حقوق القاهرة تعلن جدول امتحانات الفصل الدراسي الثاني 2025-2026 وتعليمات هامة للطلاب    طقس المنيا اليوم، شبورة صباحية وارتفاع تدريجي في درجات الحرارة    اليوم.. محاكمة مسؤولي مستشفى 6 أكتوبر للتأمين الصحي في واقعة العمى الجماعي    قمة جدة توجه بسرعة إنشاء أنابيب لنقل النفط ومنظومة إنذار ضد الصواريخ    استقرار حذر في أسعار الذهب.. والأسواق تترقب اجتماع "الفيدرالي" اليوم    خروج الإمارات من أوبك.. تحول كبير في سوق النفط العالمي.. قراءة في الأسباب والتداعيات    تحريات لكشف ملابسات تعرض مطرب شاب لاعتداء بالمنيرة الغربية    بعد غياب طويل.. شيرين عبد الوهاب تعود لجمهورها بحفل في الساحل الشمالي    الملك تشارلز يفاجئ ترامب: لولا وجودنا لربما كنتم تتحدثون الفرنسية (فيديو)    رئيس الاحتلال يدرس العفو عن نتنياهو    حركة القطارات| 45 دقيقة تأخيرا بين قليوب والزقازيق والمنصورة.. الأربعاء 29 أبريل    تراجع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي وارتفاع أسعار النفط يضغطان على سوق الأسهم الأمريكية    تفاصيل حادث سير الإعلامية بسمة وهبة على محور 26 يوليو    مصر تدخل أسواق الخليج لأول مرة بتصدير الدواجن المجمدة إلى قطر    مسؤولون أمريكيون ل "وول ستريت جورنال": ترامب يقرر فرض "حصار مطول" على إيران بدلا من القصف    وزير الخزانة الأميركي: ضغطنا الاقتصادي تسبب بتضاعف التضخم في إيران وانخفاض عملتها بشكل حاد    خالد جاد الله: أزمة الأهلي هجومية وأتوقع فوزه على الزمالك في القمة    9 مصابين في حادث انفجار شعلة غاز ببني سويف    واقعة مثيرة للجدل في سويسرا.. أبرشية كاثوليكية ترفض حرمان مؤمنين قدموا القربان لكلابهم    خروج بسمة وهبة من المستشفى بعد تعرضها لحادث سير ومصدر مقرب يكشف التفاصيل    طرح البوستر الرسمي لفيلم الكلام على إيه؟!    شراكة صحة دمياط والصيادلة تعزز القرار الصحي لخدمة الأسرة    فتح باب الانضمام إلى اتحاد العمال الوفديين    جامعة دمياط ترسخ القيم الدينية بوعي طلابي متجدد    مختار جمعة: الذكاء الاصطناعي والعقل البشري وجهان للتطور المستمر    بين الأسرار والجريمة.. أحمد بهاء يفاجئ الجمهور بدور جديد في "الفرنساوي"    وزير الآثار الأسبق يكشف أسرار استرداد القطع المهربة    قافلة طب الأسنان بدمياط تخدم عشرات المواطنين وتؤكد تكامل الصحة والجامعة    ورشة تدريبية لتعزيز السلامة المهنية والإسعافات الأولية للصحفيين والإعلاميين    جراحة نادرة بطنطا لاستئصال ورم ضخم ومعقد بالوجه والرقبة لسيدة بلغ 20 سم    الجيش اللبناني: إصابة عسكريَّين في استهداف إسرائيلي لدورية إنقاذ    وفاة المحامي مختار نوح وتشييع الجنازة اليوم من مسجد مصطفى محمود بالمهندسين    ترتيب هدافي دوري أبطال أوروبا بعد مهرجان أهداف مباراة سان جيرمان وبايرن ميونخ    جامعة العريش تستقبل وفد اتحاد الاتحادات النوعية الرياضية والشبابية لتعزيز الوعي والانتماء لدى الطلاب    أيمن يونس: الأهلي لا يؤتمن في القمة والزمالك لم يحسم