اللعب بورقة الدين والطائفية لعبة خطرة سيكتوي الجميع بلهيبها والاخطر انها تدمر الاوطان.. ولا احد يتوقف ليسأل الا يمكن نشركلمة الله والمباديء الانسانية بمخاطبة العقل والوجدان وبالكلمة الطيبة؟ لم أشعر بفداحة وبشاعة الحرب الاهلية بالقدر الذي نقله الي فيلم "زوزو" اللبناني والذي يروي وقائع الحرب الاهلية من خلال طفل في الحادية عشرة من العمر سرق منه "الكبار" فرصته في العيش بين احضان امه وابيه ودفء اخويه.. حوله "الكبار" الي كتلة حزن متحركة تنطق عيناه بعذاب اسطوري.. وزوزو.. قدره انه ولد في وطن تحالف علي تمزيقه بارونات السياسة والبيزنس بدعاوي حب الوطن والدفاع عن الدين او المذهب فسلبوا حق الحياة من اطفاله بدأت احداث الفيلم بالطفل زوزو يمارس حياته اليومية من المدرسة واللهو مع اقرانه فيها الي البيت الصغير الحاني واستعصي علي فهمه ان يهتم والداه بالاخبار عبر شاشات التليفزيون ولا يشاركانه فرحته بل وفخره في نحت مركب خشبي صغير هو في النهاية مجرد لعبة.. كان الوالدان يدركان هول المأساة فهما يتابعان مسار الحرب المجنونة التي جعلت ابناء الوطن الواحد يتقاتلون ويقتلون بوحشية بينما تزاحمت الحجج والدعاوي واختلطت لتنتشر ضبابا وضلالا في طول البلاد وعرضها ولبدت سماءها الصافية بغيوم الفتنة الطائفية.. عندما انفجر بيت اسرة زوزو التي كانت تستعد للهرب من جحيم الوطن الي نعيم الغربة قاصدة السويد، اطاح الانفجار بالام والاب والاخت وهرب زوزو مع اخيه ساعيين الي النجاة تلبية لنداء غريزة حب البقاء ولم يذرف اي منهما دمعة علي فقد الاحبة.. فللدموع وقت آخر.. اختبأ زوزو في صندوق قمامة ووعده اخوه بالعودة لكنه لم يف بالوعد ربما لانه لقي حتفه بدوره.. صادف زوزو صبية في مثل سنه حاولوا الهرب معه الي السويد وباءت المحاولة بالفشل لكنه واصل وحده وباصرار اكيد السفر الي جده وجدته في السويد.. وهناك واجه حربا اخري تمثلت في عنصرية التلاميذ ووسط كل هذا الحزن واجواء الغربة.. بكي زوزو ابويه بحرقة وفكر في وطنه النائي ولكنه اكمل حياته الجديدة التي فرضت عليه في السويد.. الفيلم صرخة انسانية ارتعدت لها فرائصي.. فالطفل اللبناني اصغر سنا من حفيدي.. وكأنه بآلامه واحزانه كان يصرخ في الجميع اياكم والحرب الاهلية وكل قبحها.. فلا شيء.. اي شيء.. ومهما كان هذا الشيء يبرر القتل الاعمي ضد ابناء الوطن الواحد.. ويستحيل ان يكسب الوطن.. ايا كانت الدعاوي.. من اقتتال ابنائه كما يستحيل ان يسوق البعض فكرة اعلاء شأن الدين او العقيدة او الرأي السياسي.. بالحراب والمتفجرات لسبب بسيط هو ان الله عز وجل قد ميز الانسان عن الحيوان بالعقل.. وقد زاد من قلقي وتأثري بما جري لزوزو ما حدث مؤخرا من حوادث قيل انها طائفية وقيل ايضا انها فردية ولكن ايا كان السبب فالاكيد ان شيئا ما قد حدث في مصر بعد نحو اربعة عقود تم خلالها ادخال مناهج تعليمية مدمرة لوحدة المصريين منها علي سبيل المثال لا الحصر في درس الأضداد للغة العربية ان الابيض ضده الاسود والمريض ضده السليم والمسلم ضده المسيحي!! اية نفوس حاقدة سللت مثل هذه المفاهيم الي كتب اطفال المرحلة الابتدائية؟ وايضا هذا الفرز الطائفي في الشارع بدعوي الحرية الشخصية دونما اي خجل من ارغام طفلات دون العاشرة علي ارتداء الحجاب وطلب المدرسات من تلاميذهن ان يطلبن الي امهاتهن ارتداء الحجاب والبعد عن الذين هم ليسوا اصدقاءنا اي غير المسلمين- ماذا ينتظرنا- ان لم يكن مصير زوزو لا قدر الله والاغلبية الساحقة من الشيوخ والدعاة نجوم الفضائيات يصبون دعاوي التعصب والتشدد في العقول والقلوب حتي غدت مصر العقد الاول من الالفية الثالثة بما لا يمكن انكاره غير مصر التي عرفناها واحببناها حتي ما قبل سبعينيات القرن الماضي- ان اللعب بورقة الدين والطائفية لعبة خطرة سيكتوي الجميع بلهيبها والاخطر انها تدمر الاوطان.. ولا احد يتوقف ليسأل الا يمكن نشركلمة الله والمباديء الانسانية بمخاطبة العقل والوجدان وبالكلمة الطيبة؟ ان هذا الفيلم سلب النوم من عيني وشعرت بامتنان عميق للصديقة الجميلة ماريان خوري التي خصصت قاعة سينما في مركز سيتي ستارر للافلام الجادة والتي تحمل علي التفكير والتمعن مع ضمان المتعة الفنية والتشويق الراقي ولو كنت استطيع ايصال صوتي لطلبت من جميع وزراء الاعلام العرب عرض فيلم زوزو علي شاشات التليفزيون حتي نفيق من الافكار المسمومة والرياح الصفراء التي هبت علي اوطاننا محملة بدعاوي الفتنة التي لا تبقي ولن تذر والتي لا تجلب الا الخراب والدمار والتخلف.. فالعالم يسير بقفزات كبيرة نحو التقدم العلمي ونحن هنا نغرق في مناقشات بيزنطية لا طائل من ورائها ونستغل انبل الشعارات لتمرير ابشع الممارسات مثل النائب الذي اعتبر ان ختان البنات حرية شخصية وكأن الطفلة الانثي ملكية خاصة لسيادته هو حر ان يفعل بها ما يشاء حتي لو كان ذلك تشويه جسدها وتدمير نفسيتها بدعوي الحفاظ علي العفاف فهو لا يعرف اسلوبا غير القهر والبتر لان وسيلة الاقناع وسبل تسليح الابناء اناثا وذكورا بالمباديء القوية والتمسك بالشرف في كل مناحي الحياة وكل المعادلات والتعاملات فوق قدرته.. وغني عن التذكير بان جميع "بطلات" الفضائح الاخلاقية وجرائم الشرف كن "من المختتنات".. لا تعبثوا بشعار الحرية الشخصية.. فالحرية في اكمل صورها لا تزهر الا في وطن حر يكفل العدالة والمساواة لابنائه ولا يسرق فيه البعض دور الله الذي وحده يحاسب عباده وحلوا عن سمانا واسألوا زوزو.. الذي ابكاني دما وهو يرتجف ألما من الغربة واليتم.. ومن جحيم العنصرية والتعصب الاعمي.