غرق الكثير منا في دوامة من الحزن والأسي عندما داهمتنا انباء تحركات عدد من المحامين برفع دعوي امام القضاء لمصادرة كتاب ألف ليلة وليلة الذي قامت بطبعه سلسلة زخائر التي يرأسها الروائي والكاتب الكبير جمال الغيطاني وتعرض الغيطاني وكذلك الدكتور احمد مجاهد رئيس هيئة قصور الثقافة الي حملة ضارية تتلخص في ما معناه "ان الكتاب يحرض علي الفسق ويخدش الحياء" وكاد العديد من المثقفين ان يقسم بأن هؤلاء الحريصين علي الفضيلة وصون الحياء، لم يقرأوا صفحة في هذا الكتاب الذي بات تراثا انسانيا عالميا حيث لا يوجد تقريبا كاتب كبير من أية جنسية كانت الا واستلهم بعضا من ابداعاته من ألف ليلة- وليلة أو علي الأقل ان يكون هذا العمل الابداعي الرائع والفريد قد اثمر في وجدانه واثراه.. وطبعا لم ير هؤلاء الساهرين علي "الفضيلة" والذين لا يتجلي حرصهم هذا الا في دعاوي اغلاق كل نوافذ الفن والابداع كلمة أو رسما أو تمثيلا، سينما أو مسرحا، قصيدة أو قصة أو أي نوع من انواع الفن، وهم بالتالي لا يتحمسون واحداً علي ألف من حماسهم لمصادرة الابداع الفني، لمصادرة الكتب الصفراء الطافحة بالافكار الظلامية والخزعبلات والشعوذة والمنتشرة في كل مكان في البلاد لم يروا هذا الكم من الكتب الصفراء وهو ما فعل فعله بكل تأكيد في عقول ابنائنا وغير تغييرا جذريا في سلوك المصريين وشوه ثقافتهم الحضارية السمحة والتي كانت مثار اعجاب العالم، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا لوسطيتها المبهرة.. وبقدر ما اهتز الضمير الثقافي في مصر لهذه الهجمة الجديدة التي لا تخطيء هدفها المنشود ابدا بقدر ما اسعد الناس حكم محكمة جنوبالقاهرة الابتدائية برئاسة المستشار ناصر حسين وعضوية كل من المستشارين هشام ابراهيم واحمد حسني وبحضور المستشار حسن فاروق حامد كأمين سر، الذي قضي أي الحكم التاريخي بكل ابعاد الكلمة برفض دعوي قدمها شخص ضد الكاتب الروائي علاء الاسواني لمصادرة روايته "عمارة يعقوبيان" بدعوي ان احدي شخصيات الرواية يحمل اسما يشبه اسمه الاول وان الاسواني تعمد ذلك لان الشخص المقصود شاذ جنسيا!! وبعد التحية والاعراب عن الفخر بقضائنا المستنير وانتصاره لحرية الابداع التي وحدها تعبر عن تقدم الامم وتساهم بالقطع في تحقيق هذا التقدم نشير الي ان هذا الحكم التاريخي يأتي كفاتحة خير وامل بأن "تشل" الايادي التي تسعي الي اقصاء الدور المصري الفني والابداعي وهو الذي حققه في العقود السابقة علي بداية الهجمة الظلامية، مكانة مصر الرفيعة باشعاعها الثقافي والابداعي ونطرح بعض التساؤلات عن اساليب طيور الظلام.. هل يعقل ان يدعي احد في مصر تشابه اسمه الاول مع اي اسم آخر لا يطالبه بوقف أو مصادرة فيلم أو رواية الخ؟ وهل كان بوسع الأسواني، درءا للشبهات؟! ان يسمي بطل الواقعة المقصودة اسما أوروبيا أو أمريكيا؟ وبوقفة بسيطة أراهن بتقديم مليون جنيه "اعرف انني لا امتلك ربعه ولكني واثقة من رهاني" هدية لمن يستطيع احصاء عدد المتقاسمين وليس فقط المتشابهين في الاسماء فكم في مصر من عصام وهاني ومحمد وبطرس وسامي وعمرو وهند ومني وغير ذلك من الاسماء التي يشترك فيها احيانا اربعة تلاميذ في فصل دراسي واحد.. أيضا هل يساوي تحقيق هدف الشهرة برفع قضايا انقرضت من العالم اجمع وربما حتي من البلاد التي صدرت لنا هذه الافكار المرعبة، ان يستحضر المتابع للقضية المثل القائل: اللي علي رأسه بطحة؟! وتفسر حيثيات الحكم مغزي رفض الدعوي وأسباب ذلك بأنه نظرا لما حوته أوراق الدعوي ان الشخص الذي يدعي حاتم رشيد في الرواية- هو شخصيته من وحي خيال المؤلف ولوجود اختلاف حاد وجذري بين المدعي وبين الشخصية الروائية، من حيث الاسم والمهنة وطبيعة العمل، وحيث ان خيال المؤلف هو مدار المؤلف ومعايشة المجتمع هي المحك الذي يبني عليه المؤلف خياله، فلا حرج عليه ان تلاقت بعض سمات أو صفات أو اسماء الشخصيات التي يصورها مع بعض الشخصيات في الواقع.. لو كنت من المسئولين عن التوعية والثقافة في هذا البلد لجعلت من هذا الحكم البالغ الاهمية في هذه المرحلة محورا مهما من محاور الثقافة وايضا في الخطاب الديني حتي لا تجرفنا الموجة العاتية الخبيثة المسمومة التي تعمل علي انتزاع "روح مصر" وحتي يتأسي الجميع وفي كل مناحي الحياة بما فيها سلك القضاء بهذا الفهم المستنير لدور الابداع وارتباطه بالواقع المعاش دونما التوقف عند تشابه اسماء أو سلوكيات.. وأري ان رواية الأسواني حققت ما حققته من نجاح وكذلك الفيلم المأخوذ عنها تحديدا لانها "واقعية" كما ابدعها خيال المؤلف واستاذنا العميد في الرواية والادب عموما نجيب محفوظ، حقق مكانته التي لا يدانيه فيها احد لأنه كان شديد الواقعية في أدبه.. ولكن من قال ان هؤلاء - سواء عن عمد أو جهل - يريدون التقدم لمصر بانتقال السلبيات وتحفيز الايجابيات فيها من خلال تسجيل واقعها بكل السبل وفي المقدمة بالابداع الادبي والفني عموما؟ ان اغلاق نوافذ الابداع يؤدي الي الاختناق وهو ما يريدونه وهو ما رفضه قضاؤنا العظيم - المستنير .