التوافق بين "حماس" و"فتح" مستحيل، فالخلافات هيكلية وجوهرية ولا يمكن عبورها باتفاقات ومواثيق مثل التي جري إبرامها في القاهرة ومكة، فكل ما حدث هو مجرد قفزات إلي الأمام، ومحاولات لكسب الوقت وبناء القوي الذاتية لكل جانب استعدادا للمواجهة الحاسمة التي تحققت بسرعة، وربما بأسرع مما كانت حركة "فتح" تأمل فيه. حركة "فتح" من جانبها التي خسرت المعركة عسكريا بسرعة وظهرت عاجزة عن مجاراة ومواجهة "حماس"، خسرت التواجد جماهيريا في غزة منذ سنوات طويلة، حين اهتم قياديوها بالمناصب العليا وبناء مساكن فاخرة علي شاطئ غزة، وبالتجارة وكل أشكال "البيزنس"، فيما كانت حركة "حماس" قد بنت شبكة هائلة من المؤسسات والجمعيات داخل المجتمع الفلسطيني، وهي الشبكة التي مكنت الفلسطينيين من الحياة والصمود داخل جحيم قطاع غزة، التي قال عنها رئيس إسرائيل الجديد شيمون بيريس منذ أكثر من عقد إنه يتمني أن تختفي في البحر المتوسط وتغرق إلي الأبد. فازت "حماس" في كل الانتخابات التي أجريت في قطاع غزة علي مستوي الجامعة والمعاهد والاتحادات الطلابية، وفرضت "حماس" أسلوب الحياة الاجتماعية عبر "أسلمة" كل مظاهر الحياة، وأضفت ملامح إمكانية إقامة مجتمع عصري علماني بفصل الدين عن الدولة، وأصبحت الأعلام الخضراء إعلاء "حماس" هي شعار الدولة، ولم ترفع الأعلام الفلسطينية أبدا في قطاع غزة، إلا علي الأبنية الرئيسية، والتي أسقطت بعد أن استولت "حماس" علي غزة ورفعت الأعلام الخضراء. أي شرعية وفي رام الله لايزال الرئيس الفلسطيني محمود عباس يحتفظ بصور الشرعية الرمزية، ويرفع العلم الفلسطيني علي كل المؤسسات، ويقوم الحرس الرئاسي والأجهزة الأمنية بالسيطرة علي معظم أنحاء الضفة، وبالتالي تكرست ملامح الانقسام الفلسطيني إمارة "حماس" الإسلامية في قطاع غزة، مقابل سلطة عباس "فتح" في الضفة الغربية. والنتيجة الأخري أن الشرعية الفلسطينية أصبحت تواجه بتحد داخلي هذه المرة، فبعد أن نجح الشعب الفلسطيني في انتزاع حقه في أن تصبح منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتنهي الوصاية الأردنية علي الضفة والمصرية علي قطاع غزة، وذلك وفقا لقرار القمة العربية الشهير في الرباط، وتكمل الإنجاز التاريخي بانتزاع اعتراف إسرائيل بالمنظمة كممثل للشعب الفلسطيني من خلال اتفاقات أوسلو، والاعتراف الدولي المتتالي، فإن ذلك كله أصبح معرضا للضياع. وانعكست حالة الصراع والانقسام الفلسطينية علي الساحة العربية والدولية، حيث انقسمت عملية التأييد السياسي بشكل واضح، فالعالم العربي الذي يحاول من خلال الجامعة العربية توحيد الموقف الفلسطيني منقسم، رغم تلك الجهود، وهناك اتهامات لسوريا بأنها تقوم بالتعاون والتنسيق مع إيران ببناء خريطة عربية جديدة وتغيير الوضع القائم في لبنان والأراضي الفلسطينية، ونسف الحقائق الموجودة وإزاحة الأنظمة التي تحظي بدعم أمريكي غربي ورضاء إسرائيلي. والتأييد الذي حصل عليه عباس من الولاياتالمتحدة والغرب، خاصة الاتحاد الأوروبي قد لا يمكنه إلا في البقاء في رام الله، فقد ضاعت غزة إلي الأبد ولن يكون في مقدور "فتح" كبري المنظمات الفلسطينية، وكذلك منظمة التحرير الفلسطينية نفسها العودةإليها، و"حماس" قطعت الخطوة الأصعب وجنت ثمار عملها وتواجدها داخل قطاع غزة. فالواقع أن التأييد الأمريكي الغربي لعباس قد جاء متأخرا للغاية، فلم يتم الاستجابة لطلباته بإنهاء الحصار عن الشعب الفلسطيني ودعم حكومة الوحدة الفلسطينية، حيث كان عباس يأمل في نجاح صيغة تقاسم المسئوليات، بحيث تتولي "حماس" الشئون الداخلية اليومية لحياة الشعب الفلسطيني، ويقوم هو بمواصلة مسار المفاوضات طبقا لخارطة الطريق التي