الدوري    الحكم بإعدام شخصين قتلا جارهم لرفضه العمل معهم في البحيرة (فيديو)    قبل 72 ساعة من انطلاق المباراة.. رسميا نفاد تذاكر مباراة القمة بين الزمالك والأهلي بالجولة الخامسة من مرحلة التتويج بلقب دوري نايل    التعليم: الدراسة العملية لمنهج الثقافة المالية ستؤثر على قرارات الشباب الاقتصادية ونمط تفكيرهم    جريمة منتصف الليل، الكشف عن تفصيل جديدة في سرقة محصول القمح بالشرقية    مدرب سيدات يد الأهلي: العمل الجماعي كلمة السر في التتويج بلقب الكأس    وفاة مختار نوح الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة    محمود صلاح: لا نلعب من أجل التعادل.. وأفضل الاحتراف على الأهلي والزمالك    واشنطن توجه اتهامات لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق بزعم تهديده حياة ترامب    فصل الكهرباء 3 ساعات بقرى قلين اليوم للصيانة.. اعرف المناطق المتأثرة    ثروت الخرباوي يكشف تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة مختار نوح: نطق الشهادتين قبل وفاته    محمد مختار جمعة: قوة الردع هي الضمانة الأكيدة للسلام.. وجيش مصر يحمي ولا يبغي    خبيئة الكرنك.. الدماطي يكشف قصة ال17 ألف تمثال التي غيرت خريطة الآثار المصرية    ترامب يهاجم ميرتس ويصف موقفه من امتلاك إيران للسلاح النووي ب"الكارثة"    «قرض ياباني ميسر».. رئيس الهيئة القومية للأنفاق يعرض تفاصيل مشروع الخط الرابع للمترو    مصرع شخص إثر انهيار حفرة خلال التنقيب عن الآثار بشبين القناطر    منتخب مصر ينعش خزينة اتحاد الكرة ب730 مليون جنيه في عهد التوأم    استشاري تغذية: لا وجود لنظام "الطيبات" في المراجع الطبية.. ومصطلحاته بلا سند علمي    هيثم زكريا مديرا للتعليم الخاص والدولي وشعراوي لمجموعة مدارس 30 يونيو    بالكعبة وملابس الإحرام.. تلاميذ ابتدائي يجسدون مناسك الحج بفناء المدرسة في بني سويف    هل يجوز الصلاة عن الميت الذى لم يكن يصلى؟.. أمين الفتوى يجيب    هل جوارح الإنسان لها إرادة مستقلة؟.. خالد الجندي يُجيب    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تطور الزمان أكد عدم وجود شريعة دينية غير قابلة للتحايل

بقلم القس : أشرف شوقى ... راعى الكنيسة الانجيلية بالمعادى
تموج الساحة الفكرية والتشريعية في مصر هذه الأيام بتساؤلات كثيرة حول موضوع "الطلاق في المسيحية". وفي الآونة الأخيرة باتت العلاقة بين الكنيسة والدولة علي صفيح ساخن نظرًا لصدور عشرات الآلاف من الأحكام القضائية بالتطليق في الوقت الذي فيه رفضت الكنيسة حكم محكمة القضاء الإداري الذي صدر مؤخرًا والذي يقضي بإلزام الكنيسة بمنح تراخيص لزواج ثانٍ لكل هؤلاء المطلقين!!
وما بين القوانين واللوائح التشريعية القديمة التي تجيز الطلاق (لائحتا 1938, 1955م) والقرارات الباباوية التي تمنع إعطاء ترخيص بزواج ثان للمطلقين إلا لعلة الزني، ثم إصدار المجلس الملي لتعديل جديد بتاريخ 2 يونيو2008 بين هذه وتلك وذاك تتجرع آلاف الأسر مرارة الطلاق ونتائجه المخيفة.
