بقلم : عزت العفيفى تعيش منطقة الشرق الأوسط حالياً لحظة توتر نادرة ويبدو مصيرها معلقاً علي نتيجة المباراة المشتعلة حالياً بين فريقين أولهما تقوده إسرائيل ويرمي إلي اشعال حريق كبير لإعادة رسم خارطة المنطقة بما يكرس وضعها كقوة نووية وحيدة مما يسهل عليها ابتزاز جيرانها وفرض شروطها.. وثانيهما تقوده تركيا ومعها الصين يهدف إلي سحب الذرائع من تل أبيب والانتصار لخيار التعايش المشترك وتسوية المشكلات عبر الحوار وليس بواسطة التهديد باستخدام القوة المسلحة.. واللافت أن تركيا التي تبحث عن طرح نفسها كقوة إقليمية للسلام قد تعاظم خلال السنوات الماضية وبلغ ذروته في نجاح رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان في توقيع اتفاق مبادلة اليورانيوم الإيراني بمساعدة الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا لقطع الطريق علي الغرب لفرض حزمة رابعة من العقوبات ضد إيران لرفضها وقف تخصيب اليورانيوم ومن ثم وقف دوران عجلة الحرب فيما لو فشلت العقوبات في تحقيق المراد من ملالي طهران. واللافت أن تركيا التي ترتبط بعلاقات تحالف مع تل أبيب تبدو مؤهلة جداً للقيام بدور الوسيط، ولاسيما أنه سبق لها أن رعت مفاوضات غير مباشرة عام 2007 بين سوريا وإسرائيل بشأن هضبة الجولان المحتلة والتي توقفت عقب العدوان الإسرائيلي علي قطاع غزة أواخر 2008 وبداية 2009.. لكن هذه العلاقات التركية الإسرائيلية تعيش حالياً أسوأ مراحلها بعد التوترات التي اعترتها منذ المشادة العنيفة بين أردوغان والرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز في منتدي دافوس وما تلاه من أزمة توبيخ السفير التركي لدي إسرائيل في 12 يناير الماضي علي خلفية إذاعة مسلسلات تليفزيونية تركية اعتبرتها إسرائيل معادية للسامية وكان من تداعيات هذه الأزمة تعليق مشاركة إسرائيل في مناورات نسر الأناضول لأجل غير مسمي. ورغم أن زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك نجحت في تجاوز الأزمة إلا أن ما حدث من جريمة الاعتداء علي أسطول الحرية ووقوع نحو 19 قتيلاً برصاص الجنود الإسرائيليين من شأنه أن يلحق أضراراً بالغة بالعلاقات بين أنقرة وتل أبيب.. بدليل استدعاء الأولي للقائم بالأعمال الإسرائيلي والمظاهرات الحاشدة التي جابت أنقرة واسطنبول للتنديد بالوحشية الإسرائيلية. وبعيداً عن الفوضي في جذور العلاقات التركية الإسرائيلية فإن مجزرة شهداء الحرية سوف يكون لها ما بعدها علي صعيد علاقات إسرائيل الخارجية بدليل مسارعة عواصم العالم لإدانة ما حدث وتعليق دولة مثل اليونان مشاركة إسرائيل في مناورات عسكرية مشتركة انطلقت الأسبوع الماضي احتجاجاً علي الجريمة البشعة. المهم أن إسرائيل لا ولن تكف عن اختلاق ذرائع لشن عدوان شامل علي أعدائها في المنطقة وتحديداً إيران وسوريا ولبنان وبالتبعية حماس وحزب الله، ولن تعدم تل أبيب من استدعاء الذرائع الجاهزة والمعلبة، ويكفي أن نشير إلي ما زعمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن قيام عناصر من حزب الله بتشغيل منصات صواريخ سكود في سوريا.. بعبارة أخري أن دمشق تستضيف قواعد صواريخ لحزب الله.. وهو اتهام ركيك لا يصمد علي أرض الواقع.. ولاسيما أنه جاء بعد ساعات من تصريح الرئيس السوري بشار الأسد من أن دعمه لحماس أو حزب الله