ذات يوم سألت الناقد الكبير أحمد رأفت بهجت، بوصفه مسئول المطبوعات في مهرجان القاهرة السينمائي، مستنكراً :"ماالذي يجبركم علي القبول باصدار كتب للناقد فلان لا يتوافر فيها الحد الأدني من المقومات المتعارف عليها للكتب، ولا يربط بينها خيط فكري واحد يجعلها جديرة بالقراءة بل هي في الحقيقة تجميع لمقالات سبق له أن نشرها في مجلته الأسبوعية، ولم يكلف نفسه عناء تنقيحها وتهذيبها أو إيجاد رابط بينها لدرجة أن إحدي مقالات الكتاب أختتمت بعبارة ".. وإلي الأسبوع القادم"(!) ولحظتها سمعت إجابة هي الأغرب من نوعها عندما قال لي الناقد المهذب :"لقد فعلت هذا بناء علي رغبة الكاتب الكبير سعد الدين وهبة الذي ضاق ذُرعاً بمطاردة الناقد، والحاحه الدائم، وعندما فاض به الكيل دفع إلينا بهذه الأوراق قائلاً:"طلعوها في كتاب وخلصوني منه"(!) تذكرت هذا الحوار وأنا أتصفح كتاب "الساحر"، الذي صدر بمناسبة الدورة الرابعة عشرة للمهرجان القومي للسينما المصرية، وكان من المفترض أن يأتي تكريماً للفنان الكبير محمود عبد العزيز لكنه جاء أقل من الحدث بشكل جعلني أتصور أن سعد الدين وهبة بُعث من جديد في شخص الناقد علي أبو شادي رئيس المهرجان القومي للسينما المصرية، وأنه وافق، هو الآخر، علي إصدار الكتاب من منطلق :"طلعوه وخلصوني منه"(!) والحقيقة أن الكتاب يعيد من جديد الإشكالية الأبدية التي تتجدد في مثل هذه المناسبات والتي تقول :"هل ينبغي أن تكون كتب التكريم بمثابة قصيدة مديح ووصلة مجاملة وربما نفاق للفنان المكرم من مقدمة الكتاب إلي خاتمته أم يستطيع الكاتب، بل لزاماً عليه، أن يتحلي بقدر من الذكاء الذي لا يخدش حياء، والمناورة التي لا تفضح عورات، بحيث ينكأ الجرح من دون أن يجعلنا نتقزز أو نستهجن ثم ننصرف عن القراءة ؟ أقول : كيف يمكن أن نسند مهمة إعداد كتب التكريم لأشخاص علي قدر من الوعي بحيث تصبح لديهم القدرة علي تقييم مسيرة المبدع المكرم سلباً وايجاباً بحيث يستفيد هو نفسه من التقييم بدلاً من أن ينظر إلي الكتاب الصادر عنه بأنه "سد خانة" و"شيء لزوم التكريم" وربما لا يستطيع أن يتجاوز عند قراءته السطور الأولي لمقدمته؟ الأمر، في رأيي، يتطلب نقاداً لديهم مواصفات الباحثين وليسوا "الصحفجية"، وليس حتي "الجورنالجية" ؛ فالفارق كبير بين التحلي بروح البحث والباحث واعتماد المنهج "الصحفي" الذي يهمه ألا يثير حفيظة الفنان حني لا يفقده كمصدر (!) وأغلب الظن أن محمود عبد العزيز، وغيره من المكرمين، يؤرقه بالدرجة الأولي من يدله علي أخطائه قبل أن يشيد بانجازاته وايجابياته، وهو مايقودنا مجدداً إلي اشكالية أخري : هل أردنا كتب التكريم لنقول للمبدع "شكراً لقد انتهت مسيرتك عند هذا الحد "؟.. أم هي فرصة لنؤكد له أنه يبدأ مرحلة جديدة من الإبداع عليه أن ينظر قبلها إلي الخلف بغضب، حتي لو كان رائعاً وجميلاً وعبقرياً، وبعدما يرصد ويحلل ويدقق ويتمعن ينطلق إلي مرحلة مابعد التكريم ليضيف ويجدد ويبتكر ويطور، ولا نظن أن كتباً علي شاكلة "الساحر" قادرة علي أن تقوم بهذا الدور، وإن كنت ألمح في كتب الناقد أحمد يوسف والباحث د.ناجي فوزي، هذه الروح التي نفتقدها في كتب "طلعوه وخلصوني" ؛فمنذ اللحظة الأولي تكتشف معها غياب منهج البحث والرغبة في التجميع وتسديد فراغ الصفحات بمبدأ حوار من هنا وصور من هناك مع فيلموجرافيا ننقلها من أقرب موسوعة لمحمود قاسم.. وخلاص، واتحدي أن يبادر أحدهم، مثلاُ، بإعادة قراءة أفلام المكرم ليلقي الضوء علي مناطق كانت خافية فيها من قبل مثلما أشك في أن أحداً يتوغل في المناطق الشائكة في مسيرة المكرم لينطلق منها إلي أحكام ونتائج جديدة.. وفي ظل غياب النهج والرؤية يصبح طبيعياً أن تحتل الصور والفيلموجرافيا أكثر من 53 صفحة من مجموع صفحات الكتاب التي تبلغ 131 صفحة (!) ويصبح أفيش فيلم "الكيت كات" و"درب الهوي" وثيقة في ملزمة الصور إضافة إلي كاريكاتير ليس له معني ولا مضمون.. ولا تملك في النهاية سوي أن تترحم علي مال أهدر بلا طائل، وأوراق سودت من دون معني، ووقت ضيعته في القراءة ولم تخرج بشيء ذي نفع، وتحزن لأن منجماً مثل محمود عبد العزيز مازال عصياً علي الاكتشاف لأن مهمة التنقيب عن كنوزه أسندت لموظف بيروقراطي وليس خبيراً مولعاً بالمغامرة قبل المكافأة ! .. والآن تُري هل توصلنا إلي إجابة السؤال الذي حير الكثيرين يوماً :"لماذا غاب محمود عبد العزيز عن ندوة تكريمه التي كان مقرراً لها أن تناقش هذا الكتاب "التكريمي" ؟ وهل مازلنا علي قناعة بالعذر الذي سيق يومها بأنه "اتحشر في إشارة مرور" وخشي أن يتأخر عن الندوة فاعتذر عنها "؟