إطلاق الحقيبة الأولى للبرنامج التدريبي «أساسيات التدريس» لمعلمي الابتدائية بالوادي الجديد    بث مباشر، قداس عيد الغطاس المجيد بكنيسة الأنبا بيشوي ببورسعيد    92.2 % صافي تعاملات المصريين بالبورصة خلال تداولات جلسة بداية الأسبوع    الحكومة تكشف أسباب تأخير إعلان خطة خفض الدين وعلاقته بالتعديل الوزاري    باب جايي لاعب السنغال أفضل لاعب في نهائي أمم أفريقيا 2025.. فيديو    ريال سوسيداد يُسقط برشلونة 2-1 ويشعل قمة ترتيب الدوري الإسباني.. فيديو    وزير خارجية الدنمارك: ترامب شخص غير عادي والولايات المتحدة أكبر من الرئيس    ماني وبونو ودياز، جوائز الأفضل في أمم أفريقيا 2025    ياسر عبد الرؤوف: الحكم أخطأ فى إلغاء هدف السنغال وركلة جزاء المغرب صحيحة    السنغال تتوّج بكأس أمم أفريقيا بعد مباراة درامية ضد المغرب    أيمن الرمادى: لازم يكون لمنتخب مصر شكل مع حسام حسن والجزار سينجح بالأهلى    بكاء براهيما دياز بعد إهدار ركلة جزاء أمام السنغال في الدقيقة الأخيرة (فيديو)    حبس سائقين استوليا على مليون جنيه من إحدى الشركات في الدقي    أهالي قرية الراهب يستعدون لتشييع جثامين الأطفال الثلاثة (صور)    محمد علي خير: لقمة العيش أصبحت الهم الأول للمواطن    تغيير اسم مسلسل أحمد العوضي الجديد لهذا السبب    استحمام الأطفال فى الطقس البارد وكيف تحافظين على صحتهم؟    شعبة الأدوية: قرار التركيبات الدوائية يتحدى قانون مزاولة مهنة الصيدلة    ضبط 5 متهمين باختطاف واحتجاز شخص في مطروح    بابي جاي يدخل تاريخ السنغال بالهدف ضد المغرب    هل تعمد إبراهيم دياز إهدار ركلة جزاء المغرب ضد السنغال؟ فيديو وصور    وزير الثقافة يفتتح معرض «مسار» للفنان خالد زكي بقبة السلطان الغوري    المتحف الذى سقط من ذاكرة المسئولين |الشرقية تتذكر عرابى يومًا.. وتنسى مشروعه دهرًا    افتتاح مهرجان صندانس ال41 الخميس المقبل    اليابان: استقالة نائب من الحزب المعارض بعد احتجاجات على اجتماعه مع نتنياهو    حبس متهم بقتل ابنته والاعتداء عليها جنسيا في مطروح.. وإخلاء سبيل والدتها    فينيسيوس بعد صافرات الاستهجان: سأرحل عن ريال مدريد    وزير الدفاع اللبناني يصل قطر على رأس وفد عسكري    بشير عبد الفتاح ل كلمة أخيرة: لجنة إدارة غزة خطوة مبشرة.. لكن تعنت إسرائيل يهدد مسارات الحل    ضبط مكبس حشيش و1000 فرش وسلاح نارى وطلقات فى القنطرة غرب بالإسماعيلية    خلال احتفالية "الإسراء والمعراج".. محافظ الإسكندرية: سنسرع وتيرة العمل لإنهاء مشروع تطوير ميدان المساجد    نظام غذائى صحى لمرضى الضغط المرتفع والكوليسترول    168 شاحنة مساعدات تغادر معبر رفح البري إلى كرم أبو سالم لتسليمها للجانب الفلسطيني    دعاء أول ليلة في شعبان يتصدر اهتمامات المسلمين مع اقتراب شهر رمضان    محافظ القاهرة يلتقى سفير بيرو بديوان عام العاصمة    كلية علوم الرياضة بجامعة أسيوط تُنظّم المعسكر السنوي لطلاب الفرقة الأولى    تشييع جثمان طاهر القويري صاحب بسكويت الشمعدان من