نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية يشارك باجتماعات الربيع للبنك وصندوق النقد الدوليين    محافظ الفيوم يتفقد تدريب أساسيات التحول الرقمى ويسلم الشهادات للمتحررين من الأمية    الهدنة المرتعشة    يلا شوت الآن.. بث مباشر مشاهدة مباراة ريال مدريد وبايرن ميونخ اليوم في دوري أبطال أوروبا    سقوط «صانعة محتوى» بالجيزة.. الأمن يواجه فيديوهات «الألفاظ الخارجة»    عقوبة استعمال أجهزة كشف الرادارات في قانون المرور.. حبس وغرامة ومصادرة الجهاز    وزنه 20 كيلو.. جراحة ناجحة لاستئصال ورم ببطن مريضة بمستشفى زايد التخصصي    جمعية رعاية مرضى الكبد بالدقهلية عضو التحالف الوطنى تنظم قافلة طبية بجامعة المنصورة    القومي للمرأة: «الغرف الصديقة للطفل» نقلة نوعية في مسار العدالة المصرية    جاستين راسل: تصريحات ترامب المتكررة لا يمكن التعويل عليها في تقييم المفاوضات    حسام زكي يؤكد دعم الجامعة العربية لمسار سياسي ينهي الحرب في السودان    وكالة الأنباء اللبنانية: غارات على عدة بلدات جنوبي لبنان    وزير الخارجية يستعرض موقف مصر من الأزمات الإقليمية بواشنطن (صور)    تعيين الدكتور حسام علام رئيسًا لبيت الخبرة الوفدي    منتخب اليد 2008 يواصل التألق في البحر المتوسط بفوز رابع على مونتنيجرو    وزير الشباب يستقبل مجلس اتحاد ألعاب القوى لبحث تطوير اللعبة واكتشاف المواهب    رئيس جامعة المنوفية يتابع ملفات الجودة بكليات الحقوق والطب البيطري والإعلام    البدوي يحدد اختصاصات أكاديمية حزب الوفد للتدريب الإعلامي    سلع منتهية وسجائر مجهولة.. تفاصيل ضبط 100 مخالفة تموينية بالفيوم| صور    سقوط تاجر مخدرات بحوزته كيلو حشيش في قبضة مباحث أسيوط    سقوط تشكيل عصابي تخصص في سرقة المواطنين بالإكراه بسوهاج.. ومصرع أحد عناصره خلال المواجهة    جدول امتحانات الثانوية العامة 2026    مقترحات وأفكار من النجوم في اللقاء التأسيسي لفرقة ماسبيرو المسرحية    وزيرة الثقافة تعلن البدء الفوري في رفع كفاءة قصر ثقافة شلاتين    أحمد سعد يطرح أول أغنيتين من «الألبوم الحزين»    محافظ الفيوم يتفقد معرض الهيئة المصرية للكتاب بقرية تونس    السيسي يتابع مشروعات شركات الإنتاج الحربي والوحدات التابعة لها (فيديو)    رئيس الوزراء يُتابع الموقف التنفيذي لمشروعي "رأس الحكمة" و "شمس الحكمة" بالساحل الشمالي    إنجاز طبي جديد بمستشفيات جامعة عين شمس في جراحات المستقيم بالمنظار    مستشفى بني سويف الجامعي تنجح في إنقاذ طفلة ابتلعت سوستة    إيقاف ماجواير مباراة إضافية وحرمانه من مواجهة تشيلسي    مشروع الفيلم اليمني المدينة 2008 يحصد جائزة التطوير بمهرجان مالمو للسينما العربية    رافينيا يعتذر عن إشارته لجماهير أتلتيكو مدريد بعد خروج برشلونة من دوري أبطال أوروبا    محافظ كفر الشيخ: استقبال نحو 124 ألف طلب تصالح للمخالفين    تداول 14 ألف طن و767 شاحنة بضائع عامة ومتنوعة بموانئ البحر الأحمر    شيخ الأزهر: العالم بحاجة إلى عودة القيم الدينية لمواجهة الأزمات المعاصرة    للمخالفين.. إجراءات رادعة للكشف عن البناء المخالف بالمحافظات    رئيس خريجي الأزهر بالغربية: حفظ النفس أساس استقرار المجتمعات    أسباب غياب 3 حكام عن تسلم الشارة الدولية    الإسماعيلي يهدد