بالأمس كتبت بخصوص تعليم اللغة العربية في نظامنا التعليمي الحالي وكيف آلت من يسر إلي عسر، وتحولت إلي كابوس مرعب للصغار والكبار من الطلاب بسبب كمية الحفظ الكبيرة التي غدت تحتويها.. وكيف أنها لم تعد علي الإطلاق مجالا للإبداع ولتشجيع المواهب الأدبية.. بل وانتفي أحد أهداف تعلمها ألا وهو القدرة علي التعبير عن النفس شفاهة وكتابة.. وإذا كانت الحال قد أصبحت هكذا في اللغة الأم فكم وكم حال اللغات الأجنبية وطرق تعلمها! من المثير للدهشة أن المصريين القدماء كانوا يعرفون لغات أخري غير اللغة المصرية القديمة.. وتقول النصوص المقدسة والنقوش القديمة إنهم عرفوا عمل (المترجمين) في العصور المصرية القديمة وكانوا بارعين في الترجمة.. وفي التاريخ الحديث جدا جدا، أي منذ عدة عقود كان أجدادنا المصريون يعرفون الفرنسية والانجليزية بشكل ممتاز ويتحدثون اللغتين أو علي الأقل إحداهما بطلاقة.. وكان كثيرون منهم يسافرون إلي فرنسا أو انجلترا لإكمال دراساتهم الجامعية باللغة الأجنبية دون مواجهة أية صعوبة.. ومن المعروف أن ولاية محمد علي باشا علي مصر شهدت حركة ترجمة كبيرة استمرت عقودا طويلة في نمو وازدهار وساهمت بقدر كبير ليس في إثراء الحياة الثقافية في مصر فحسب، بل في انتشار الحركة التنويرية والنهضة المصرية الحديثة.. وإذا كان رفاعة الطهطاوي قد بدأ الترجمة فقد تابع كثيرون من بعده تلك المهمة النبيلة ومن أشهرهم وأغزرهم انتاجا (حلمي مراد) الذي قدم للمكتبة المصرية عشرات المترجمات من روائع الأدب العالمي.. أما الحال الآن فلا يعطي أي إشارة إلي أن الجيل الحالي هم أبناء وأحفاد هؤلاء المترجمين العظماء.. فلماذا لم نعد ننتج في مؤسساتنا العلمية مترجمين أقوياء؟ هل السبب هو ضعف تعليم اللغات الأجنبية؟ أم انحدار مستوي اللغة العربية؟ الحقيقة أن السببين أصبحا يتفاعلان معا في مجتمعنا بطريقة أشبه ما تكون بالكوميديا السوداء.. إذ إن نظامنا التعليمي أفرز فريقين مختلفين، لا يلتقيان، ويدور أفرادهما في حلقة مظلمة.. الفريق الأول: هو فريق المدارس الحكومية المصرية الذي لا يعرف من اللغات الأجنبية إلا أقل القليل وما يفي فقط باجتياز الامتحانات ولكنه لا يؤهل بأي حال من الأحوال للتعبير باللغة واستخدامها حديثا أو كتابة.. والفريق الثاني: هو فريق المدارس الأجنبية وبالأخص التي لا تقوم بتعليم المناهج المصرية، ويتميز هذا الفريق بضعف شديد في اللغة العربية في معظم الأحيان مما لا يؤهل أبناءه -حتي لو كانوا متفوقين في اللغات الأجنبية - للقدرة علي الترجمة. إذا الفريقان لا يلتقيان! والترجمة من وإلي اللغة العربية تصرخ طالبة من يستطيع القيام بها فلا تجد سوي القلة القليلة التي لا تفي باحتياجات المجتمع من النقل من الحضارات الأجنبية إلي الثقافة المصرية من ناحية، وعرض الثقافة والأدب المصري للعالم حتي يتعرف علي مصر من ناحية أخري.. ومع إدراكنا لأهمية هذا الأمر وخطورته، ومع أننا قد أنشأنا مشروعا قوميا للترجمة، ما زال تعلم اللغات يحتاج منا إلي وقفة طويلة ونظرة مستقبلية في اتجاه تعليم اللغات قبل اندثار الترجمة والمترجمين.