مسجد المواساة في الإسكندرية    نائب يبحث مع رئيس شركة القناة لتوزيع الكهرباء حل مشكلات ضعف التيار بالإسماعيلية    تأجيل محاكمة متهم بخلية المعادي لجلسة 18 أبريل    رئيس شركة الصرف الصحي بالإسكندرية يتابع جاهزية محطة رفع الرأس السوداء ميدانيًا    محافظ أسوان يشدد على الاستعداد المبكر لمواجهة السيول والأمطار    وزير الري: المتابعة الدقيقة على مدار الساعة لما يحدث بالسد الإثيوبي لتقدير مناسيب المياه    السيسي يطلع على بيان بحركة الملاحة في قناة السويس (فيديو)    حالة الطقس.. الأرصاد: ارتفاع فى درجات الحرارة اعتبارا من الأربعاء المقبل    أسبوع الخير.. مظلة حماية شاملة يقودها صندوق تحيا مصر ومؤسسة مصر الخير بالمنوفية    بعد تداول تريند المية المغلية.. الأوقاف تحذر: إيذاء النفس محرم.. والصداقة لا تُقاس بالألم    غدا.. المتحف المصري الكبير أيقونة ثقافية تروي قصة الإنسان المصري في ملتقى الهناجر الثقافي    وزير الدفاع يشهد حفل تخرج دورة التمثيل الدبلوماسي العسكري المصري بالخارج    أطباء مستشفى جامعة القاهرة ينجحون في أول عملية زراعة قوقعة| صور    فاكهة السعادة السريعة.. كيف يؤثر الموز في المزاج والطاقة خلال دقائق؟    قبل رمضان.. أسعار الياميش مستقرة والزبيب المصري ينافس الإيراني    لم يستخدم سوي قدمه ويداه.. محامي أسرة ضحيه المنوفية يوضح كيفية انهاء حياة العروس    مسؤول روسي ينصح وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي ب«عدم شرب الكحول قبل التصريحات»    دار الإفتاء: إيذاء النفس باسم اختبار الصداقة محرم    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 18يناير 2026 فى محافظه المنيا    إصدار قرارات علاج على نفقة الدولة بتكلفة 30.8 مليار جنيه خلال 2025    وفاة رجل الأعمال طاهر القويري الملقب بملك الشمعدان    بث مباشر.. منتخب مصر يواجه نيجيريا اليوم لتحديد المركز الثالث في أمم إفريقيا 2025    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جماليات أدب السجون في ندوة تونسية
نشر في نقطة ضوء يوم 20 - 01 - 2012

شكّل ظهور مجموعة من الروايات الجديدة المرتبطة بأدب السجون بعد الثورة، حدثا ثقافيا وإبداعيا خاصّة بعد النجاح الهامّ لرواية "برج الرومي" لسمير ساسي التي طُبعت منها ثلاث طبعات خلال أقلّ من أربعة أشهر. وتواصلا مع كلّ التحوّلات التي تشهدها الساحة الثقافيّة في تونس ومواكبة لها نظّمت "منشورات كارم الشريف" بالاشتراك مع مركز الزيتونة للدراسات الإستراتيجية مؤخّرا ندوة حول "أدب السجون في تونس" خُصّصت لدراسة هذا النوع الإبداعي الجديد الذي بدأ يفرض حضوره القوي في تونس كجنس أدبيّ جديد أعاد، بشكل جليّ، إحياء علاقة التونسي بالكتاب. والذي ما كان ليظهر لولا الثورة التونسيّة، لأنّ الديكتاتور كمّم كلّ الأفواه والعقول والأقلام. وتضمّن برنامج الندوة قراءة في أربعة أعمال إبداعيّة منها ثلاث روايات: "برج الرومي" و"في القلب جمرة" و"الشتات"، ومجموعة قصصيّة بعنوان "المبصرون".
