- مكتوبة فى مذكرات فى أجندة قديمة وقعت فى إيدى بالصدفة هممت أن أغلق الخط إلا أن شيئا ما استوقفنى.. ربما جدية نبرات صوت محدثنى ووقاره.. أو ربما فضولى الصحفى !! ويبدو أن محدثى استشعر مخاوفى من هذه المكالمة المريبة فأسرع يقرأ علىَّ الأسئلة قائلا:
- السؤال الأول : ما هى نقطة الأمل المضيئة التى صادفتك وأنت تتعايشين مع لحظات الألم والتجربة الصعبة التى مررت بها ؟
أما السؤال الثانى فهو:
∎ قبل أن يستطرد قاطعته وأنا يقفز فى ذهنى بسرعة مناسبة هذا السؤال.. والتحقيق الصحفى الذى طرحت فيه هذه التساؤلات قائلة فى دهشة..
- أيوه.. أيوه هذه تساؤلاتى فعلا وأسلوبى لكن من أين تقرأها ؟!
- أقرأها كما قلت لحضرتك من مذكرات قديمة مكتوبة بخط اليد فى أجندة قديمة أيضا.. بصراحة أنا لم أكن أعرف صاحبتها.. إلا بعد أن قرأت المذكرات فعرفت أنها لكاتبة روائية اسمها نعمات البحيرى و... و..
- فعلا أنا طرحت التساؤلات دى على الأستاذة نعمات والتى كانت ضمن عدة شخصيات مرت بتجربة المرض اللعين ، ولكنهم استطاعوا أن يجتازوها بشجاعة وكنت حريصة على رصد هذه التجارب الإنسانية الرائعة فى تحقيق صحفى نلت عنه جائزة من نقابة الصحفيين من عدة سنوات.. ولكن كيف وصلت لك هذه المذكرات ؟!
- بصراحة.. ثم لحظات صمت.. أنا اشترتها بالكيلو من بياع خردة !!
وكانت المذكرات دى ضمن كتبها.. وأوراق كثيرة تخصها.. ده كمان فيه كارنيهاتها و.. بصراحة أنا قلقت وقلت لنفسى لما وجدت الحاجات الخاصة دى يمكن حد سرقهم من الأستاذة نعمات.. فقلت أتصل بأى رقم موجود فى الأوراق دى علشان لو الحاجات دى مسروقة أرجعها لصحبتها وقبل حضرتك اتصلت بالأستاذة جيلان حمزة من يومين والتى كانت أهدتها كتاباً عليه إهداء خاص.. وهى التى قالت لى أن الأستاذة نعمات توفيت من سنين.. لا تتصورى أنا حزنت عليها قد إيه رغم أننى لا أعرفها معرفة شخصية.. وبصراحة ما سمعتش اسمها قبل كده.. لكن لما قرأت مذكراتها وجدت أنها قد إيه كانت إنسانة كويسة.. وجدعة وقررت من ساعتها إنى أهب روحها الفاتحة صباح كل يوم.. وأدعو لها وأنا ساجد إن ربنا يرحمها..
- لم أجد كلمات أرد بها فقد خنقتنى الدموع.. وشعرت بالتأثر الشديد خاصة وهو يقول. أنا بأكلمك يا أستاذة لما لقيت جنب الأسئلة اسم مجلة صباح الخير.. قلت يا ريت إنتم كمان تعلموا للست نعمات أى حاجة علشان ما يرضيش ربنا إن كتبها وأوراقها ومذكراتها تتهان بالشكل ده بعد موتها.. أنا قلت أكيد أنها ما عندهاش أولاد.. وأسرتها أكيد ما فيهاش حد يعرف يقرأ علشان حاجتها تتباع بالكيلو !!
- كان الزحام لا يزال خانقا.. وأنا متأخرة كالعادة.. كان هناك شىء ما مختلف حيث انتابتنى حالة من الشجن جعلتنى أتأرجح ما بين لحظات من الألم.. والأمل فهذا التحقيق الصحفى الذى كتبته منذ سنوات وعرفت فيه الأستاذة نعمات تليفونيا حيث فضلت عدم لقائى لسبب لا أنساه حتى الآن.. (مش عايزة اشوف نظرة شفقة من حد.. ومش عايزة أوجع حد.. ده أنا نفسى مش عايزة أشوف نفسى لدرجة إنى غطيت كل مرايا وزجاج البيت بالملايات)!!
- هذا التحقيق الصحفى كنت أكتبه بدافع شخصى بحت.. فقد كنت أريد أن أهديه لكل من يقاوم المرض كنقطة ضوء فى نفق الألم والمرض ذلك النفق المظلم اللعين الذى عايشته مع والدتى.. ومع صديقتى وزوجها أيضا.. فقد كان كل منهما يمر بهذا النفق .. ولم أجد سوى الكلمات لأهون بها عليهم خاصة أنها كانت تجارب واقعية جدا عاشها كبار الكتاب وواجهوها بشجاعة منقطعة النظير.. وها هى حالة الحب.. والكلمة الطيبة تؤتى ثمارها فأنا حبا فى أمى.. وصديقتى كتبت كلماتى
والأستاذة نعمات حبا فى الحياة قالت كلمتها وواجهت المرض بشجاعة
وها هو الأستاذ عبدالحكيم - الذى تشرفت باتصاله التليفونى حبا فى الإنسانية وتقديرا لكاتبة لم يعرفها طوال حياتها يقرر أن يقرأ الفاتحة ويدعو لها كل يوم.. ولم يكتف بذلك بل يحثنا على حماية كلماتها.
فإلى كل المتشككين فى جدوى الكلمة ها هى الكلمة تنتصر للحب والحياة وتؤكد لنا أن صلاحيتها دائمة لا تنتهى حتى لو انتهت حياة أصحابها وها هو الحب قادر على أن يدهشنا ويمنحنا حالة رائعة من البهجة والدهشة