لعلكم تتذكرون النكتة القديمة التالية: ما هو عدد الأطباء النفسيين الذي يمكن من خلاله تغيير المصباح الكهربائي؟ طبيب واحد فقط، لكن علي المصباح أن يرغب في التغيير أولاً. أستحضر تلك النكتة هذه الأيام وأنا أراقب الرئيس بوش يحاول الخوض في ظلام دامس وإعادة تنظيم فريق موظفيه. ولو احتكمنا إلي التاريخ فسنجد أن بوش هو ثامن رئيس أمريكي، صعوداً إلي الرئيس "ليندون جونسون"، يسعي إلي إنقاذ إدارته وإخراجها من أزمتها عبر إدخال تغييرات علي تركيبة موظفيه. والواقع أن هذا الأسلوب في حل الأزمات نادراً ما كلِّل بالنجاح، وحتي في المناسبات القليلة التي أعطي فيها ثماره جاء ذلك نتيجة عاملين أساسيين، يتمثل الأول في تحرك الرئيس في الوقت المناسب، ويتمثل الثاني في توفر رغبة حقيقية لدي الرئيس في إحداث التغيير المرجو. ورغم أن التغيير المرتقب الذي سيدخله الرئيس بوش علي إدارته لم تتضح معالمه بعد، ولا يجدر بنا التقليل من "جوش بولتن"، كبير موظفي البيت الأبيض الجديد لما يمتاز به فعلاً من كفاءة، فإن التغييرات المذكورة تأخرت كثيراً. كما أن الرئيس بوش لم يقدم علي التغيير إلا علي مضض بعدما ظل معارضاً لأي تغيير جوهري يمس دواليب إدارته. كان الرئيس جونسون تصرف هو الآخر بعد تردد كبير أضاع خلاله الكثير من الوقت بينما كانت حرب فيتنام قد أكلت الجزء الأكبر من فترته الرئاسية. فأرسل أخيراً وزير دفاعه "روبرت ماكنمارا" إلي البنك الدولي واستقدم رجلاً من العيار الثقيل ومن خارج الإدارة هو "كلارك كليفورد"، الذي درس الحرب جيداً وقرر ضرورة إنهائها. غير أن الوقت كان قد فات وأصبح الرئيس جونسون أسير تصوراته التي حالت دون استكمال التغيير علي نحو جذري، حيث لم تمر سوي بضعة أشهر حتي انسحب من سباق الانتخابات الرئاسية. وفي مناسبة أخري وتحديداً عندما انكشفت فضيحة "ووترجيت" كنت حينها أحد موظفي البيت الأبيض، ومازلت أعتقد أن الرئيس نيكسون كان بإمكانه تطويق الأزمة والخروج بدون خسائر فقط لو أدخل التغييرات الضرورية علي فريق موظفيه بالسرعة اللازمة وطلب الصفح من الجمهور الأمريكي. ولو قام بذلك لكان ربما أصبح رئيساً مرة أخري وسجل اسمه في التاريخ كرئيس محترم. بيد أنه انتظر حتي 1973 لإقالة كبير موظفيه بعد فوات الأوان، وهو مثال علي عينة من القادة تعجز عن تغيير أفكارها الراسخة وتكييفها مع المستجدات. والتغيير لا يكون دائماً مفيداً، حيث أدي التغيير الشامل الذي أحدثه الرئيس كارتر لفريق موظفيه إلي انتكاسة كبيرة في معدلات شعبيته. فقد دفعته أسعار الغاز المرتفعة والانخفاض الحاد في شعبيته إلي قضاء عشرة أيام في منتجع كامب ديفيد سنة 1979 بمعية قادة بارزين من خارج الإدارة للتفكير في كيفية الخروج من الأزمة. فانتهي بالإدلاء بخطابه الشهير الذي تحدث فيه عن "أزمة الثقة" واقترح فيه حلولاً جريئة لأزمة الطاقة. ومع أن الجمهور تلقي خطابه بارتياح كبير انعكس في ارتفاع معدل شعبيته، إلا أنها عاودت الهبوط بشكل حاد، بل وصلت إلي أدني مستوياتها عندما أقدم كارتر علي إقالة نصف حكومته، بسبب شعور الرأي العام بأن الرئيس فقد السيطرة علي فريقه ولم يعد قادراً علي المضي قدما في إصلاحاته. بيد أن تغيير الموظفين نجح بالفعل في حالة الرئيس رونالد ريجان سنة 1986 عندما عصفت فضيحة "إيران- كونترا" بإدارته. فقد كان ريجان يتمتع بثقة الناس النابعة من إعجابهم الشخصي به، رغم تحفظ الكثيرين علي سياساته. لكن الفضيحة هددت فعلياً بتقويض تلك الثقة، خصوصاً بعد انخفاض معدل شعبيته وتواتر الحديث عن ضرورة مقاضاته. فجاء رد الرئيس ريجان علي الأزمة الخانقة التي هزت إدارته ليشكل مثالاً جيداً يجدر بالإدارة الحالية الاقتداء به. فلم يكتف ريجان بتغيير جذري في إدارته واستقدام فريق جديد من خارج الإدارة، لكنه غير بسرعة أيضاً طريقة عمله وسياساته القديمة، حيث قام بفتح ملفات البيت الأبيض أمام المحققين، وتخلي عن امتياز منع الكونجرس من استجواب أي شخص يستدعيه، فضلاً عن تعاونه مع الديمقراطيين وتغييره للهجة التي كانت سائدة في واشنطن. ورغم أن طريق ريجان لم تكن مفروشة دائماً بالورود، إلا أنه استطاع بتحركه السريع تحقيق الكثير من أهدافه وأنهي فترته الرئاسية بمعدل شعبية تجاوز الستين. الرئيس كلينتون كان أيضاً من هؤلاء القادة الذين استطاعوا التغيير عندما رأوا أن الأمور بدأت تنحرف عن مسارها الصحيح. فقد كنت أحد الذين انضموا إلي فريق كلينتون وعملت معه كمستشار في البيت الأبيض أثناء مروره بأزمة خلال سنته الأولي في الرئاسة وقد نجح في تخطيها بنجاح. ولست أزعم أن ما قمت به إلي جانب باقي الموظفين هو السبب الرئيسي وراء نجاح كلينتون، بل كانت رغبة الرئيس نفسه في التغيير ودعم زوجته هيلاري، فضلاً عن تحركه السريع وهذا ما قاد إلي ذلك النجاح. وعودة إلي الرئيس بوش أعتقد أنه كان عليه أن يقتفي أثر الرئيس ريجان ويسير علي نهجه، لاسيما بعدما انكشفت هشاشة الإدارة عقب كارثة "كاترينا" ومقاضاة "لويس ليبي". في تلك الإثناء كانت أمامه فرصة ثمينة لإعادة بناء رئاسته، لكنه رفض إحداث أي تغيير مفضلاً الاستمرار في سياسته نفسها. ويبدو أن التغيير الحالي الذي يحاول بوش إدخاله علي فريق موظفيه جاء متأخراً، فضلاً عن عدم إشراكه لرجال من خارج الإدارة يملكون قدرات فذة. وهي تغييرات تبقي سطحية ولا تهتم الجوهر، ولذا فهي لن تجدي نفعاً في إخراج الإدارة من مأزقها وإنقاذ الرئاسة من معدلات الشعبية المتدنية. مستشار سابق في البيت الأبيض لأربعة رؤساء أمريكيين، ومدير مركز القيادة العامة في كلية كيندي للدراسات الحكومية بجامعة "هارفارد"