لعب "الخاتم" دوراً أساسياً في القصة وكان "المفتاح" الذي لا يمكن استساغة الأحداث من دونه وجاء المخرج الشاب ليستغني عنه ليؤكد قصور فهمه للقصة وعجزه عن التواصل مع رؤية كاتبها ..التلصص ثم الممارسة مع زوج الأم بنفس راضية في الفيلم تعكس وجود نية للخيانة مع سبق الإصرار والتعمد بينما لا يعدو الأمر في قصة يوسف إدريس رضوخاً وإذعاناً لمناخ عام قوامه الفقر حدث هذا مع مخرجين كُثر، قبل "الهواري"، حتي أصبح لدي يقين جازم أن إبداع يوسف إدريس يكفي لتمرير العمل الفني، ومخرجه، إلي القمة ومنصة الجوائز، بل ويضفي عليه أهمية لا تكمن أحياناً في مضمون العمل الفني، بل تعود في الغالب إلي "الكاريزما" التي يتمتع بها إبداع د.يوسف إدريس نفسه، وليس شخصه فقط، وزاد من هذا اليقين والثقة أن لجنة التحكيم التي منحت "الهواري" جائزتها الخاصة ترأسها المخرج الكبير سمير عوف، حتي أتاحت لي الظروف مشاهدة فيلم "بيت من لحم" في الدورة السادسة عشرة للمهرجان القومي للسينما المصرية، واكتشفت حجم الجريمة التي اقترفت في حق مبدعنا الكبير د.يوسف إدريس، فقد بدا لي أن المخرج الشاب أحمد الهواري لم يستوعب القصة القصيرة التي أبدعها د.يوسف إدريس، ولم يتوصل إلي معانيها التحتية، بل قرأها من علي السطح، وهو ما يؤكده تقديمه للفيلم بقوله: أجسادهن الجائعة، ورغبتهن المكبوتة، ساقتهن نحو لحظة ارتواء محتومة، فيتفقن بالصمت علي كتمان الخطيئة، فيسود الصمت، ولاشيء غير الصمت".وهي مقدمة تعكس فهماً قاصراً يؤكد أن المخرج الشاب توقف عند "الرؤية الحسية" للقصة بأكثر من الرؤية الفلسفية وأيضاً السخرية اللاذعة التي نطقت بها قصة د.يوسف إدريس، فالكاتب الكبير يبدو واضحاً عندما يقول:"الخاتم بجوار المصباح .. الصمت يحل فتعمي الآذان.. وفي الصمت تتسلل الأصبع صاحبة الدور، وتضع الخاتم في صمت أيضاً، ويطفأ المصباح.. ويعم الظلام وفي الظلام تُعمي العيون". وكما هو واضح فالصمت هنا غير الذي ظنه وفهمه المخرج الشاب، فهو هنا تكريس لحالة "التواطؤ الجماعي"، وأيضاً استجابة ذليلة للفقر الذي يقود صاحبه إلي التضحية بكل غال ونفيس وقيم نبيلة، وهو المعني الذي يشير إليه كاتبنا، ببلاغة وسحر شديدين، ومن ثم يبدو "الخاتم" عنصراً أساسياً في القصة، بل "المفتاح" أو التكئة الدرامية التي لا يمكن استساغة الأحداث من دونها، لكن المخرج الشاب يفاجئنا بالاستغناء عن هذا العنصر تماماً في فيلمه الروائي القصير، الذي أنتجه معهد السينما، ولا يمكن وصف ما فعله هنا بأنه اجتهاد من جانبه لفهم وتقديم القصة القصيرة بشكل مغاير، بل جهل بين وفادح بمكنون فكر الكاتب الذي لا يشق له غبار؛فالخاتم في القصة أساس اللعبة ( لكن الصغري تصبح بالصبر والهم وقلة البخت أكبر وتبدأ تسأل عن دورها في لعبة الخاتم، وفي صمت تنال الدور)، وهو أي الخاتم الوسيلة لدخول البنات في فراش أمهن، أثناء عملها نهاراً، ( الخاتم دائم وموجود صحيح لكن الأصابع التي تُطبق عليه كل مرة تختلف)، فالكاتب أظهر تعاطفاً كبيراً مع الفتيات الثلاث الفائرات، كما وصفهن، وهو ما يؤكده قوله: ( أنفاس جائعات لا تستطيع أن تفرق بين كومة لحم حي ساخنة ومتكومة وكومة أخري .. كلها جائعة كلها تصرخ وتئن وأنينها يتنفس ليس أنفاسا ربما استغاثات ربما رجوات) بل إن الأم تُصاببحالة من تأنيب الضمير تدفعها إلي إلقاء اللائمة علي نفسها لأنها تزوجت وتركت البنات جائعات (.. الطعام حرام صحيح لكن الجوع أحرم، وأبداً ليس مثل الجوع حرام .. جائعات وهي التي كانت تخرج اللقمة من فمها لتطعمهن .. غرقت في حلالها الثاني ونسيت حلالها الأول.. بناتها ) بينما يقدم لنا المخرج أحمد الهواري، لفرط سطحيته في تلقي وفهم القصة القصيرة، البنات، في الفيلم، كما لو كن "عاهرات" كن يتحين الفرصة للخيانة والتعهر، وفور أن تهيأت لهن الفرصة من خلال المقرئ الكفيف الذي تزوجته أمهن، وأثار شهيتهن وشهوتهن، لم يترددن في تبادل وتناوب جسده الشاب، بعد أن أطمأنن علي فحولته، عقب التلصص عليه من الثقوب التي امتلأ بها جدار المنزل في الفيلم، ولم يكن لها أصل في الرواية، فالتلصص ثم الممارسة مع زوج الأم بنفس راضية في الفيلم يعكس وجود نية للخيانة مع سبق الإصرار والتعمد بينما لا يعدو الأمر في القصة القصيرة رضوخاً وإذعاناً لمناخ عام قوامه الفقر والقهر والجوع واليأس وغياب الشرعية، والكثير من المعاني التي غابت عن الفيلم الروائي القصير، الذي منحته لجنة تحكيم المخرج سمير عوف جائزتها الخاصة، ويستطع أي متمعن ومدقق في القصة القصيرة أن يتواصل معها، ويتوصل إليها، لأن الكاتب الكبير يضع أيدينا علي ما يريد قوله من خلال عبارات مقتضبة لكنها تفيض بالدلالة والإيحاء والمغزي والسحر، كما في قوله ( انه يكاد يعرف وهن بالتأكيد يعرفن .. ماذا لو نطق الصمت؟ مجرد التساؤل أوقف اللقمة في حلقه ومن لحظتها لاذ بالصمت وأبي أن يغادره بل أصبح خائفاً أن يحدث المكروه مرة ويخدش الصمت .. الصمت الإرادي ) .. وفي نهاية تلخص الهدف من الرواية، وتكثف الهدف والرسالة والرؤية، يقول كاتبنا العظيم د. يوسف إدريس: ( أعمق أنواع الصمت.. الصمت المتفق عليه أقوي أنواع الاتفاق ذلك الذي يتم بلا أي اتفاق .. وبالصمت راح يؤكد لنفسه أن شريكته في الفراش علي الدوام هي زوجته وحلاله وزلاله وحاملة خاتمه تتصابي مرة أو تشيخ .. تنعم أو تخشن ..ترفع أو تسمن .. هذا شأنها وحدها بل هذا شأن المبصرين ومسئوليتهم وحدهم ..هم الذين يملكون نعمة اليقين ..إذا هم القادرون علي التمييز .. وأقصي ما يستطيعه هو أن يشك شك لا يمكن أن يصبح يقينا إلا بنعمة البصر .. ومادام محروماً منه فسيظل محروماً من اليقين ..إذ هو الأعمي وليس علي الأعمي حرج!).. فأين الفيلم الروائي القصير "بيت من لحم"، وأحمد الهواري الذي أخرجه، والأساتذة الذين أشرفوا عليه في معهد السينما، ولجنة المخرج سمير عوف التي منحته جائزتها الخاصة، من كل هذه المعاني والقيم والرسائل الفلسفية والاجتماعية والسياسية التي فاضت بها القصة القصيرة ولم يظهر لها أثر في الفيلم؟ وما الذي يدعو مخرجاً إلي أن يضع يديه علي قصة لا تؤهله قدراته، ولا إمكاناته، لأن يستخرج ما تبطنه من كنوز وثروات؟ تجربة الفيلم الروائي القصير "بيت من لحم" تؤكد، بكل جلاء، وبصورة مؤسفة، أن يوسف إدريس أغتيل عن جهل.. وجاءت لجنة تحكيم ما سمي بمهرجان "الصورة الحرة" لتنكل به.. وتمثل بجثته!