إذا أردت أن تغلق ملف أي قضية، فرق دم ضحاياها بين القبائل! ونحن والحمد لله أساتذة ومحترفون في فن تمييع القضايا، وخلق ألف ثغرة وثغرة يمر منها الجمل والجاني والمخالف ويفلت من العقوبة! والشماعات دائما جاهزة.. نعدها ونرتبها لنعلق فوقها القضية حتي ننقلها بفن واحتراف من بؤرة الضوء الي منطقة الظل ومن مركز الذاكرة الي سرداب النسيان، حتي تظهر علي سطح الاحداث أخري جديدة، وعندئذ لدينا ايضا كل الحلول والتخاريج اللازمة "لتفييش الهوامش وجعل القضية فشنك" ليقيد الحادث ضد مجهول. لم يحدث مرة واحدة في قضية رأي عام - أو ربما حدث في مرات قليلة وأنا لا أذكر من ندرتها - أننا ضبطنا الجاني الحقيقي، وقلنا للناس هذا هو المجرم، وعلي مرأي ومسمع من الدنيا كلها وضعنا حبل المشنقة حول رقبته، لأنه ببساطة أجرم في حق الشعب، وبالتالي فنحن نقول للجميع: ان سيف العدالة والقانون فوق الرقاب.. والكل سواسية كأسنان المشط ولا فرق بين كبير وصغير ومسئول أو غير مسئول "وابن بارم ديله وابن اللي مالوش ديل خالص"، إلا بالتقوي. وتعالوا نطبق ما نقول علي قضية انفلونزا الطيور منذ بدايتها وحتي اقترابها من النهاية. آخر أخبار قضية انفلونزا الطيور ان الدكتور نظيف كلف المسئولين بتشكيل لجنة من 5 وزارات للتحقيق بعد ان ثبت ان الطيور المهاجرة بريئة! وهنا تكون الرؤية قد وضحت: القضية دي ان شاء الله، "فشنك" لان دمها توزع بين الوزارات. وتعالوا نفهم الحكاية من أولها: في البداية غسل كل الوزراء أيديهم من التهمة وعلقوا القضية في رقاب الطيور، وبناء علي ذلك فالمتهم قد يكون بجعة أو غرابا أو بطة أو عصفورا، تجرأ وطار فوق الحواجز الهائلة والتحصينات المنيعة التي اعدتها الوزارات المختلفة لصد الخطر الزاحف! ولكن سبحان الله، ربنا خلق الطيور بأجنحة وبالتالي فهي تطير فوق الحدود ولا تعترف بها، ولذلك فالوزير في نطاق مسئوليته بريء من الانفلونزا براءة الذئب من دم ابن يعقوب "فالرجل عمل اللي عليه" ولكن ربنا أراد، لانه من غير المعقول ان يضع رادارا في السماء يرصد به الطيور المهاجرة، ويميز بينها، فيسمح للسليم بالمرور ويعترض علي المصاب، بل ويعطي جرس انذار للمسئولين يخبرهم بأن طائرا مريضا قد دخل المجال الجوي، وانه يبيت النية علي شر، لأنه يحمل في احشائه الفيروس اللعين، ويريد ان ينقل العدوي للطيور والبشر في آن واحد! واسترحنا لتلك التمثيلية، فوصول الطيور المصابة بالانفلونزا الي بر مصر هي مسألة قضاء وقدر، أو علي الأقل هناك جهة ما خارجية هي التي طيرت الينا الخطر. المهم في النهاية ان المسئول بريء، ولا يستطيع أحد ان يقول انه قد قصر في واجبه، وعلي المدعي ان يحاكم الطيور وأن يصل الي الجهة الخفية التي قصدت وتعمدت ان تلحق بمصر واهلها سوءا. ولكن ربنا سبحانه وتعالي لم يرد الظلم للطيور، فجعل من عبادة من يعكف علي ملف القضية ويدرسها بالتفصيل، حتي برأ ساحة الطيور من التهمة. لكنه بدلا من ان يريحنا حيرنا، فالطيور المهاجرة ليس لها أي ذنب، ومن المذنب إذن؟ هناك خمس وزارات عليها ان تدرس وتبحث وتمحص وتدقق وترصد المتسبب في دخول الكارثة سواء كانت جهة أو وزارة. ومعني ذلك اننا لن نصل إلي الجاني أو نضع أيدينا عليه، فهذا من رابع المستحيلات وكأننا نقول الغول والعنقاء والخل الوفي والتعرف علي الوزارة الجانية والمتسببة في وصول بلاء ووباء الانفلونزا الينا. أي اننا نكون قد اتخذنا قرارا غير مباشر باغلاق الملف وطيه علي اسراره وفيروساته دون ان نمسك بتلابيب من فعلها. بتبسيط اكثر.. معني ان نكلف خمس وزارات بالبحث عن الوزارة الحانية أو الجهة المذنبة اننا وسعنا الدائرة وميعنا الموقف وابتعدنا بزيادة القطر عن مركز الحقيقة.. وبالتالي ليس امامنا الا ان نتخلي عن العقل والاسلوب العلمي في البحث والامساك بخيط الفجيعة، واللجوء الاضطراري الي الخزعبلات والخرافات.. فنتصرف باسلوب "حادي بادي" أو نفتح "المندل" ونأخذ "بأتر" الوزارات المختلفة أو نتعامل بحسن النية فنجمع الوزراء في طابور ويقسم كل منهم علي المصحف بأنه بريء، وننتظر نتيجة القسم علي كل منهم، فمن كان يحلف كذبا وبهتانا يا ويله ويا سواد ليله من عذاب وانتقام ربنا، فيسود وجهه ويجف علي عوده ويموت أبشع موتة. ولكن المؤكد اننا سننتظر ويطول انتظارنا بعد القسم دون جدوي.. فكل الوزراء السابقين وسابق السابقين اقسموا وحلفوا ورغوا وازبدوا ولكننا لم نر واحدا منهم قد اسود وجهه أو جف علي عوده أو مات أبشع موتة.. بل علي العكس يعيش ويموت وهو في احسن صحة.. وجهه كبدر التمام، واذا مات يموت احسن موتة: جنازة رسمية وعزاء رسمي في عمر مكرم وصفحات كاملة في الصحف القومية وربما كتبوا شارعا أو حيا بإسمه! وأنا كشفت السر، فالوزراء يتواطئون مع بعضهم البعض، والمصحف الذي ظل الوزراء يقسمون عليه منذ عهد مينا وحتي الآن لم يكن مصحفا، وانما "دليل تليفون" يعني الخط مغلق وعلينا ان نعيد المحاولة في يوم القيامة!!