وتتنزّل هذه الندوة في إطار تنشيط الحركة النقدية في تونس التي تشهد ركودا لا يتماشى مع واقعها، والانفتاح على النصوص الجديدة التي لا تحظى باهتمام نقدي مواكب لها، بما أن النقد الإبداعي والأدبي والثقافي في تونس لا يزال أسير الإبداعات القديمة ولم يمتلك بعد مغامرة الانفتاح على النصوص الجديدة. وهذا ضدّ الحركة الإبداعية بشكل عام. واللاّفت أنّ الندوة تابعها عدد كبير من أحبّاء الإبداع والمهتمّين به يندر أن تشهده التظاهرات الثقافيّة في تونس.
• وضع ثقافي مأساوي
وانتقد، بشدّة، الإعلامي كارم الشريف في مستهلّ الندوة البؤس الثقافي في تونس ما بعد الثورة الذي يتحمّل مسؤوليته المثقّفون والمبدعون وخاصّة وزارة الثقافة التي انتهجت سياسة ثقافيّة مضادّة لأبسط مبادئ الثورة. وكشف عن بعض جرائمها هي ومؤسّساتها ضدّ الكتاب التونسي. كما انتقد الأداء السلبي لكلّ من اتّحاد الكتّاب ونقابة الكتاب وكشف عن بعض تجاوزات اتّحاد الناشرين التونسيين الذي حمّله المسؤوليّة الكاملة في تدمير الكتاب التونسي داخل تونس وخارجها.
• الأوجاع أثقل من اللّغة
أولى الروايات هي رواية "برج الرومي" لسمير ساسي التي تعدّ من النصوص الأولى الأساسيّة التي دشّنت أدب السجون في تونس فلقد كانت أولى الروايات المطبوعة بعد الثورة وحظيت هذه الرواية دون غيرها من الروايات بعناية النقّاد والدارسين كما لقيت الحفاوة المناسبة لها من قبل وسائل الإعلام. قدّم حمّادي البرواقي هذه الرواية فأشار أوّلا إلى ثرائها وإمكانيّة مقاربتها من زوايا عديدة ومتنوّعة: نفسيّة واجتماعيّة وأنتروبولوجيّة. أهميّة الرواية في كونها تكشف عن أساليب التعذيب الفظيعة التي تعرّض لها الكاتب مع رفاقه خلال فترة اعتقال دامت عشر سنوات لاسيما في سجن برج الرومي الذي عُرف بكونه أسوأ السجون التونسيّة سمعة. ولذلك فإنّ من يقرأ النصّ لا يفوته أنّ الأوجاع أثقل من اللّغة، ومن هنا فإنّ التأليف في هذا الضرب من الروايات لم يكن خيارا ذاتيّا إراديّا وإنّما كان خيارا إبداعيّا مفروضا على المبدع. فأدب السجون هو أدب يفرض نفسه على السجين كما أنّ السجين يفرض نفسه عليه على اعتبار أنّه قد ولد في رحم المعاناة والقهر ورسالة الكاتب في هذا النمط الأدبي قد تنطلق من اعتبارات شخصيّة ولكنّها لا تنغلق عليها بل تسعى لتأكيد الرسالة الإنسانيّة العامّة... رسالة رفض الظلم وإعلاء قيم الحرّية والكرامة.
• أمل النضال وألم الاستبداد
الرواية الثانية التي أدرجت ضمن الندوة هي رواية "في القلب جمرة" لصاحبها حميد عبايدية، وأبرز مقدّم الرواية علي شقواي أنّ أهمّ ما يميّزها هو أنّها محكومة بالنفس الشعري ويبرز ذلك من خلال الإيقاع الداخلي الذي يشدّها فهي تُعرض علينا من خلال زاويتي نظر: زاوية البطل أحمد الشارني وزاوية الشخصيّة الثانية الرئيسيّة في الرواية وهي شخصية ندى. والرواية لم تكتب وفق اللّغة التقريرية الإحالية بل كتبت بلغة على غاية كبيرة من الإيحائية وهذا ما جعل الراوي يخرق الخطّية المعهودة للزمن من خلال ضرب من التداخل بين الماضي والحاضر، ولذلك فإنّ تواتر الأحداث في الرواية وعلى خلاف غيرها من الروايات لا تحكمه مقتضيات الحبكة بقدر ما يحكمه ضغط الشخصيّة المحوريّة. يبرز الجانب الشعري في الرواية كذلك من خلال جملة من الثنائيات الأساسيّة التي تجلّت فيها، أهمّها ثنائيّة العاطفي والسياسي (تقاطع الحبّ والالتزام السياسي) وتليها ثنائيّة التاريخي والجمالي.