لا يعني "الحب" في إشارة إلي نظامه العلماني الذي تختلف جذوره علي حماس وحزب الله ذات الصيغة الدينية. اتهامات نتنياهو بمثابة تكرار للعزف علي سيمفونية تزويد سوريا لحزب الله بصواريخ سكود وهو ما تخشاه إسرائيل باعتباره تهديداً لأمنها واخلالاً بميزان الرعب بينها والحزب الشيعي الذي فشلت في إلحاق الهزيمة به في عدوان 2006. ومما يدل علي تهافت الاتهامات الإسرائيلية لسوريا أن دمشق التي تعرضت لاستفزازات إسرائيلية عديدة لاختبار أعصاب قيادتها الشابة سواء عبر تحليق المقاتلات الحربية فوق قصر الرئيس السوري أو عبر الغارة علي دير الزور في عام 2007 بزعم وجود مفاعل نووي.. حيث جاء رد الفعل السوري منطقياً ومدروساً ولم تستسلم للاستفزازات الإسرائيلية.. وفي ضوء ذلك يصعب علي أي عاقل تصديق الرواية الإسرائيلية. وكلنا يتذكر كيف وقف نصر الله يزف من شاشة قناة المنار خبر إصابة سفينة حربية إسرائيلية من طراز "ساعر" بصاروخ لمقاتلي الحزب وهو ما اعتبر تطوراً في ترسانة الحزب الصاروخية وإحدي مفاجآت الحرب مع "مقبرة" دبابات الميركافا فخر الصناعة الحربية الإسرائيلية. بكلام أكثر تحديداً يقول داني إيالون نائب وزير الخارجية الإسرائيلي في أي حرب مقبلة لن يكون حزب الله المستهدف الوحيد فالثمن الذي ستدفعه الحكومة اللبنانية ورئيسها لن يكون أقل مما يدفعه الحزب.. وردنا العسكري لن يميز بين لبنان كدولة وحكومة وبين حزب الله.. محاولات إسرائيل لاشعال المنطقة لم ولن تتوقف عند لبنان.. فقد عاودت تسخين الأوضاع في قطاع غزة سواء بمعاودة قصفه بشكل منتظم لاستفزاز الفصائل الفلسطينية ومعاودة سيناريو العدوان الأخير أو عبر "القرصنة" التي مارستها ضد أسطول الحرية لكسر الحصار وهو ما أعاد إلي الواجهة مأساة 5.1 مليون فلسطيني يعيشون تحت الحصار رغم اجماع الكثيرين علي عدم قانونية فرض الحصار وتحذيرهم من آثار عكسية.. وبعيداً عن سوريا ولبنان وغزة.. صعدت إسرائيل من ضغوطها علي إيران وأقدمت علي نشر ثلاث غواصات إسرائيلية مزودة بصواريخ نووية في مياه الخليج قبالة السواحل الإيرانية بزعم الخشية من تعرض بعض المواقع الإسرائيلية مثل القواعد الجوية وقواعد إطلاق الصواريخ لهجمات بالصواريخ الباليستية التي تطورها إيران وسوريا وحزب الله. في المقابل مازال الفريق المناوئ لإسرائيل وتحديداً أردوغان يسعي لتسويق الاتفاق الثلاثي بين إيران وتركيا والبرازيل باعتباره خطوة يمكن البناء عليها لتسوية أزمة الملف النووي الإيراني، كما يأمل السيناتور جورج ميتشل المبعوث الأمريكي لعملية السلام في احراز تقدم علي صعيد المفاوضات غير المباشرة ويأمل في أن يجد جديداً يقدمه لأوباما الذي يلتقي الرئيس أبومازن في واشنطن 19 من الشهر الجاري لتقييم المفاوضات غير المباشرة.. وعلي وقع الشد والجذب بين الضاربين علي دفوف فوق الحرب ورافعي غصن الزيتون تتأرجح منطقة الشرق الأوسط انتظاراً للحسم لأن بقاء حالة اللاسلم واللاحرب الحالية لن تدوم طويلاً.. ويبقي أن نقول: هل ما قامت به إسرائيل من "بلطجة" ضد أسطول الحرية الذي كان يحمل الغذاء والدواء للمحاصرين "رسالة رمزية" لخصومها في المنطقة وتذكيرهم بامتلاكها لواحدة من أكثر آلات القتل والدمار في العالم.. أم أنها مصادفة وجريمة كاشفة لبلطجة وارهاب الدولة التي تجسدها الدولة العبرية منذ نشأتها.