قدمت التزاما مسبقا بالعمل علي إقامة دولة فلسطينية علي أراضي 1967، وهو التزام خطي بدعم وتأييد الاتحاد الأوروبي والولاياتالمتحدة وروسيا والأمم المتحدة. ولم يتم أبدا تحويل هذا الالتزام إلي أفعال، بل جاءت الخطة الأمريكية لدعم قوات الحرس الرئاسي الفلسطيني، لتسرع من خطة "حماس" للانقضاض علي القوات التابعة ل "فتح" وللسلطة قبل أن تشكل تهديدا حقيقيا لها. مصير القضية الفلسطينية وإذا كان هناك إجماع علي أن القضية الفلسطينية تعرضت لنكسة خطيرة في يونيو 2007 بعد 40 عاما علي النكسة الكبري في يونيو 1967، فإن حالة التشاؤم العامة تلك لا تترك أي مجال لمحاولة رؤية مستقبل القضية الفلسطينية، خاصة أن إسرائيل الطرف الأول المستفيد مما يحدث علي الساحة الفلسطينية تقوم بدراسة التحولات الجديدة، ولعل ذلك كان وراء الإسراع بتسليم الجنرال ايهود باراك حقيبة وزير الدفاع في حكومة إيهود أولمرت، بعد إخفاقات متتالية لهذه الحكومة في لبنان وفي مواجهة صواريخ القسام التي أطلقتها ميليشيات "حماس" علي مستعمرة "سيديروت" والتي أصبح سكانها يعيشون في المخابئ ليل نهار. وإذا كانت "حماس" قد حسمت الموقف عسكريا لصالحها في غزة، فإن عليها الآن التفكير في ردود الفعل الإسرائيلية، وما إذا كانت ستعود لإطلاق الصواريخ علي المستعمرات الإسرائيلية، أم ستبدأ هدنة طويلة غير رسمية مع إسرائيل، لكي تكسب مزيدا من الوقت لتعبئة قواها من جديد، علي نمط ما قام به حزب الله في جنوب لبنان بقيادة الشيخ حسن نصر الله. وبالطبع علينا أن نتساءل هل ستقدم إسرائيل هذه الفرصة ل "حماس"، أم ستعتبر أن الفرصة الآن ملائمة لمعاودة شن حرب شاملة ضدها، واعتبار قطاع غزة كله هدفا لتلك الحرب التي يعكف الآن باراك علي تخطيطها، بعد إزاحة وزير الدفاع السابق عامير بيرتس الضعيف وعديم الخبرة من منصبه، بعد أن فقد أيضا زعامة حزب العمل. ولابد أن الرباعي الجديد شيمون بيريس رئيس إسرائيل الذي نجح لأول مرة في حياته في انتخابات، وإيهود أولمرت الذي يحاول إصلاح أخطائه التي ارتكبها من قبل، ووزيرة الخارجية. بالإضافة إلي وزير الدفاع إيهود باراك سيعملون علي تنفيذ سياسة جديدة متناسقة تنهي حالة الاضطراب والخلافات التي سادت طوال الفترة السابقة، وذلك علي مختلف الأصعدة الداخلية والإقليمية والدولية، في ظروف لا يتعاطف فيها أحد تقريبا في العالم مع الفلسطينيين. وإذا كانت "حماس" تراهن علي قدرتها علي الرد علي إسرائيل سواء بصواريخ القسام وصواريخ أخري أطول مدي في جعبتها، علاوة علي عودة العمليات الاستشهادية داخل إسرائيل، وذلك يضاعف من قدراتها وتواجدها وتستعيد بالتالي تأييد شعب عربي، فإن محمود عباس وحركة "فتح" يعيشون مأزقا أخطر، فقد تم تجميد خيار المقاومة المسلحة منذ اللحظة الأولي، وبني عباس برنامجه علي رفض عسكرة الانتفاضة، وعلي خيار العمل السياسي والتوفق مع خارطة الطريق، وبالتالي فقد أصبح الآن في أضعف أوقاته، وينتظر تفويضا شعبيا فلسطينيا جديدا من أبناء الضفة والقدس بعيدا عن سيطرة "حماس"، وإجماع فلسطيني جديد، وموقف عربي واضح وحاسم، وتأييد أوروبي أمريكي يتجاوز الكلام بالضغط علي إسرائيل لاستبعاد أي عملية عسكرية والتحرك نحو إنجاز سياسي جديد. والمشكلة أن إسرائيل لم تفعل ذلك حين كان عباس قويا للغاية في أعقاب رحيل الزعيم الأسطوري ياسر عرفات، فهل تفعل ذلك وهو يعيش لحظات الهزيمة أمام "حماس"؟! ماذا سيحدث.. فلننتظر ونري فكل السيناريوهات قابلة للتحقق، والمؤكد الآن أن سيناريو عباس للبناء علي ما حققه في أوسلو قد تعرض لضربة قاصمة، وسيناريو بناء إمارة إسلامية في غزة حقق خطوة كبيرة إضافية، والنتيجة أن "فتح" و"حماس" لا يجتمعان.