في خضم التطورات السياسية الساخنة التي تجتاح الساحة السياسية التركية، تصاعدت حدة أزمة حزب العمال الكردستاني مع إزدياد وتيرة العمليات العسكرية التي نفذها مقاتلو الحزب في الأراضي التركية خلال الآونة الأخيرة حيث إحتدم الجدل داخل الأوساط السياسية والأمنية في تركيا بشأن سبل التعاطي مع هذا التحدي. فاقترح تيار تتصدره المؤسسة العسكرية والمعارضة العلمانية توجيه ضربة قاصمة لمقاتلي الحزب في شمالي العراق ،في حين إرتأت حكومة العدالة والتنمية ضرورة التروي وإستخدام الحوار مراعاة للأوربيين وتوخيا لعدم تصعيد التوتر بين أنقرةوواشنطن ،التي ترفض إستخدام القوة ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني . ويمكن القول إن الملف العراقي كان بمثابة العامل الرئيسي في تفاقم التوتر بين أنقرةوواشنطن،حيث أفضي مشروع الغزو الأمريكي للعراق منذ إرهاصاته الأولي مطلع تسعينيات القرن المنصرم إلي بروز الخلافات بين الجانبين والتي كان من أشدها وطأة القضية الكردية ومستوي التعاون التركي اللوجيستي في العمليات العسكرية الأمريكية ضد العراق. فالأتراك يعتبرون حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية إنفصالية لا سبيل إلي ردعها إلا بالقوة لذا،توالت العمليات العسكرية التركية ضد مقاتلي الحزب في شمالي العراق بغية إجهاض النزعات الإستقلالية للحزب والتي تهدد بإنسلاخ قرابة 20 مليون كردي عن النسيج التركي توطئة لتكوين دولة كردستان بالمنطقة الحدودية بين العراق وتركيا ،الأمر الذي يهدد وحدة الكيان التركي وينال من تجانسه الإجتماعي ولحمته العرقية.بيد أن واشنطن ،التي تتفهم تلك الهواجس التركية جيدا ،لم تتوان عن التلاعب بهذا الملف الشائك والحساس بالنسبة للأتراك بين الفينة والأخري بغرض إبتزاز أنقرة و معاقبتها علي التقاعس عن دعم المشاريع الإستراتيجية الإقليمية للحليف الأمريكي.وفي هذا السياق، جاء الرفض الأمريكي الصريح لإقدام تركيا علي أية عمليات عسكرية ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني في شمالي العراق بعد أن غضت الطرف عنها فيما مضي بتنسيق مع نظام الرئيس الراحل صدام حسين ،وهو الأمر الذي طالما إستفز الأتراك ،الذين إرتأوا في هذا التصرف الأمريكي إستخفافا بأمنهم القومي وعدم إكتراث من الحليف الأمريكي بالمصالح الإقليمية لبلادهم. وربما يفسر هذا التصور من قبل الأتراك ما تعتبره واشنطن تقاعسا تركيا عن دعم العمليات العسكرية الأمريكية في العراق ،والذي تمخض عنه توجس تركي من التداعيات الإستراتيجية الخطيرة للتموضع العسكري الأمريكي في هذا البلد عقب إنهيار نظام صدام حسين ،الذي كان متفاهما مع أنقرة فيما يخص المسألة الكردية،فضلا عن إستياء الأتراك من الرعاية التي توليها واشنطن لأكراد العراق بعد أن أبدوا تحالفا وثيقا مع القوات الأمريكية إبان الغزو وما تلاه،علي نحو ما برز جليا في دعوة قيادات كردية من بينها قباد طالباني نجل الرئيس العراقي جلال طالباني_ وممثل إقليم كردستان العراق في الولاياتالمتحدة_، لإنشاء قاعدة عسكرية أمريكية دائمة في الإقليم_ ،وكأن الأكراد يحاولون الإستقواء بالوجود العسكري المكثف في العراق من أجل دعم مشاريعهم الإستقلالية وطموحاتهم الإقليمية. وفي ذات السياق أيضا ،جاء التقاعس التركي عن تنفيذ مطلب واشنطن من أنقرة إرسال قوات حفظ سلام تركية إلي العراق عقب إحتلاله مباشرة عام 2003 للمشاركة في حفظ الأمن هناك ؛ بسبب تصاعد هجمات المقاومة