بالانسحاب من الدوري ويحدد طلباته قبل التصعيد    ضبط سائق ميكروباص تسبب فى تهشم محل و4 سيارات فى الجيزة    الأهلي يكشف حقيقة إصابة حارسه بالرباط الصليبي    10 دول تطالب بوقف فوري للحرب في لبنان    النيابة العامة تفتتح غرف تحقيق صديقة للطفل في المقرات    إمام الدعاة ومفسر القرآن الكريم.. وزارة الأوقاف تحيي ذكرى ميلاد الشيخ الشعراوي    مهلة ال60 يوما تربك حسابات ترامب في حربه على إيران.. ضغوط قانون صلاحيات الحرب تطارده داخل الكونجرس.. وخسائر ب30 مليار دولار تضعه في زاوية حرجة    يارا السكري ضيفة برنامج "صاحبة السعادة".. في هذا الموعد    في واقعة تحرش كهربائي بتلميذة، نيابة أكتوبر: تفريغ كاميرات المراقبة وطلب تحريات المباحث    «اللي عايز آيس يكتب كومنت».. تاجر مخدرات يفضح نفسه على السوشيال ميديا    زيادة أسعار تذاكر المتحف المصري الكبير بدءًا من نوفمبر المقبل    الاكتئاب الصامت الذي ينهي الحياة في لحظة    إجازة وقفة عرفات وعيد الأضحى المبارك 2026.. اعرف المواعيد    طلاب إعلام 6 أكتوبر يطلقون حملة "مكسب خسران" للتوعية بمخاطر المراهنات الإلكترونية    الجابرى وتبارك والصفوة.. وزارة الصحة تكشف مخالفات فى 18 مستشفى    9430 فرصة عمل في 13 محافظة برواتب مجزية.. هذه خطوات التقديم    توجيهات قوية من السيسي لوزيري الدفاع والإنتاج الحربي.. تعرف عليها    تفاصيل لقاء هشام بدوي مع رئيسي النواب البحريني والشعبي الوطني الجزائري    رئيس الشؤون الدينية بالحرمين الشريفين: الالتزام بتصريح الحج ضرورة شرعية ونظامية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



واشنطن ... هل عودة ترومان هي الحل؟
نشر في نهضة مصر يوم 27 - 05 - 2006

هل انطفأ المصباح الأمريكي الذي ينير للجالسين في الظلمة وظلال الموت حسب المفهوم الرؤيوي الذي يحكم البيت الأبيض؟ وهل المدينة الكائنة علي قمة الجبل كمنارة تهدي للحق والعدالة والسلام قد تقطعت بها سبل الاتصالات مع العالم الخارجي فأضحت "الأمة غير الضرورية" لا سيما بعد تقسيمها المانوي للعالم لمعسكرين متضادين من الشر والخير؟
تساؤلات اقرب ما تكون للمعادلات الفلسفية التي تشغل المنظر والباحث في المنطقة الفسيحة التي تتشابك فيها الخيوط وتتداخل الخطوط ما بين الدين السياسة والفلسفة كذلك.
ومهما يكن من أمر فان ما يدفعنا لهذا الطرح هو الحال الذي يغني عن السؤال جهة علاقة أمريكا بالعالم اليوم والي أين تمضي؟ وهل من أمل قادم في أن تشعل ثانية مصابيح القيم الأمريكية والتي جعلتها ذات مرة الأمة الضرورية الأقرب لليوتوبيا في أذهان الناس وان لم توجد اليوتوبيا بعد؟
الواقع أننا بصدد مدرستين "تتشارعان" اليوم داخل أمريكا ذاتها الأولي تري أنها صاحبة الحق المطلق فيما تفعله ويمثلها التيار الأصولي الأمريكي علي مختلف مشاربه وفي مقدمته اليمين الديني ومن لف لفه من جماعات المحافظين الجدد وغيرهم من أصحاب المصالح وهولاء يقطعون بأنها لا بد وان تكون أمريكا حصرا وقسرا سيدة العالم .
يكتب احدهم "وليك كريستول" عميد المحافظين الجدد في كتابه "طريقنا يبدأ من بغداد" يقول: لا، لأنها القوة العظمي فحسب بل كذلك لأنها الأمة ذات الرسالة وهذه الرسالة كونية لان القيم التي تحملها أمريكا هي ذاتها قيم كونية وتصلح لتلبية صبوات وحاجات الشعوب قاطبة.