رواية "في القلب جمرة" تصوّر لنا تجربة سياسيّة يمكن اعتبارها من أخطر التجارب في تاريخ تونس المعاصر وهي تجربة الإسلام السياسي من خلال نموذج مثقّف آمن بالنضال وبضرورة دحر الاستبداد ومن هنا فإنّنا نتعرّف على نضالات الإسلاميين في سجون بن علي وعلاقاتهم وما سُلّط عليهم من تعذيب يصل إلى حدّ كبير من البشاعة إضافة إلى مواجهاتهم مع النظام البائد.
• محاكمة نظام الديكتاتور
أمّا رواية "الشتات" لخديجة التومي فقد تكفّل بتقديمها عبدالرحمان الهذلي، وتقوم الرواية على ثلاثة أبطال: الزوج معاذ والزوجة حوراء والإبن يزن؛ وعلى غرار رواية "في القلب جمرة" فإنّ رواية "الشتات" لا تقوم على زمن خطّي تصاعديّ بل كانت تراوح بين الحاضر والماضي والمستقبل فارضة على القارئ أن يعيد تركيب قطع اللّوحة الأليمة التي عاشها أبطال الرواية. والمتفحّص لبناء الرواية لا يفوته اعتمادها على أسلوب استرجاع الماضي إذ كلّما اشتدّ وجع الشتات على حوراء هرب ذهنها في شتات آخر إلى الذكرى فهي تبحث عن ملجأ لها يقيها من وجع الحاضر وذلك في ماضيها وطفولتها البريئة الحالمة. تتحدّث رواية "الشتات" عن شابّ وطنيّ مناضل يدعى معاذ تجمعه الجامعة بطالبة هي حوراء الوافدة ببراءة الريف على عالم المدينة الصاخب وعالم الجامعة الذي يغلي بالسياسة والعاطفة التي جمعتهما كانت مدخلهما إلى ذلك العالم لكن بخروجهما إلى خارج أسوار الجامعة يستفيقان من أحلام النضال وتغيير العالم كلّه حينما يصطدمان بقساوة الواقع وشراسة النظام مع معارضيه ويجدان نفسهما أمام سؤال قاس: لمن الأولويّة لرعاية الأبناء أم لفداء المبادئ؟ فكان ذلك بداية الشتات وهذا ما يقودنا إلى أنّ أبعاد الرواية الأساسيّة إنّما تكمن في رحلة التّيه والشتات التي خاضها أبطال الرواية ومن خلال كلّ ذلك تقيم الكاتبة محاكمة للنظام في أبعاده القطرية والإقليميّة والدوليّة.
• الشعب السجين
وتندرج مجموعة "المبصرون"، كما أبرز مقدّمها شوقي بوعناني، ضمن أدب السجون بالمعنى الواسع والمجازي للسجن على اعتبار ما كان يستشعره الأبطال من ضيق واغتراب ومعاناة في وطنهم، وذلك إذا ما أخذنا في الاعتبار القيود التي كانت مفروضة على حرّية التعبير والخوف أو الرهبة التي كانت تلاحق المواطنين فلقد أصبح لكلّ مواطن سجنه الخاصّ به وهو سجن إرادي وطوعي يدخل فيه بلا جلاّد ولا سجّان (أغلب أبطال المجموعة القصصيّة من طلبة الجامعة التونسيّة في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات وقد اصطلح البعض على تسمية هذا الجيل بكونه جيل المحرقة). وانطلاقا من هنا نلاحظ أنّ أغلب الشخصيّات تعاني من تشوّهات نفسيّة إمّا بسبب تجارب سياسيّة معيّنة أو بسبب تجربة البطالة في صفوف حاملي الشهادات العليا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.