للأسف أصبحت الأمور داخل مصر وعلى الساحة السياسية تسير من سيئ إلى أسوأ.. والغريب أنه كلما قاربت المرحلة الانتقالية على الانتهاء والرحيل - مخلفة وراءها الكثير من الانشقاقات والانقسامات والجروح والدماء والأرواح - نجد أن هناك من يحاول إشعال الأمور وتفجيرها بأزمات غريبة داخلية وخارجية ويحاول عرقلة خطوات إنهاء هذه المرحلة.. والغريب أن بعض من يفعل ذلك بعض القوى السياسية التى من مصلحتها فعلا أن يتم تسليم السلطة فى 03 يونية ولكن يبدو أنهم مازالوا فى مرحلة المراهقة السياسية.. والغباء السياسى أحيانا.. فنجدهم يصدرون ويفتعلون مشاكل غاية فى التفاهة نغرق بها أنفسنا وتستغرقنا.. وتستهلكنا وتستهلك وقتنا ومجهودنا لننشغل فى النهاية بأمور شكلية تنسينا الجوهر الأساسى الذى نحاول الوصول إليه وهو تحقيق أهداف الثورة. فللأسف ما يحدث من القوى السياسية الموجودة على الساحة وعلى رأسها القوى الدينية يجرنا جرا إلى إطالة المرحلة الانتقالية وليس الانتهاء منها.. فما يحدث من أنصار أبوإسماعيل أمام وزارة الدفاع ليس من الديمقراطية فى شىء.. وهذا مكمن الخطورة إذا وصلنا لحكم الدولة الدينية.. فأبوإسماعيل يمثل الديكتاتورية الدينية بشتى أشكالها واعتصام أتباعه وأنصاره ونصبهم خياماً أمام وزارة الدفاع لا يجرنا إلا للمزيد من المصادمات والاشتباكات والضحايا.. وسوف تكون فى النهاية مصادمات بين الشعب والشعب.. وبين الجيش والشعب.
والقصة الطريفة والمضحكة عن هؤلاء البلطجية الذين قبض عليهم «أبناء» أبوإسماعيل وأدلوا باعترافات للجزيرة عمن دفعهم للاعتداء على أنصار أبوإسماعيل.. وكأنهم أصبح لهم شرطة وجيش بديلا عن الشرطة والجيش الشرعيين.. ولعل آخر ما سمعته فى هذا الصدد أن هناك اتجاهاً من بعض الجماعات الجهادية لتكوين فرق وميليشيات لحماية سيناء فى مواجهة إسرائيل.. والسؤال هل تكون هذه التنظيمات العسكرية بديلا عن الجيش والدفاع أو مكملة لها.. وكيف يمكن أن يسمح لها أن تصرح حتى بهذا؟.
هذه واحدة.. والقضية الأخرى المضحكة والمثيرة للجدل هو ما فعله البرلمان من تعليق جلساته ردا على عدم استقالة الحكومة وعدم حضور حكومة الجنزورى للرد على رفض البرلمان لبيان الحكومة.. وكأنه بهذا يرسل رسالة للمجلس العسكرى بأنه فى حالة رفض إقالة الحكومة فإن البرلمان سيعلق جلساته ويدخل البلاد فى أزمة دستورية ومواجهة مع المجلس العسكرى والحكومة.. وللأسف ما حدث من برلمان الحرية والعدالة فى هذا الصدد لايعدو أن يكون من قبيل المراهقة السياسية أيضا.. لأن البرلمان سلطته تشريعية ورقابية ولايحق له إسقاط الحكومة وسحب الثقة ويرفع الأمر لصاحب القرار وهو هنا المجلس العسكرى وهنا المجلس العسكرى أو الرئيس فى كل الأعراف السياسية والدستورية إما أن يقيل الحكومة أو يحل مجلس الشعب.. ومهمة إسقاط البرلمان للحكومة لا تكون إلا فى الأنظمة البرلمانية فقط.. والنظام الجمهورى فى مصر حسب الإعلان الدستورى هو نظام رئاسى حتى ولو لم يكن هناك نص يجيز لصاحب القرار حل مجلس الشعب فهذا حقه لأنه ليس هناك شرعية أخرى موجودة الآن سوى شرعية المجلس العسكرى حتى إشعار آخر وهو انتخاب رئيس الجمهورية ووضع الدستور الجديد.
القضية الثالثة التى تؤكد أن القوى السياسية والسلطة الشرعية المنتخبة الموجودة الآن على الساحة بدلا من أن تسرع لإنهاء الدستور هى التى تعرقله وتعطله من أجل هدف واحد وهو الاستحواذ والسيطرة على لجنة كتابة الدستور.. فحكم المحكمة كان واضحا بأن البرلمان ينتخب من خارجه أعضاء التأسيسية، ومع ذلك يسند إلى اللجنة التشريعية عقد جلسات استماع مع كل النقابات والأحزاب وقادة الرأى والفكر فى معايير انتخاب التأسيسية.. وهو ما أغضب القوى السياسية الأخرى فلجأت للعسكرى للاتفاق على معايير التأسيسية.. وعندما خرجت هذه القوى بالاتفاق حول المعايير نجد أن تشريعية الشعب ترفضه وتقول إن سلطة العسكرى هنا استشارية وليست ملزمة.. ما هذا التهريج السياسى.. وما هذه التفاهة التى نناقش بها أمورنا الحيوية.. فلم يبق سوى 06 يوما أو أقل حتى ننتهى تماما من وضع الدستور وانتخاب الرئيس وحتى هذه اللحظة لم نتفق على معايير لجنة المائة.. فكيف يمكن أن ننهى انتخاب اللجنة وكتابة الدستور والاستفتاء عليه فى أقل من 06 يوما أم سندخل مرة أخرى مرحلة سلق الدساتير ونخرج دستورا مشوها منقوصا يدخلنا فى دوامات وتفاهات عديدة يقسمنا ويفرقنا بدلا من أن يوحدنا ويضعنا تحت مظلة واحدة وهى حكم ديمقراطى سليم ودولة مدنية ليبرالية تحترم الأقلية قبل الأغلبية.