والتساؤل بين يدي هذا المقام من أعطي لأمريكا الحق في أن تكون دركي العالم وشريفه بل ومنارته ودليله؟ هل هي قوة الحق أم حق القوة التي أضحت أمريكا بموجبها تفترض في كل ما ترتئيه خيرا مصفي ؟ ومن يمتلك قوة اليقين التي تقول بان ما تأتيه ليس شرا ما دامت لا تهيمن إلا خدمة لمبادئ صحيحة ونبيلة؟
ولا تنقطع سلسلة المطلقات الأمريكية والتي علي ضوئها توضع الأجندة العالمية وتهيئ الأحداث الجسام لغزو الدول تحت ستار من دعم الحريات ونشر الديمقراطيات وإسقاط الديكتاتوريات فهي القوة التي لا توظف إلا من اجل غايات أخلاقية يقررها الجالس سعيدا في البيت الأبيض عبر المدد السماوي الأعلي الذي يأتيه دون غيره من عباد الله المخلصين.
ويصل الغرور الإمبراطوري مداه حينما يقرر كذلك نيابة عن العالم انه إذا لم تقم الولايات المتحدة بالمهمات التي أوكلها إليها التاريخ فان مآل العالم سيكون إلي فوضي لأنه لا وجود لآية سلطة أخري قادرة علي منع العدوان وضمان الأمن والسلام وفرض احترام المعايير الدولية سواها.
وغير خاف علي احد أن أوهام الإمبراطورية تسيطر علي تلك الايديولوجيا وتقربها للطروحات الفاشية وقد أثبتت التجربة في العراق فشلها ناهيك عن تعثر القوة المطلقة وتخبطها تجاه إشكالية إيران النووية إذ بات خيار "حق القوة" غير مجد وصار العالم رافضا لفكرة النموذج الأمريكي القاضي والجلاد في آن واحد.
فيما النسق الأخر الذي تقتضي الموضوعية الإشارة إليه ينحو تجاه النموذج الأمريكي التروماني إن جاز التعبير نسبة إلي الرئيس هاري ترومان الرئيس الثالث والعشرين لفترتين متتاليتين "1945 - 1953" وقد عاصر نهاية حقبة كونية دفع فيها العالم ثمنا باهظا لأحلام وأوهام القوة التي قادت أصحابها لما يعرف بعجز القوة وكان الخراب والدمار اللذين حاقا بمن ساروا علي درب القوة الباطشة عنوانا لمن بعدهم لكن آفة حارتنا النسيان كما يقول أديب نوبل نجيب محفوظ في رائعته أولاد حارتنا والحارة عنده رمز للأرض من مشارقها إلي مغاربها.
وقد قدر لترومان من القوة العسكرية والاقتصادية في أعقاب الحرب العالمية الثانية ما باعد كثيرا بينه وبين بريطانيا التي لم تعد عظمي وبقية أوربا التي دمرتها غارات النازي وغزواته والاتحاد السوفيتي الذي أنهكته الحرب وبقية دول شرق آسيا التي أذلها استسلام اليابان وكان حريا بترومان في حينها أن يستن نظاما دوليا يرسخ فيه الأحادية الأمريكية الناشئة ويستأثر عبره بالمغانم ويلقي علي من تبقي من الحلفاء بما رشح من المغارم غير انه رغب عن ذلك بعيدا جدا متطلعا لكيان دولي تتجذر من خلاله الشرائع والنواميس الوضعية الواجبة الوجود والاحترام والتي ينتظم العالم فيها انتظاما يقيه شر الحروب وويلات الطغاة فكانت الدعوة إلي سان فرانسيسكو لإنشاء عصبة الأمم أملا وطمعا في عالم يسوده السلام ومنظمة تنقذ الأجيال القادمة مما يصعب وصفه.
ورغم مآخذنا علي ترومان انه الرئيس الأمريكي الذي اعترف بدولة إسرائيل بعد ساعة واحدة من المناداة بقيامها عام 1948 برغم اعتراض الخارجية الأمريكية التي رأت بضرورة وضع فلسطين تحت انتداب دولي وضربه عرض الحائط برأي وزرائه رغم ذلك نقول أن أمريكا في عهده قد عرفت طريقها لوضع لبنات مجتمع دولي تسوده مساحات من الاتفاق اعرض بمراحل مما وجد آنذاك من الافتراق تجلت في الأمم المتحدة وانطلاق صندوق النقد الدولي ومشروع مارشال لأعمار أوربا والجات وغيرها من الآليات التي مكنت الولايات المتحدة من التغلغل في أنحاء العالم دون إراقة دماء.
ومع حلول الستينيات كانت أمريكا وعن جدارة المصباح الموضوع في صدر البيت العالمي والمدينة القائمة علي الجبل بما تملكه من قوة في المبادئ ومنعة رفيعة من القيم والأخلاقيات ومثال صالح في مد يد العون لدول العالم بنسبة أو أخري.
