بعيدًا عن أسلوب الشتم والسخرية المعتادة.. وهو الأسلوب الذى برع فيه المصرى دون غيره من سائر الأمم واعتبره سلاحًا ضد الطغاة والمستبدين والظلمة ما رأيكم لو قدمنا قصة «أردوغان» وكيف تمرد على أستاذه ومعلمه «أربكان»؟ لكن لا يحلو الكلام إلا بذكر المصطفى (صلي الله عليه وسلم).. فقد تكتلت القوى الغربية من الخارج والقوى العلمانية فى داخل تركيا لمحاربة «نجم الدين أربكان» رئيس حزب الرفاه صاحب الصوت الإسلامى القوى والذى صعد إلى مقعد رئاسة الوزراء.. حتى سقط بعد سنة تقريبًا من توليه المسئولية، بل وتوارى عن المشهد السياسى.. بينما صعد تلميذه رجب طيب أردوغان وتابعه عبد الله جول، بل واستمروا فى السلطة رغم لعبة تبادل المواقع على الطريقة الروسية كما فعلها «بوتين» وتابعه «ميديدييف». وهى لعبة تتعارض تمامًا مع المنهج الديمقراطى الذى ينادى به الغرب ويلح عليه وكأنه الوصى المقدس على الديمقراطية فى أرجاء المعمورة. كان المهندس أربكان مواليد عام 1926 قد أسس حركة الرأى الوطنى فى وقت كان للجيش صوته الأعلى والأقوى للمحافظة على علمانية الدولة المقدسة.. كان أربكان يرى فى مهاتير محمد رئيس الوزراء الماليزى نموذجا مثاليا يعتمد على بناء قاعدة صناعية اقتصادية كبرى معتمدا فى ذلك على الدول الإسلامية الكبرى (مصر وإيران ونيجيريا وباكستان وأندونيسيا وبنجلاديش وماليزيا).. ولا تسأل هنا عن السعودية ودول الخليج رغم اقتصادها القوى؟ فقد أراد أربكان دكتور المحركات أن يتجه إلى الدول التى يراها قريبة من الإسلام الحديث وكان الهدف الأكبر له أن يتحرر من سطوة الغرب عليه، بل أبعد من ذلك كان يفكر فى إقامة منظمة للدفاع المشترك عن الدول الإسلامية على غرار حلف الناتو.. وكان يفكر فى طرح الدينار الإسلامى بديلا للدولار.. ثم بعد ذلك يؤسس منظمة للتعاون الثقافى على غرار اليونسكو. وبعد الانقلاب على الرجل ومشروعه وأبعاده.. انقسم حزبه المنحل إلى جناحين.. الأول يمثل نفس رسالته بما تبقى تلاميذه ومريديه وذلك فى حزب «السعادة» وشعارهم النظام العادل. وتعلم أردوغان واستوعب الدرس وقرر أن يلعب بورقة إسلامه فى العلن.. وأن لا يخسر الغرب أو يعاديه حتى أن قدم أوراق تأسيس حزبه إلى السفارات الأمريكية والانجليزية والإسرائيلية فى بلاده.. وكان حزبه الجديد «العدالة والتنمية» ويكفى أنه أبقى على الحظر المفروض على طلاب مدارس الأئمة والخطباء وعلى دخول المحجبات إلى الجامعة.. فى بداية صعوده ووافق على مطالب الاتحاد الأوروبى بإسقاط العقوبات القانونية فى حق الزنا، حيث كان فعلا مجرما بنص القانون التركى.. وصدرت ترجمات للقرآن الكريم أسقطت فيها الآيات التى تتحدث عن الجهاد أو اليهود والنصارى.. ولخص عبد الله جول هذه التنازلات بقوله: لقد انهارت حضارتنا الإسلامية ولا بد من تغيير قيمنا تبعا للواقع الجديد! ونهض