القضية الرابعة والأخيرة.. والتى تؤكد أن الأمور خرجت عن السيطرة لا على المستوى المحلى والقومى الداخلى بل امتدت وخرجت إلى المستوى الدولى والإقليمى.. هى تدهور العلاقات بين مصر والسعودية بالتحديد فى قضية الجيزاوى.. وهى أزمة وقضية شديدة الخطورة خاصة بعد استدعاء السفير السعودى وإغلاق السفارة والقنصليات فى مصر ردا على تجاوزات بعض الناشطين السياسيين المحتجين على احتجاز مصرى لضبطه بحوزته مواد مخدرة.. وهى قضية أخذت أكثر من حجمها كثيرا.. وهى فعلا أبسط مما حدث وتطورت بشكل مخيف، فهناك فعلا من يزيد الأمور اشتعالا، فالمجموعة المعتصمة حولت قضية مصرى فى السعودية إلى الزج بكرامة مصر والمصريين فى الخارج.. وتوجيه شتائم وبذاءات للسعودية وملك السعودية والسفير والسفارة، أمر غريب لم يحدث، وقد حدث من قبل بعض الأزمات لبعض المصريين فى الخارج وفى السعودية بالتحديد وآخرها واقعة الطبيب المصرى.. لكن لم يكن رد الفعل بهذه الدرجة ولا هذا التصعيد الذى شاركت فيه السفارة المصرية فى السعودية التى لم تخرج بيانات ومعلومات عن القضية طوال ثمانية أيام لتترك الفرصة لدعاة الفتنة والصيد فى الماء العكر لإشعال الأمر بهذه الصورة وهى قضية تمس الأمن القومى المصرى.. فليس ثمة جدال أن هناك علاقات سياسية واقتصادية ودينية وتاريخية بين مصر والسعودية.. وتنعكس هذه العلاقات على الشعبين المصرى والسعودى، فهناك ثلاثة ملايين مصرى يعيشون فى السعودية منذ عشرات السنين يقومون بدورهم فى خدمة الاقتصاد السعودى.. وأيضا هناك استثمارات سعودية ضخمة فى مصر.. وأخيرا هناك علاقات دينية بين شعب مصر والأراضى المقدسة.. وسياحة دينية وسياحة ترفيهية تسير بين مصر والسعودية ذهابا وإيابا.
هى علاقات بين بلدين أكبر من أن تمس وأن يعكر صفوها غضب مصرى من احتجاز أحد المصريين بتهمة جنائية.. أو غضب سعودى من أن المصريين عاملوا رئيسهم السابق بإهانة كما يدعى بعض الثوريين وبعض الحركات فى مصر.. والتى تحاول أن تشعل الفتنة ليس داخليا.. ولكن أيضا خارجيا. [المشير ] للأسف.. فإن كل ما سبق.. وحدث ويحدث ويتصاعد بسرعة البرق هو خطر داهم على مصرنا.. فقد دخلنا مرحلة خرجنا فيها من هدف إسقاط النظام.. إلى إسقاط الدولة نفسها دون أن نشعر فكل هذه الأحداث تؤكد أننا نسير فى هذا الطريق.. وعلينا أن نوقف خلافاتنا.. وأن ننحى مصالحنا ومكاسبنا جانبا وننظر إلى لم الشمل والحفاظ على قوة الدولة وتماسكها ووحدة الصف.. وإلا فلن نلوم إلا أنفسنا.
كتبت فى الأسبوع الماضى عن مرشحى الرئاسة الذين ينتمون إلى التيار الدينى.. وذكرت أن أخطر هؤلاء المرشحين عبدالمنعم أبوالفتوح لأنه يمثل التيار الدينى المتفتح الوسطى الليبرالى الذى يتحاور مع كل الأطياف.. وكل التوجهات ويحظى بتأييد المسلم والمسيحى والليبرالى والثورى واليمينى واليسارى.. وإنه فى النهاية هو ينتمى للتيار الدينى بأجنحته الإخوان والسلفيين.. وها هو يتحقق كلامى بعد أقل من أسبوع حيث أعلنت الجماعة السلفية وحزب النور وحزب الوسط دعمهم لأبوالفتوح.. والبقية تأتى.. التيار الدينى فى النهاية سيكون كلمة واحدة وراء مرشح واحد هو منهم.. وهم له.. ووقتها قل على مصر السلام.