أما علي الصعيد الداخلي فقد أطلق ترومان برنامجا عرف باسم "النظام العادل" وأشار إليه في خطاب له أمام الكونجرس الأمريكي ذات نهار من سبتمبر 1945 ويتضمن في جوهره ضرورة تدخل الحكومة الامريكية إذا دعت الحاجة لتوفير العمالة ورفع معدلات الأجور وتوسيع نظام الضمان الاجتماعي وتوفير اعتمادات لإزالة الأحياء الفقيرة وتحسين الإسكان وتمويل رفع أسعار الحاصلات الزراعية.
ومما لا شك فيه انه قد طرح ما يجافي وينافي اليوم صورة الرأسمالية المتوحشة التي تجلت داخل أمريكا في من خلفهم إعصار كاترينا ناهيك عن ضحايا الاقتصاد المترنح تحت ضربات ميزانيات الحروب وخطط التسلح ومبادرات الدفاع الهيولية التي كلفت الأمريكيين خطط تقاعدهم ومخصصات الضمان الاجتماعي وأطاحت ببرامج التأمين الصحي واذكت معدلات البطالة وغيرها الكثير مما جيز لصالح أصحاب مجمع الصناعات العسكرية خصما من المواطن الأمريكي محدود الدخل.
هل من مقاربة ما يمكن أن تنشدها أمريكا اليوم بين نموذج ترومان ومثال بوش ؟ الحقيقة أن حسابات الحصاد لا بد وان تأتي في هذا الإطار ملائمة لحسابات البيادر طولا وعرضا شكلا وموضوعا ومساحة إجمالية والتعبير والتفسير الوارد علي لسان رموز من المجتمع الأمريكي يؤكد علي الحاجة الماسة لإعادة قراءة مشهد مدينتهم التي أصابها العطب الأخلاقي ومصابيحها التي فرغت من الزيت إلا قليلا.
من هولاء المؤرخ الأمريكي الأشهر آرثر شليزنجر الذي يري أن " الحكمة ليست ذات دالة علي بوش الابن فهو محارب وقائي لا يتوب وان التحذيرات التي توجه لإيران اليوم تذكرنا بتلك التي سبقت الحرب الوقائية ضد العراق . وازدراء بوش لأوربا القديمة والأمم المتحدة والمؤسسات الدولية وان حاول إخفاءه فانه اكبر من أن يخفي والحاصل انه لم يسبق للولايات المتحدة الأمريكية في كل تاريخها أن أصبحت دولة غير محبوبة في العالم أو تقابل بهذا القدر من التشكك في نواياها والخوف حتي الكراهية منها كما هو حادث الآن.
فيما الرئيس الديمقراطي السابق جيمي كارتر يقرر بان هذه "ليست هي أمريكا الحقيقية" وعنده انه خلال السنوات الأخيرة زاد قلقي بسبب العديد من سياسات الحكومة التي أصبحت تهدد المبادئ الأساسية التي اعتنقتها جميع الإدارات السابقة الديمقراطية والجمهورية علي السواء وتشمل الالتزام الأمريكي الأول بالسلام والعدالة الاقتصادية والاجتماعية ومعاملة الأصوات والمعتقدات والمذاهب والأديان المغايرة بالاحترام والتوقير اللازمين.
ويبقي المشهد الأكثر إزعاجا لكارتر هو المحاولات المستمرة والمستقرة لتسييس الدين وتحويل أماكن العبادة من مواقع ومواضع للحث علي المحبة والإخاء والدعوة للسلام والوئام والتحفيز علي العدالة الاجتماعية ورفع الظلم عن بقية العالم إلي أماكن حشد نفسي وسياسي تهيئة للهجوم الأعظم وهرمجدونية الشر التي لن تبقي ولن تذر.
ويبقي القول هل أمريكا اليوم تعيش فعليا مرحلة عجز القوة وبداية انفراط العقد الإمبراطوري الذي لم يقدر له البقاء طويلا؟ اغلب الظن أن ذلك كذلك والتغليب هنا منطلقه أن كل بيت ينقسم علي ذاته يخرب وكل مملكة تنقسم علي ذاتها تخرب كذلك والمشهد الأمريكي اليوم لا يختلف علي تقييمه اثنان بعد أن شق بوش ومن حوله ستر هيكل القيم التاريخية والسياسية الأخلاقية التي تبناها خلال أل 250 سنة الماضية أمريكيين متحدين وموحدين حول التزام مشترك ويقول الراوي أن ترومان كان آخرهم وان عودته ثانية إلي البيت الأبيض ربما تمكنه من إشعال مصباح أمريكا لتنير فجر سلام جديد ودروب سلام مظلمة بفعل عصبة احتلت البيت غير العتيق في غفلة من الرواد والآباء المؤسسين


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.