لقد كانت ولازالت- قضية"الزواج والطلاق في المسيحية" إحدي أكبر القضايا المطروحة علي ساحة الفكر. ولقد اختلف العلماء واللاهوتيون ورجال الفكر في وضع حلول نهائية متفَق عليها لمشكلات هذا الموضوع، وذلك نظراً لتشّعب القضية وتفرّعها، وأيضاً لاختلاف العوامل الدينية، والثقافية، والحضارية، والبيئية، التي تلعب الدور الأكبر في الحكم علي الأمور الخلافية. وإنني في هذا المقام أحاول أن أدرس هذا الموضوع، من عدة زوايا: الزاوية الأولي: هي الزاوية الكتابية واللاهوتية، الزاوية الثانية، هي زاوية القانون والتشريع؛ أما الزاوية الثالثة: فهي زاوية الأخلاق المسيحية.
تمثل قصة الزواج الأول، الذي تم في جنة عدن، الأساسَ الكتابي السليم والكامل لفكر الله عن الزواج. ولا يستطيع أحد أن يجادل أو يدعي عكس ذلك؛ فهذه الزيجة التي حدثت هناك كانت من ترتيب وإعداد وتنفيذ الله نفسه. فالله- في حكمته- رأي بعد إتمام الخليقة أن كل شيء جيد و"حسن"، إلا أن أمراً واحداً لم يكن قد تم بالصورة التي ترضي الله إرضاءً كاملاً. هذا الأمر هو وجود آدم وحده في حياة "الوحدة" بلا معين أو قرين أو رفيق! وفي محبته الكاملة واهتمامه الواضح، رأي الله أنه "ليس جيداً أن يكون آدم وحده".
وكأن الرب أراد أن يشعِرَ آدم بالاحتياج إلي الرفقة أولاً قبل أن يسدًد له هذا الاحتياج، ومن ثم استخدم الرب "وسيلة إيضاح"- إذا جاز التعبير- ليعلِّم آدم معني الصداقة والرفقة، وتمثل ذلك في دعوة الرب لآدم لإشراكه في تسمية الخليقة كلها، فظهر في كل حيوان أو طير الذكر والأنثي، أما هو، - أي آدم- فلم يكن له شبيه أو نظير في عالم "الأنثي"!!
وعند هذه اللحظة الحاسمة من الشعور ب "النقص" و"الاحتياج" تدخل الله لصالح آدم من جديد. "فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلهُ سُبَاتًا عَلَي آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْمًا. وَبَنَي الرَّبُّ الإِلهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَي آدَمَ."(تكوين22:2) وفي تجاوب تلقائي وسريع مع محبة الله التي دبَرت وقدَمت هذه "الهدية" الكريمة، صار آدم شاعراً، فنظم أول قصيدة شعرية في التاريخ، ويظهر ذلك بشكل واضح في اللغة العبرية التي كُتِبَ بها العهد القديم:
فقال آدم : هذه الآن.. عظم من عظامي.. ولحم من لحمي... هذه تُدعي امرأة، لأنها من امرء أُخذت!!
إن الآية الواردة في تكوين2: 24 "لِذلِكَ يتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا"، هي آيتنا المفتاحية في تقديم تعريف كتابي للزواج المسيحي، ولعل ذلك يفسِّر علة استخدام يسوع نفسه لهذه الآية، عندما سأله رجال الدين اليهودي عن وجهه نظره في أسباب الطلاق. ومن هذه الآية يمكننا أن نستنتج عناصر الزواج، كالآتي:-
الزواج علاقة تقتصر علي اثنين، رجل واحد وامرأة واحدة. يجب أن يتم الزواج بشكل علني"يتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ". الزواج علاقة دائمة"..... يلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ".
يكتمل الزواج بالاتصال الجنسي "..... يكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا". ولقد شاع بين القدماء كذلك أن الزواج هو عقد يفيد حل استمتاع كل من العاقدين بالآخر علي الوجه المشروع، أو هو عقد يفيد ملك المتعة قصداً.
أما في المسيحية، فالزواج قانوناً هو ارتباط الرجل والمرأة بقصد تكوين أسرة، ويرتِّب القانون علي قيامه آثاراً معينة. ويعتبر المسيحيون الزواج من المقدسات الدينية، وقد رفعه المسيح إلي مرتبة عظيمة، حتي إن الكاثوليك والأرثوذكس يعتبرونه "سراً مقدساً" من أسرار الكنيسة السبعة، أما البروتستانت فالزواج عندهم "رابطة مقدسة"، لكنهم لا يرفعونه إلي مرتبة "السر الإلهي".
