«أغاني البرقع» عنوان فيلم سويدي وثائقي قصير عرض للمرة الأولى في مهرجان يوتيبوري للأفلام في العام الماضي 2017. والفيلم من إخراج السويدية حنّا هوغستدت المولودة عام 1981 في مدينة يوتيبوري. وُلد مشروع الفيلم بعد أن حصلت حنّا هوغستدت على تمويل لإنتاج فيلم وثائقي من إخراجها، فخطرت لها فكرة إنتاج فيلم قصير تظهر فيه مرتدية البرقع، أو النقاب، وهي تسير في شارع الشانزلزيه الباريسي مرددة نشيد المارسيلياز، كتحدّ لقانون حظر ارتداء النقاب في الأماكن العامة في فرنسا، ولتتحدّى بالتالي القوانين الاجتماعية الغربية التي اعتبرتها جائرة في هذه المسألة. وكان سيناريو الفيلم يقضي باستفزاز الشرطة الفرنسية بحيث تعتقلها، لكن شيئاً ما لم يسر كما ينبغي، فأدى فشل المشروع إلى الخوض في تحليل أعمق للمسألة، وإلى إدراك جديد للموضوع، بحسب ما كتب توبياس أوكيسون على صفحة مهرجان يوتيبوري للأفلام. أما مخرجة الفيلم فتقول من جهتها، إن فكرة الفيلم كانت في الأساس إنتاج فيلم قصير وسهل يدور موضوعه حول مسألة بعيدة عنها شخصياً وعن نمط حياتها. لكن تبيّن لها أن المسألة أكثر تعقيداً مما تبدو في الظاهر، ما حدا بها إلى التركيز بدلاً من ذلك على أنماط التفكير الموروثة لديها، بالإضافة إلى أنماط التفكير والتعبير في عالم السينما، ثمّ قاد تطوّر مشروع الفيلم، بنسخته الثانية، إلى طرح الأسئلة المتعلقة بالتمثيل والعنصرية والفن. وانتهى ذلك إلى اجتماعات وأبحاث جديدة، وفيلم جديد. لم يكن فيلم «أغاني البرقع 2.0» ليثير اهتماماً كبيراً لو لم يعمد مجلس مدينة يوتيبوري إلى وقف عرض الفيلم في صالة مسرح «فولك تياتر» في شهر مارس/آذار من العام الحالي 2018. ولم يستند قرار وقف عرض الفيلم إلى مضمون الفيلم نفسه، بل بسبب الحوار الذي كان سيلي عرض الفيلم. فالمرأتان المسلمتان اللتان تعاونتا مع مخرجة الفيلم ابتداءً، وكان من المفترض أن تشاركا في الحوار الذي سيلي العرض، اتُّهمتا بأنهما «متطرفتان». ففي اليوم الذي سبق العرض الأول للفيلم، كتب محرّر القسم الثقافي في جريدة «إكسبرس» واسعة الانتشار ينس ليليستراند: «غداً في الرابع عشر من مارس سيُعرض فيلم أغاني البرقع 2.0 على مسرح دار الثقافة بدعم من مجلس مدينة يوتيبوري. وفي النقاش الذي سيلي العرض ستتحدّث امرأتان سبق لهما أن أعربتا عن آراء غير سارّة بالنسبة للإرهاب وتمجيد العنف. وهذه مسألة يمكن للمرء مناقشتها. لكن لم يدعَ أحد من مؤيدي حظر النقاب للمشاركة في الحوار، وهو أمر أرى أنه لافت وليس قليل الأهمية، لأن موضوع الفيلم لا يدور حول مسألة منع النقاب، بل حول انعدام الضمير لدى اليسار الثقافي السويدي». وقد ارتفعت حدّة النقاش على الفور فعمّ المدينة فجأة جدل ثقافي واجتماعي وسياسي، وكان ثمة شيء ما على المحكّ، بحسب ما جاء في صحيفة «سيدسفنسكان» (17 أبريل/نيسان 2018)، ثمّ اتُّخذ القرار بوقف العرض. و«المتطرفتان» المزعومتان هما ميمونة عبد الله وفاطمة دوباكيل. وميمونة عبد الله متخصصة في علم الاجتماع وكاتبة مستقلة وناشطة تعمل في قضايا التعليم في المجتمع. أما فاطمة دوباكيل فهي عضو إدارة لجنة حقوق الإنسان الإسلامية في السويد، بالإضافة إلى أنها ناشطة اجتماعية ومدافعة عن حقوق المسلمين في السويد. ليس أمراً معتاداً أن يتم وقف عرض فيلم أو مسرحية في السويد. ذلك أمر يحدث كثيراً في شرقنا الأوسط المبتلى بالطغاة والرقابة التي تسهر على قداسة الحاكم وعلى حماية نفسية الأمة من الوهن وتمنع إثارة الحساسيات الدينية والقومية، إلى آخر المعزوفة. أما في السويد حيث تسود القوانين التي تحمي الديمقراطية، فقد كُرِّس اثنان من القوانين الأساسية الأربعة، التي تحظى بقداسة تعلو على كل مقدّس آخر، لحماية الحريات وهما «قانون حريّة الطباعة» و«القانون الأساسي لحرية التعبير». ما الذي حدا إذن بمجلس مدينة يوتيبوري إلى اتخاذ هكذا قرار؟ قالت الكاتبة والسياسية ورئيسة مجلس المدينة عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي آن- صوفي هيرمانسون إن النقاش الذي سيلي عرض الفيلم يعبّر عن وجهة نظر وحيدة مؤيدة لحرية المرأة في ارتداء النقاب، من دون إفساح المجال لوجهات النظر الأخرى المعارضة للحجاب وللنقاب. وهذه في الحقيقة وجهة نظر ديمقراطية أيضاً يمكن العثور على سند لها في القانون الذي يحمي حق الآخرين في التعبير عن آرائهم ووجهات نظرهم. لكن الجدل حول الموضوع أصبح عامّاً في السويد فخاض فيه كتاب وسياسيون من جميع المشارب والأحزاب، ووجد طريقه إلى صفحات الرأي في الصحف وعبر أثير الإذاعة وقنوات التلفزة، ناهيك عن منصّات التواصل الاجتماعي. وانقسمت الآراء بالطبع بين مؤيد لقرار وقف العرض ومعارض له، إضافة إلى انقسام الآراء أساساً حول استمرار السماح بارتداء النقاب أو منع ارتدائه أسوة بالدنمارك الجارة القريبة، خصوصاً في هذا الوقت، حيث لم يتبق سوى شهر واحد تقريباً على موعد الانتخابات السويدية العامّة في التاسع من سبتمبر/أيلول المقبل. وموضوع الحجاب والنقاب مسألة يمكن استغلالها في كافة الاتّجاهات، خصوصاً من جانب أحزاب اليمين والجماعات العنصرية من أجل إثارة مشاعر الإسلاموفوبيا في المجتمع، وبالتالي كسب أصوات اليمين المعادي للأجانب عموماً. لكن إثارة تلك المشاعر السلبية لم تقتصر على أحزاب اليمين فقط، بل شاركت فيها بعض الدوائر المحافظة ضمن الحزب الاشتراكي الديمقراطي المعروف بدفاعه عن التعدد والتنوّع في المجتمع ودعمه لنشاطات وحقوق الأقليات. لكنها الانتخابات، ولا أحد يريد العودة منها بخفيّ حنين. في الأول من شهر أغسطس/ آب الجاري بدأ تطبيق قانون منع ارتداء النقاب في الأماكن العامة في الدنمارك، وحسب القانون فإن ارتداء النقاب يعرض الفاعل(ة) إلى دفع غرامة مالية قيمتها 1000 كرونة دنماركية (حوالى 155 دولارا)، وفي حال التكرار قد تصل الغرامة إلى 10 آلاف كرونة. وقد خرجت إثر ذلك في كوبنهاغن مظاهرة منددة بقانون الحظر، شاركت فيها العشرات من المنقبات والمحجبات ومن يؤيدهن، بالإضافة إلى العديد من الدنماركيين والدنماركيات. لكن، قضي الأمر وطبّق القانون وتركت المنقبات الدنماركيات يخضن معركتهن وحيدات لا ناصر لهن ولا معتصم يستنجدنه سوى المليونير الفرنسي الجزائري الأصل رشيد نقّاز ليدفع عنهن الغرامات كما وعد، والذي كان قد دفع بالفعل آلاف الغرامات عن المنقبات في فرنسا منذ بدأ تطبيق حظر النقاب في أبريل 2011. واللافت في أمر المنقبات الدنماركيات، والمنقبات في الغرب عموماً، ومعركتهن اليائسة هو انقطاع سبل المدد الذي كان سيهبّ في ما مضى لإسعافهن بكل أشكال الدعم المادي والمعنوي. فالجماعات السلفية السعودية التي تعتبر منبع الدعم والإسناد لمعظم الحركات السلفية المتشددة في العالم وفي أوروبا على وجه الخصوص، مشغولة بنفسها بعد التضييق عليها واعتقال بعض رموزها المهمة في عهد الانفتاح السعودي الجديد، حيث سُمح للنساء أخيراً بقيادة السيارات بعد أن كان كبار علماء السعودية يفتون بحرمة ذلك. ولم يقتصر الأمر على السماح للنساء بقيادة السيارات والحدّ من صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثمّ السماح بإقامة النشاطات الترفيهية، بل وصل الأمر ببعض علماء السلفية السعوديين إلى إطلاق فتاوى وآراء غريبة أحدثت بلبلة في أوساط السلفيين قبل غيرهم، كما فعل السلفي البارز عبد العزيز الريّس الذي حذّر من انتقاد الحاكم علناً أو الخروج عليه حتى «لو قام الحاكم بالزنا لمدة نصف ساعة، وشرب الخمر على التلفزيون الرسمي، فإنه لا يصح الخروج عليه، أو انتقاده على العلن». فإذا كان هذا حال الحاكم ورجل الدين في عقر دار الإسلام، فمن سينكر على الدنمارك سنّها لقانون حظر ارتداء النقاب في الأماكن العامّة؟