بين وقت وآخر، تخرج علينا الولاياتالمتحدة بموديل جديد للشرق الأوسط تسوق لنا فكرته.. تارة تبيع لنا نموذج الشرق الأوسط الكبير.. وأخرى تروج لنا الشرق الأوسط الأكبر.. أخيرا تبيع لنا السيدة كونداليزا فكرة الشرق الأوسط الجديد!! وأنا شخصياً كلما سمعت عبارة شرق أوسط كبير أو صغير أو جديد عرفت أن أمريكا بمساعدة مخلبها إسرائيل تنوى أن "تعمل عملة"، ولكن على "طريقتها"!! وطريقتها أصبحت مكشوفة "ومهروشة"، فهى تضع لنا السم فى الفطيرة المعجونة بالزبد والعسل وتعرف أن لعابنا سيسيل وأننا سنأكلها، دون مقاومة، لأنها على يقين بأننا نؤمن بها ونعبد بقرتها وأنها لا تأتينا بالباطل ولا تنطق عن الهوى! ولذلك عندما غزت العراق، أرادت أن تلهينا وتخطف أبصارنا -على طريقة "شوف العصفورة"- طرحت علينا مشروع الشرق الأوسط الكبير، والآن ومن أجل أن تشترى مزيداً من الوقت لإسرائيل كى تستكمل استعداداتها لتحقيق غاياتها وأهدافها فى لبنان باقتلاع حزب الله من جذوره وانتزاع سلاحه، وإجبار الحكومة اللبنانية على مساعدتها فى ذلك، على اعتبار أنه الذى ورطها وأحرجها ودمر بلادها، من أجل أن تفعل كل هذا، كان لابد أن تلقى كونداليزا بفطيرتها المسممة حتى يسيل لعاب العرب فى المنطقة، ويتقاتلون على قصعتها. والفطيرة هنا هى الشرق الأوسط الجديد، موديل جديد "نوفى" لشرق أوسط منزوع منه غدة الكرامة، لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم.. وإن رأى فإنما يرى ما تريده أمريكا وإسرائيل أن يراه، وإن سمع فلا يسمع إلا ماتريدان سماعه، وإن تكلم، فلا يتحدث إلا خنوعاً وخضوعاً وموافقة على طول الخط. فقد أكدت السيدة كوندى أن الوقف الفورى لإطلاق النار فى لبنان سيعطى وعداً كاذباً من شأنه جعل حزب الله يعود لمهاجمة إسرائيل بدلاً من نزع سلاحه، ولذلك راحت تبشرنا بالحل وهو ميلاد شرق أوسط جديد لا كرامة فيه لمواطن يعيش على أرضه إلا إذا أحب إسرائيل وتعبد فى محراب أمريكا، أما من يضايق إسرائيل ويعاديها، ومن يعاند أمريكا ويخرج عن دينها ولا يعتبرها ولية أمره، فقد صبأ وخرج على الدين ومثواه جهنم وبئس المصير، وحتى هذا المصير البائس مكتوب ومخطط ومعد له مسبقاً باستراتيجيات قصيرة وطويلة المدى، وستنفذ بحذافيرها في المغضوب عليهم والضالين حتي يكون عبرة لمن تسول له نفسه أن يعاند ويكابر ويجرؤ أن يقول لا!! المشروع الجديد أو النموذج الجديد للشرق الأوسط الذى تنادى به السيدة كونداليزا الآن يسعى إلى تشكيل ائتلاف أمريكى أوروبى يدفع الدول العربية لإجراء تحولات ديمقراطية فى بنيتها وأنظمتها السياسية وربط تقديم المساعدات والمنح الاقتصادية لأى دولة بمدى تطبيقها لمعايير الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهذا مربط الفرس، ما هى معايير الديمقراطية التى يريدونها، وما هو الإنسان الذى يتحدثون عن حقوقه، هل هي الديمقراطية التى ربما تعارضت مع أمريكا واستراتيجيتها للهيمنة علي المنطقة برمتها.. وهل هو الإنسان الحر الأبى الذى يمكن أن ينتفض ويكسر القيود والأغلال و"كلابشات الذهب" التى تريد أن تربطنا بها؟ الإجابة لا تحتاج إلى ذكاء، فقط علينا أن نتابع ما يحدث في العراق، فالناس هناك لمجرد أنهم كفروا بنموذج الديمقراطية الذى باعته لهم أمريكا، حولت بلدهم إلى مستنقع دماء وسجن كبير ترتكب فيه كل صنوف وألوان العذاب التى تحرمها بنود ومواد حقوق الإنسان التى تتاجر بها!! ولكن أمريكا تراهن على حلقات الضعف فينا، وبالتالى فإن تمرير فكرتها والإيمان بها مسألة وقت، بعدها يلين الحديد، ويستقر الجديد. وبنظرية السنيورة والشايب و"التلات ورقات" سنلعب معها رغم أننا نعلم أن النصاب يسرقنا ويخدع أبصارنا مثلما فعل فى أفغانستان وفى العراق، ومثلما سيفعل فى دول أخرى كثيرة مرشحة فى أجندته، والخطة جاهزة وسنوقع عليها.. بإرادة واعية أو إرادة مسلوبة، الأسماء والعبارات لا تهم.. الأهم أننا بعيون معصوبة أو بعيون "مفنجلة" سنوقع. ماهى الخطة؟! الإجابة: من حيث الشكل والمضمون هى نفسها التى باعتها للجميع عندما روجت للشرق الأوسط الكبير.. كل ما ستفعله تحديث الأرقام، وتغيير المداخل وأساليب العرض.. أى تعددت الفطائر، والسم واحد، فالخباز واحد والشيف واحد والأكلة جاهزون وجائعون. ولنا فى مشروع الشرق الأوسط الكبير والذى قدمته أمريكا إلى قمة الدول الثمانى في الولاياتالمتحدة فى يونيو عام 2004 أسوة غير حسنة.. فقد باعوا لنا فكرته على اعتبار أنه القشة الوحيدة التى سوف تنقذنا من الغرق فى الفقر والجهل والمرض. والإحصائيات التى قدموها ووصفوا بها أحوالنا -وقتها- مروعة، وهذا الواقع هو التوليفة الغبية التى تؤدى إلى زيادة التطرف والإرهاب والجريمة، وفقر الدم، ونقص فيتامينات الحرية والديمقراطية. واقعنا الذى وضعوا إصبعهم فوق جرحه وقتها، والذى سيغيرونه لنا إذا نحن -سمعنا الكلام- هو: مجموع إجمالى الدخل المحلى لبلدان الجامعة العربية ال "22" هو أقل من نظيره فى دولة واحدة وهى إسبانيا. حوالي 40% من العرب البالغين - 65 مليوناً أميون. وسيدخل اكثر من 50 مليونا من الشباب سوق العمل بحلول 2010 وسيدخلها 100 مليون بحلول 2020 وهناك حاجة لايجاد ما لا يقل عن 6 ملايين وظيفة جديدة لامتصاص هؤلاء الوافدين الجدد الي سوق العمل. اذا استمرت المعدلات الحالية للبطالة سيبلغ معدل البطالة في المنطقة 25 مليونا بحلول 2010. يعيش ثلث سكان المنطقة علي اقل من دولارين في اليوم، ولتحسين مستويات المعيشة يجب ان يزداد النمو الاقتصادي لاكثر من ضعف مستواه الحالي والذي هو اقل من 3% ليصل الي 6% علي الاقل. تشكل الفجوة المعرفية التي تعانيها المنطقة ونزف الادمغة المتواصل تحديا لآفاق التنمية فيها، اذ يهاجر من المنطقة حوالي 25% من خريجي الجامعات. الديمقراطية والحرية ضروريتان للازدهار ولكن وعلي حد وصف المشروع، فان اسرائيل هي البلد الوحيد في الشرق الاوسط الذي يصنف بانه حر، وهناك علي سبيل الانصاف اربعة بلدان اخري فقط تصنف بانها حرة جزئيا. باختصار يخلص المشروع، مشروع الشرق الاوسط الكبير الي ان المنطقة تقف عند مفترق الطرق، ولكن وبدخولها ضمن المشروع سيتغير الحال حيث سيضيف كل عام اعدادا كبيرة من الشباب المفتقرين الي مستويات لائقة من العمل والتعليم والمحرومين من حقوقهم السياسية، كل المطلوب ان تضع المنطقة الاقدام علي طريق الحرية والاصلاح. وتذكرة المرور علي هذا الطريق سواء في الشرق الاوسط الكبير او الصغير او شرق اوسط كونداليزا الجديد واحدة، وهي ان تأكل الفطيرة المسممة، نعيش او نموت لا يهم.. الاهم ان تعيش امريكا وتتمطع فوق الخريطة اسرائيل! [email protected]