ولا يقصَد بهذا التعريف أن الزواج حرفياً "لا فكاك منه" علي الإطلاق، بمعني أنه لا شيء يستطيع أن يعطِّله بالنظر إلي أن الطلاق مسموحٌ به في بعض الظروف القصوي، كما سنري، لكن الطلاق رغم الإذن به هو في النهاية انحراف عن القصد الإلهي، لأن الله يراه "كنقض"للميثاق، وكعمل "غادر"، يعلن الله كراهيته له. (ملاخي13:2).
وفي الفكر الأرثوذكسي، لا يمكن أن ينعقد الزواج باتفاق الرجل والمرأة وحدهما، بل لابد من تدخل رجل الدين الذي يجرِي طقوسًا معينة، ويقيم صلاة خاصة، فإذا قام بالصلاة رجل آخر غير رجل الدين، أو إذا قام رجل الدين بإجراء طقوس أخري غير الطقوس المحددَّة، أو أقام صلاة غير الصلاة المعروفة، فإن الزواج لا ينعقد في أي من هذه الحالات.
ولا يجوز للرجل أن يتزوج بأكثر من امرأة واحدة في وقت واحد، ولا يجوز للمرأة أن تتزوج بأكثر من رجل واحد في وقت واحد، وعلي هذا فإن الزوج الذي يبرم عقد زواج ثانِ لا يمكن اعتباره زواجاً، بل هو زني. ولا يحتمل هذا المبدأ في الشرائع المسيحية عموماً أي استثناء .
بحسب الأصل، فإن الشرائع المسيحية عموماً تجعل الزواج غير قابل للانحلال، والاستثناء كما هو معروف- لا يجب أن يتوسَع فيه ولا أن يقاس عليه.
وإذا كانت شريعة الأقباط الأرثوذكس لا تعرف الطلاق، إلا أنها تعترف بالتطليق وتتوسع في أسبابه توسعّاً كبيراً، واعتبر واضعو لائحة 1938م أن ما جاء في إنجيل متي من إباحة التطليق لعلة الزني لا يعني قصر التطليق علي هذه الحالة فقط، فهي قد جاءت كمجرد مثال علي الأمور التي تبرِّر التطليق.(وسيظهر ذلك لاحقاً عند شرح أسباب الطلاق كما وردت في اللائحة الأرثوذكسية الصادرة عام 1938م والتي عملت بها الكنيسة لمدة طويلة بلغت نحو سبعين سنة).
ومن وجهة نظر عكسية، فإن الأمر لم يعُد كذلك تماماً بعد أن تولي البابا شنودة الثالث كرسي الباباوية ليكون البطريرك رقم 117 لكرسي الإسكندرية وذلك في سبتمبر1971م. حيث نري أن التوجه التعليمي(وليس التشريعي أو الرسمي) للكنيسة الأرثوذكسية قد اختلف تماماً، وبشكل صريح منذ ذلك الحين، إذ صارت الكنيسة تضِّيق في أسباب الطلاق، ولا تأخذ إلا بالسببين الذين أخذت بهما شريعة الإنجيليين الوطنيين منذ عام 1905 وهذان السببان هما الزني وتغيير الدين المسيحي.
إن الرب يسوع رفض بوضوح التفسير المنحرف الذي قدَّمه رجال الدين اليهودي فيما يختص بتعليم كلمة الله عن الزواج. وغني عن التكرار أن نقول إن رفض المسيح هنا ليس لكلمة الله بحد ذاتها بل هو رفض واستنكار للفهم البشري الخاطئ أو المنحرف لهذا الإعلان الإلهي المكتوب.
