أما بالنسبة إلي الشعب الأمريكي، فجهوده متعثرة في ما يخص محاولة فهم الوضع، ليس فقط بسبب السرية الرسمية بل أيضاً بسبب الطريقة التي جعلت المسألة أكثر تعقيدا. تسبب مقال للصحفي الامريكي المتمرّس سميور هيرش، نُشر في مجلة "ذي نيويركر" في 7 (يوليو) 2008 بضجة كبيرة. يصف هذا المقال المعنون "تحضير ساحة المعركة: إدارة بوش تضاعف تحركاتها ضد إيران"، مجموعة من العمليات السرية الهادفة إلي زعزعة نظام الثورة الاسلامية وإطاحته، إذا أمكن. ولا تعتبر مادة الموضوع مسألة خطيرة بحدّ ذاتها فحسب، بل من المعروف أن ما يكشفه هيرش موثوق به إذ أنه مطّلع علي معلومات كثيرة تعود إلي حرب فيتنام. وبحسب قصة هيرش، حصل الرئيس بوش في نهاية العام 2007 علي دعم من القيادة السياسية في الكونجرس للقيام بتحرك سري في إيران بما في ذلك تقديم مساعدة عسكرية ومالية إلي المجموعات العربية والبالوشية والمنظمات المنشقة الأخري، بخاصة في جنوب البلد وغربه. ويأتي ذلك إضافة إلي عمليات سرية بدأتها وكالة الاستخبارات المركزية مثل اعتقال أعضاء "فيلق القدس"، التابع للحرس الثوري واصطحابهم إلي العراق لاستجوابهم. وتكمن القصة الأكبر في الجدال الكبير الذي يدور حاليا داخل الإدارة الأمريكية حول ما إذا كان ضرورياً شن هجوم علي منشآت إيران النووية أم لا. وبحسب قدرة هيرش المعروفة علي الوصول إلي مصادر عسكرية عليا، فالاستنتاج الأكثر وضوحا هو أن نشر هذه المعلومات هو محاولة هي للتأكيد علي مخاطر مثل هذا الهجوم. لكن من الممكن النظر إليه علي أنه تحذير توجهه الإدارة إلي إيران وهو يهدف إلي ترهيب البلد ليمتثل للجهود الدولية الحالية الهادفة إلي إقناعه بتعليق عملية التخصيب النووية. ولا يمكن للمخاطر أن تكون أكبر من ذلك. فمن المعروف أن هجوماً علي إيران ليست له تشعبات إقليمية خطيرة فحسب، بدءاً من أفغانستان وصولاً إلي فلسطين وإسرائيل وربما أوروبا، بل قد يؤثر بشكل كبير علي الولاياتالمتحدةالأمريكية علي صعيد الانتخابات الرئاسية والمشاكل التي سيواجهها الرئيس الجديد فيما يتعلق بالمسائل الأساسية، كأسعار النفط المرتفعة وأي محاولة لإعادة فرض سلطة المدنيين علي الاعضاء المعارضين في المؤسسة الدفاعية. وبحسب أحد المصادر الرفيعة المستوي التي نقل عنها هيرش، قد يحتاج باراك أوباما والديموقراطيون المنتصرون إلي سنة كاملة لوضع الأنشطة الاستخباراتية الحالية تحت المراقبة المدنية مجددا. كما أن هناك تشابهاً مقلقاً مع الإعداد لاجتياح العراق في العام 2003 ويبدو اليوم كما في الماضي أن مجموعة صغيرة من الرجال المعينين المحيطين بنائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، تحاول سراً أن تدفع الإيرانيين إلي التشدد من اجل إعطاء هذه المجموعة ذريعة لشن الحرب، وذلك إما عبر تشجيع ايران علي مقاومة المراقبة الدولية او عبر افتعال بعض الأحداث، وهو الموقف الأكثر خطورة، بين الأسطول الأمريكي والأسطول الإيراني في مضيق هرمز، علي غرار ما حصل في شهر (يناير) الماضي. ومن ثم، تبرز مسألة طارئة