الاقتصاد التركى بالفعل.. استفاد من شعاره الإسلامى فى التعاون مع العرب كسوق رئيسى لإنتاجهم.. واستفاد من تحرره فى فتح الأبواب مع الرأسمالية الغربية الكبرى.. وبهذا النجاح الاقتصادى واللعب على كل الحبال سرًا وعلانية تأكدت شعبية حزب أردوغان فى الشارع التركى.. وقد ارتفعت أعداد المليارديرات إلى 24 بدلا من 6 فقط قبل حكم العدالة والتنمية. دخل أرودغان أكثر فى التحالفات الغربية وأبرزها الناتو.. وفى ذلك قبل بمشروع الشرق الأوسط الكبير حتى أصبح هو سمساره الأول فى المنطقة وهذا ما يفسر لنا ولك وللجميع سر ارتباطه بإخوان مصر.. ولماذا أعلنت أمريكا أن ما حدث فى بلادنا فى 30 يونيو هو انقلاب عسكرى ورجوعها عن هذا ليس لأنها غيرت رأيها.. ولكنها رأت هذا التأييد الشعبى الجارف للثورة العظيمة.. ورأت أنها إذا أعلنت العداء الواضح للشعب فسوف تخسر المنطقة كلها فعادت تناور وتغير جلدها فى العلن.. لكن ما فى القلب ظل كما هو والدليل لعبة مكافحة داعش العبيطة التى أرادت من خلالها جر الجيش المصرى إلى حرب خارج أرضه بحيث يصبح الملعب داخليًا خاليًا أمام عصابة الإخوان الإجرامية التى تريد أن تحرق الأخضر واليابس. أكثر من هذا تبرعت حكومة أردوغان الإسلامية بتوصيل مياه نهرى دجلة والفرات إلى إسرائيل وفتحت موانيها لقبرص الجنوبية.. وهذا ما يكشف لك أهمية لقاء الرئيس السيسى مؤخرًا مع قائدى قبرص الشمالية واليونان.. لأن العداء تاريخى بينهما وبين تركيا ولا بد من تقليم أظافر أردوغان بكل السبل.. وتفويت فرصة السيطرة على موارد وإمكانيات البحر الأبيض المتوسط نهبا للقرصنة الإسرائيلية التركية. اعتمد أردوغان فى مشروعاته على كبار رجال الأعمال الذين ينتمون إلى منطقة هضبة الأناضول مسقط رأسه ومعقل الطبقة المتوسطة من رجال الأعمال الذين عرفوا بالتزامهم الدينى والأخلاقى.. لكنهم كانوا يشعرون بالضياع والدونية أمام القطط السمان من رجال أعمال العاصمة «أنقرة».. ولعب على هذا الوتر واستفاد من الدعم المالى لهذه الفئة وفى المقابل فتح أمامها كل الأبواب المغلقة لكى تزداد ثراء وكان قد شكل جمعية «الموصياد» فى 5 مايو 1990 لهذا الغرض. كان أربكان واضحا يلعب بطريقة مباشرة مكشوفة.. واعتز بنجاحه ووصوله إلى موقع رئيس الحكومة وظن أنه بذلك قد بلغ مراده.. لذلك كان من السهل ضربه وإبعاده.. حتى من شلة التلامذة أو الشبان الصغار الذين دخلوا إلى دنيا السياسة وهم مجرد «كتاكيت» ليس إلا.. وعلى رأسهم أردوغان وجول وقد انفضوا سريعا من حول الرجل أو المعلم، بل وساعدوا فى كسر شوكته والتخلص منه.. وقد عرفوا قواعد اللعبة ومن أين تؤكل الكتف وولوا وجوههم شطر أمريكا وإسرائيل فكان لهم ما كان واستمروا رغم أن بضاعتهم يقال عنها إسلامية.. لكن شتان بين أربكان وأردوغان وبين الذى «وفى» والذى «خان».. ومدد يا شيخ رجب مدد!