إن الرب يسوع فرَّق بوضوح بين "الوصية"، "السماح". لقد ظن اليهود أن الله "أوصاهم" بالطلاق. لكن الرب يسوع وضَّح أن ذلك لم يكن "وصية"، بل هو مجرد "إذن" أو "سماح"، (ويعرف القانونيون جيداً الفرق الكبير بين الحق والرخصة). وهذا السماح يجد مبرراته في غلاظة قلوب اليهود وقساوتهم، وتأويلهم المنحرف لكلمة الله المستقيمة، لكن مشيئة الله وإرادته الأصلية هي أساساً ضد الطلاق.
إن الرب يسوع يؤكد علي أن الزواج الثاني لأي من الطرفين هو بمثابة "زني"، ما لم يكن الزواج الأول قد انتهي بسبب خيانة أحد الطرفين. وهذه "أقوال قاسية لأنها تفضح بصراحة النتائج المنطقية للخطية. فإذا جري الطلاق ثم الزواج ثانية، وهما لا يظفران بموافقة الله، فإن أي اتحاد بعد ذلك، بالنظر إلي أنه غير قانوني، يعتبر بحكم"الزني". من الواضح أن الرب يسوع وهو يعطي الحق في طلب الطلاق للزوج البريء، لم يكن يعلَِّم بأن الطلاق في هذه الحالة إجباري ويجب وقوعه، ولكنه فقط "مأذون به"، فالمسيح لا يشجِّع الطلاق ولا يمدحه حتي في حالة الخيانة الزوجية، لكنه فقط "أذن أو سمح" به. وكم من المرات يقبل الطرف البريء توبة شريكه الذي أخطأ فتكون بداية جديدة وفرصة لممارسة الصفح والغفران المسيحيين كما تعلِّمهما كلمة الله!!
إن دهشة التلاميذ من هذا التعليم الصارم الذي قدّمه المسيح، تؤكد أن هذا التعليم هو بالفعل "غير صالح" لجميع الناس علي تنوعهم واختلاف مشاربهم، فأولئك الذين لم يتخذوا المسيح ملكاً ورباً ولم يدخلوا تحت سلطانه وسيادته، لا يمكنهم أبداًً تطبيق هذه التعاليم. ليس لأن هذه التعاليم غير صالحة في ذاتها أو لأنها لم تعد مناسبة للبشر، بل لأننا لا نستطيع تطبيق قانون سماوي علي الإنسان في حالة الخطية والعصيان والبعد عن الله. لذلك، ففي حالات التوسط لإصلاح ذات البين بين زوجين متنازعين وعلي وشك الطلاق، يكون من المفيد عملياً- أن نقدِّم لهم المسيح كمخلِّص وملك أولاً، ومن ثم يمكنهم الاقتناع بتعليم المسيح الخاص بالزواج والخضوع لسلطان كلمته.
تطور الأزمة التشريعية والقانونية الراهنة
كانت الفلسفة التي صِيغت علي أساسها الأسباب التسعة للتطليق في شريعة الأقباط الأرثوذكس (الواردة في لائحتي 1938م، لائحة 1955م) أن أياً من هذه الأسباب يمكن أن يؤدي في النهاية بأحد الزوجين أو كليهما إلي طريق الزني، وعليه نصل إلي إنهاء علاقة الزوجية المقدسة بين الشريكين، طبقاً للنص الصريح في الإنجيل. وظلت الكنيسة الأرثوذكسية المصرية تسمح للمطلق أو للمطلقة بزواج ثان، مادام الشخص قد حصل علي حكم نهائي من القضاء بالتطليق، وذلك علي أساس أن الطرف البريء الذي ظلمه شريكه بالإساءة إليه وكسر عهد الزوجية معه، لا ينبغي أن يظْلَمَ مرة ثانية بعدم السماح له بالزواج.
ولكن مع بداية عهد البابا شنودة الثالث بدأ الوضع يتبدل، فقد أصدر المجلس الإكليريكي قرارين باباويين بتاريخ 1971/11/18م (أي بعد تولي البابا شنودة الثالث كرسي الباباوية بنحو شهرين فقط) يحملان رقمي 7 و8 ويقضي القرار الأول بعدم السماح للمسيحيين بالتطليق إلا لعلة الزني. ويقضي الثاني بعدم السماح للمطلقين بالزواج ثانية إلا إذا كان الحكم الصادر من المحاكم المصرية بالطلاق قد صدر بناء علي سبب الزني فقط. أما إذا كان الطلاق ناتجاً عن أحد الأسباب الزمنية الأخري، فلا يعطَي للمطلق أو المطلقة تصريحٌ كنسي بزواج ثان.