ضد القوات الأمريكية. كذلك، لم تبد واشنطن إرتياحها من إصرار أنقرة علي إظهار مساحة كبيرة من حرية الحركة الإقليمية كإعادة ترميم علاقاتها مع محيطها العربي والإسلامي وتوثيق علاقاتها مع كل من دمشق وطهران ،اللتين تعتبرهما واشنطن دولتين مارقتين وتتوخي محاصرتهما. وما زاد الطين بلة قيام نحو 100 جندي أمريكي في العام 2003 بمداهمة مبني للوحدات الخاصة التركية في مدينة السليمانية شمال العراق، واعتقال 11 ضابطا تركيًا والاستيلاء علي أسلحتهم ومعداتهم ووثائقهم؛ بدعوي الاشتباه في أنهم يخططون لعملية اغتيال محافظ كركوك الكردي ؛ ما أسفر عن إزدياد حدة التوتر بين أنقرةوواشنطن،خاصة بعد أن إعتبره الأتراك رسالة أمريكية لأنقرة تتضمن دلالات ومعان غير مقبولة. وتخريجا لتصاعد التوتر بين واشنطنوأنقرة بالتزامن مع تنامي نشاط مقاتلي حزب العمال الكردستاني داخل تركيا، هددت الأخيرة بإرسال قوات إلي شمال العراق لتعقب آلاف من المتشددين من حزب العمال الكردستاني المحظور، الذين يستخدمون المنطقة الجبلية كقاعدة يهاجمون منها أهدافا داخل تركيا ،كما أكد وزير الخارجية التركي عبد الله جول أن تركيا أعدت خططا مفصلة لعملية عبر الحدود داخل العراق ضد مسلحي الحزب، وأكد جول أن خطط الجيش أعدت مع أدق التفصيلات والحكومة تعرف تلك الخطط وتوافق عليها،ونفي جول وجود أي خلاف في الرأي بين الحكومة التركية وقواتها المسلحة بشأن شمال العراق. وظني أن مثل هذه التصريحات الرسمية التركية لا تعدو كونها تهديدات لحزب العمال ورسائل لواشنطن تعكس مدي الإستياء التركي من العمليات التي يقوم بها الحزب في الأراضي التركية .ومن الصعب أن تتحول تلك التهديدات إلي ضربات عسكرية تركية حقيقية ،لاسيما وأن الأمريكيين ليس لديهم أدني إستعداد لتقبل أي إخلال بأمن منطقة شمالي العراق في ظل إندلاع العمليات المسلحة والإنتحارية في شتي أنحاء أنحائه علي نحو طار إثره صواب القوات الأمريكية المرابطة هناك، وهو أمر تعيه أنقرة وتتفهمه جيدا . كما أن الرضاء الأمريكي عن إدارة أنقرة لهذا الملف،من خلال الإمتناع عن القيام بعمل عسكري في شمال العراق، إنما يضمن للأتراك إستمرار الدعم الأمريكي لموقف بلادهم من مسألة الإنضمام للإتحاد الأوربي. وإذا كانت حكومة العدالة والتنمية بحاجة إلي تخفيف وتيرة الإحتقان السياسي الداخلي مع الجيش والمعارضة العلمانية عبر التخلي عن سياسة الحوار،التي سبق وأعلنها أردوغان، في التعاطي مع مقاتلي حزب العمال الكردستاني علي نحو أغضب الجيش ،فإن وجود الأمريكيين والأوربيين كمحور إرتكاز وركن ركين لتطلعات تركيا المستقبلية ،من شأنه أن يجبر أية حكومة تركية ،مهما كان توجهها السياسي ،أن تفكر مليا قبل أن تقدم علي أية خطوة تصعيدية بإتجاه مقاتلي حزب العمال الكردستاني في شمالي العراق،خصوصا إذا ما كانت المكاسب التركية المتوقعة جراء مثل هذه الخطوة أدني بكثير مما يمكن أن ينتج عنها من مشاكل للأتراك علي كافة المستويات . الأمر الذي يجعل من التوصل إلي صيغة ملائمة بين واشنطن وحزب العمال الكردستاني وأنقرة ،تضمن للأخيرة عدم مواصلة الحزب لعملياته العسكرية داخل الأراضي التركية علي أن يتخلي الأتراك عن الخيار العسكري ضد الحزب إلي حين النظر بالتفصيل في تلك القضية لا حقا حينما يحين التوقيت الذي ترتئيه واشنطن مناسبا،خيارا مقبولا لحكومة أنقرة ومخرجا مناسبا لها من المأزق الراهن ،علي الأقل حتي تضع المعركة الإنتخابية المقبلة أوزارها.