مع مكتب تشيني "المتعطش لتحقيق النتائج" بحسب هيرش، وهو يملك وقتا محددا لمثل هذه الفرصة قبل الانتخابات الرئاسية التي ستجري في شهر (نوفمبر) المقبل. وفي هذا الوقت، تبقي ادارة بوش بكاملها ماهرة في دفع قيادة سياسية ديموقراطية تشكك بالحرب الي وضع الأمن الوطني علي رأس اهتماماتها. أما بالنسبة إلي الشعب الأمريكي، فجهوده متعثرة في ما يخص محاولة فهم الوضع، ليس فقط بسبب السرية الرسمية بل أيضاً بسبب الطريقة التي جعلت المسألة أكثر تعقيدا، من خلال الجهود المبذولة لربط إيران بعمليات المقاومة المسلحة للقوات الأمريكية في العراق، فضلاً عن المخاوف الحقيقية من نيات إسرائيل الحربية. ومن الواضح أن أيا من أصدقائي المحليين في ولاية بوسطن لا يعرف كيف يفكر وهو عالق بين افتراض أنه لا يمكن أحداً ان يكون مجنوناً الي حد المخاطرة بكل شيء في الشرق الأوسط من أجل هجوم علي ايران، وبين خبرته التي تقول بأن هذا هو ما يهتم به عدد كبير من أعضاء إدارة بوش منذ سنوات. يحق لهم أن يكونوا حذرين. ومن أبرز ما أفشي به هيرش في مقاله هو الخط الذي يربط بين جمع المعلومات الاستخباراتية الذي لا يحتاج الي موافقة الكونغرس وبين عمليات عسكرية سرية يستمر الامريكيون في القيام بها عندما يتعلق الأمر بإيران. ويبدو أنّ الامرين اجتمعا معا ليس لتشجيع القوي المعارضة للنظام في إيران بل ايضاً للقيام بتحرك إزاء النداء العسكري ل "التحضير لساحة المعركة" مثلا عبر جمع المعلومات الاستخباراتية حول برنامج إيران النووي تحضيرا لهجوم متكامل. ويبدو أن إشراف الكونجرس في هذه الحالة أيضا صعب إن لم يكن مستحيلا فيما يسهّل علي الإدارة مسألة إدخال البلد في حرب عندما تعتبر الوقت ملائما لذلك. لقد ذهب نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني إلي بوسطن ليحتفل بعيد الاستقلال الامريكي، إلا أنه قرر عدم التكلم. وأظن أنه لم يتم اتخاذ أي قرار بعد وأنه يفترض النظر إلي مقال هيرش، علي غرار عدد كبير من المعلومات والمعلومات المغلوطة الآتية من واشنطن في هذه الأيام، علي أنه جزء من حرب زائفة مصممة لكسب الدعم لسياسة ما ولممارسة ضغط علي الإيرانيين كي يمتثلوا للمطالب الغربية. ولا شك أنه ايضاً حرب علي أذن الرئيس جورج بوش، خاصة أنه لم يتخذ قرارا بعد بشأن الحرب. لو كانت هناك بارقة أمل فهي في أنه في هذه المناسبة، تبدو عواقب شن حرب في الشرق الأوسط أكثر وضوحا من عواقب الحرب علي العراق في العام 2003. لكن في تلك المناسبة، كان ممكنا تقديم نظام صدام حسين علي أنه خطير وشرير إلي حدّ أن إطاحته باتت ضرورة أخلاقية، أما الاعتداء علي إيران اليوم التي تنتمي إلي "محور الشر"، فيشكل بالنسبة إلي الكثيرين خطرا علي المصالح الأميركية أكبر من خطر التوصل إلي حلّ ديبلوماسي قد يكون هشًا. وكما نقل هيرش عن وزير الدفاع روبرت غيتس قوله إلي كبار الديموقراطيين في مجلس الشيوخ في خلال العام الماضي، إن هجوما علي إيران قد يولد "أجيالا من الجهاديين"، و "ستكون علي أحفادنا محاربة أعدائنا هنا في أمريكا.