وبمرور الوقت بدأت المشكلة تتعقد وتتفاقم وتتضخم، فلقد تزايد عدد الذين تمكنوا من الحصول علي حكم قضائي نهائي بالتطليق (استناداً إلي لائحتي 1938م و1955م المعمول بهما في القضاء المصري)، ولم تعد الكنيسة قادرة علي منح أولئك ترخيصاً بالزواج ثانية، ومن المؤكد أن عدد هؤلاء يقدر بعشرات الآلاف علي أقل تقدير (يقدِّر بعض الدارسين الرقم بنحو 160 ألف حالة!!). ولقد زادت الأمور تعقيداً بصدور حكم محكمة القضاء الإداري بتاريخ 14 مارس 2006م الذي يقضي بإلزام الكنيسة بتزويج المسيحي ثانية إذا كان مطلقاً بحكم قضائي.
وفي هذه المرة جاء رد الكنيسة قوياً وواضحاً، فبعد أقل من أربع وعشرين ساعة علي صدور الحكم، صرَّحَ قداسة البابا شنودة في اجتماعه الأسبوعي بأنه "لا توجد قوة علي الأرض تستطيع أن تلزم الكنيسة بشيء ما ضد تعاليم الإنجيل، أو ضد ضمير الكنيسة، ولا يمكن للكنيسة أن توافق علي تزويج المطلق إلا تبعاً لتعاليم الإنجيل!!".
ورجوعاً إلي عام 1979م، اجتمع ممثلون عن الطوائف المسيحية الثلاث في مصر (الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس)، لوضع مشروع قانون موحَّد للأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر بهدف إنهاء هذا الوضع الخاطئ، وبعد جهد طويل ومناقشات مستفيضة، تمكن الحاضرون من الاتفاق حول أبواب وبنود هذا القانون الموحَّد. وضم هذا المشروع باباً خاصاً بأسباب الطلاق، وتقتصر أسباب الطلاق في هذا القانون علي"الزني"، إضافة إلي ما أطلق عليه "الزني الحكمي"، أي تغيير المسيحي دينه إلي ديانة أخري غير المسيحية أو إلي غير دين (الإلحاد). وقد تمت صياغة المشروع بالكامل وسُلِّمَ إلي رئيس مجلس الشعب آنذاك، ولكن هذا المشروع ما زال حبيس الأدراج حتي اليوم إذ لم يقدَّر له أن يري النور إلي الآن. واليوم يواجه المسيحيون وضعاً شائكاً ومتناقضاً، بين تشريعات قديمة تجيز الطلاق، وقوانين كنسية أكثر حداثة لا تعترف بهذا الطلاق، ولا تمنح تصريحًا للمطلقين بزواج ثان!!
نحن اليوم - بلا شك- أمام وضع شاذ وغريب، تجتمع فيه تشريعات متناقضة مع مشكلات معقَّدة ومتراكمة لعشرات الآلاف من المسيحيين الذين يعانون من مشكلات الزواج، وأيضاً من معاناة ما بعد انتهاء الزواج!
الطلاق من وجهة نظر أخلاقية
ما دمنا كمسيحيين- ننظر إلي تعاليم الرب يسوع علي أنها دستور إيماننا، فمن الواجب علينا إذن- أن ندرس الظروف و الملابسات التي تحدث فيها السيد عن موضوع الزواج والطلاق، لأنها تلقي ضوءًا علي هذه القضية وتساعدنا في فهم الأبعاد المختلفة لفكر السيد المسيح فيها. فلقد جاء حديث السيد في هذا الموضوع في معرض رده علي سؤالِ وُجه إليه من قبل رجال الدين اليهودي، وهو ما يجعلنا نفترض بثقة أن إجابة الرب لهذا السؤال- علي طولها- لم تكن إلا مجرد عرض لطريقة تفكير الرب يسوع في قضية ما، دون محاولة التعرض للإجابة عن كل الأسئلة المثارة حولها، ودون الغوص في تفاصيلها! ولقد سأل الفريسيون الرب:"هل يحل للرجل أن يطلق امرأته لكل سبب؟" بشكل آخر، أرادوا أن يسألوه: هل أنت تتبني وجهة نظر الراباي "هليل" الذي توسَّع في الأسباب المؤدية إلي الطلاق توسعاً كبيراً، أم أنك مقتنع بنظرية الراباي "شمعي" الذي حصر أسباب الطلاق في العيوب الأخلاقية؟! ولعلنا نلاحظ- من إجابة الرب يسوع- ما يلي:
كان سؤال اليهود منحصراً في الطلاق وبواعثه، أما إجابة المسيح فقد دارت حول الزواج وأسباب بقائه ونجاحه، وكيف يجب أن يكون الزواج علي الصورة المثلي التي قصدها الله؛ مهندس ومشَّرع الزواج، منذ البدء.
إن المسيح- من خلال إجابته- قد خفَّف من قضاء الشريعة وأحكامها الشديدة علي من يرتكبون خطية "الزني"، فلم يكن عقاب الزانية أو الزانية هو الطلاق، بل القتل رجماً بالحجارة (تثنية22: 24) وربما لأجل قسوة اليهود الشديدة أثناء تنفيذ أحكام الإعدام بغيظ وغل، سمح لهم موسي بالطلاق، كإحدي المحاولات لتجنب المصير الدامي الذي يتعرض له كل من يسقط في هذه الخطية! وكأن موسي قد أراد أن يختار اليهود أهون الشرين، الطلاق بديلاً عن القتل! إن الرب يسوع، وهو يجيب عن هذا السؤال، قد قدم كعادته- إجابة تنم عن أن الكتاب المقدس هو كتاب للمبادئ وليس كتاب تشريع، فقد أرجع السيد سامعيه إلي الحالة الأولي التي خُلق عليها الإنسان؛"خلقهما من البدء ذكراً وأنثي" وفي هذه الحالة الأولي، لم يكن الطلاق فقط مجرد أمر محَّرم أو مكروه أو غير مستحب أو غير جائز، بل في الحقيقية كان أمراً مستحيلاً لأنه لم يكن في العالم إلا رجل واحد وامرأة واحدة، فلو فكَّر آدم في تطليق حواء لما وجد أخري ليتزوجها!!
إن المشكلة الكبيرة في تناول هذا النص(متي19) تتمثل في أن بعض الشّراح والمفسرين قد فهموا أن السيد المسيح قصد فعلاً- ألا يسمَح بالطلاق لأي سبب إلا لعلة الزني "حصراً"، بينما يقول آخرون إنه لم يكن في قصد المسيح أن يضع "تشريعاً" جامداً للطلاق، فوضع التشريعات لم يكن ضمن اهتمامات السيد، لكن حديثه كان مجرد شرح للصورة المثالية للزواج في نظر الله الخالق، وهي ارتباط الزوجين مدي الحياة!
ومما يدعونا إلي تبني وجهة النظر الثانية، باعتبار أنها "الأقرب" إلي المنطق السليم وإلي فكر المسيح من وجهة نظرنا، أن المسيح كان في الأغلب الأعم لا يضع تشريعات، ولا يدخل في تفاصيل الأمور التي يسأل فيها، بل كان- غالباً- يضع المبادئ أو ينبَّر علي القيم الأساسية ثم يترك التفصيلات جانباً، وقد يكون ذلك هو السبب الرئيسي وراء صلاحية تعاليم المسيح لكل عصر ولكل جيل، فالتشريعات- مهما سمت وارتقت- لابد أن تتقادم وتنتهي بمرور الأيام، ومن الواضح أن كل التشريعات الإنسانية، الوضعية منها والدينية (أي التي تستند علي أساس من دين)، قد أثبت الزمان عدم صلاحيتها، فالتطور والتغير الإنساني، علي كل المستويات، لابد أن يصحبه تطور علي مستوي التشريع والقانون، كما أن اختلاف ظروف وأحوال كل مجتمع هو سبب آخر لاختلاف التشريعات من دولة إلي أخري.
والحقيقة أن المسيح، في تصرفه ذاك، كان محقّاً كل الحق، لأنه "لَمْ يكُنْ مُحْتَاجاً أَنْ يشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الإِنْسَانِ، لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإِنْسَانِ."(يوحنا2: 25) فلقد أثبتت التجربة الإنسانية أنه لا توجد شريعة- مهما كانت واضحة أو صارمة- غير قابلة للالتفاف حولها أو التحايل عليها. وهذه هي مشكلة القلب الإنساني الخاطئ. إنه "سمكة أتعبت صياد الإنجيل"-كما يقولون.
ولا توجد تشريعات بشرية أو دينية مهما سمت- قادرة علي السيطرة علي جنوح هذا القلب وتمرده وعصيانه، إنها فقط "نعمة الله وحدها"- كما قال المصلحون- التي تستطيع أن تغير، ليس فقط موقف الإنسان كمتهم أو مذنب في حق عدالة الله، بل أيضاً يمكنها أن تُغير الإنسان نفسه من الداخل! إذ تمنحه طبيعة روحية جديدة حين يولَد بالروح القدس من فوق.
وقد يتبادر إلي ذهن البعض أننا- بهذه النظرة- نقلَّل من أهمية الكتاب المقدس ودوره الأسمي في هداية المؤمن وإرشاده في حياته الأرضية، وطوال رحلة سياحته حتي بلوغه بيته الأبدي بسلام، لكن الحقيقة أن هذه النظرة تُخرِجُ الكتاب المقدس من دائرة المحدود إلي دائرة المطلق، وتجعله صالحاً للتطبيق في كل زمان ومكان، فالمبادئ ثابتة وصالحة علي الدوام رغم أن التشريعات والقوانين قد تتغير حسب الزمان والمكان وتطور الإنسان! إن فهم الكتاب المقدس وتناوله باعتباره تشريعاً يمكن أن يفرِّغ الكتاب من قيمته وأهميته، ويجعل الكتاب المقدس عُرضةً لسهام التشكيك والمزايدة. ذلك لأن التشريعات- مهما كانت- هي بطبيعتها مؤقتة ومتغيرة حسب الحضارة والثقافة والظروف، ولعل آباء الكنيسة ولاهوتييها قد فهموا هذه الحقيقة جيداً واستوعبوها بوضوح. فها هو القديس أغسطينوس يقول في هذا الصدد "أحبب الرب بكل قلبك، ثم اصنع ما بدا لك". ولا شك أن من يحب الرب سيحفظ وصاياه، وسيحيا في مخافته، حافظاً للناس حوله حقوقهم، عاملاً لهم ما يحب لنفسه، فهذا هو الناموس كله والأنبياء. (متي: 12).
إن كلام المسيح لابد أن يفهَم في سياقه وقرينته، ولابد أن يوضع حديثه عن الزواج والطلاق في إطاره وقرينته، فلا يستطيع إنسانٌ عادي لم يقبل نعمة الله بعد، ولم يتمتع بالولادة الجديدة بواسطة الروح القدس، أقول لا يستطيع مثل هذا الإنسان أن يقبل مبادئ الأخلاق المسيحية ولا أن يحيا بها. إن الصورة المثالية التي يرسمها الكتاب المقدس عن الزواج تتطلب شرطاً أساسياً يسبق وجودها، إذ يتعين علي من يطلب منه أن يحقَّق هذا النموذج الكامل في حياته أن يكون مسيحياً حقيقياً حتي يتمكن من تطبيق التعاليم الإلهية، بسبب قوة التغيير التي يمنحها الله في الإنسان الباطن؛ في الإرادة والذهن والشعور. فمن دون معونة الله المستمرة وقوة نعمته المحركة والدافعة يصبح من العبث محاولة تطبيق هذا الفكر الكتابي!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.