مما لا شك فيه أننا نعيش الآن حالة جديدة سوف تؤثر بشكل مباشر علي مجمل عملية الإصلاح السياسي اولتغيير الديمقراطي في مصر، وذلك بفعل تصاعد الضغوط الداخلية والأخري الخارجية التي تطالبنا بالإصلاح السياسي وتفعيل مبدأ تداول السلطة، بدلا من محاولات تعزيز وهم التعددية السياسية. إن إلقاء نظرة سريعة علي نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، سوف يفضي بنا الي تحديد بعض الدلالات المهمة التي يمكن أن ترسم معالم الطريق الجديد "الثالث" الذي يمكننا الولوج إليه، بعد ما ثبت لنا عدم مناسبة الطريق السياسي الأول الذي سلكناه منذ قيام الثورة وأيضا عدم ملاءمة الطريق السياسي الثاني الذي شرعنا في السير به منذ بدأت التجربة الحزبية المشوهة، أو الشكلية، منذ صدور قانون تنظيم الأحزاب في يونيو من عام 1977. وفي سياق متصل، بالنظر الي الانتخابات الرئاسية الأخيرة، والتي فاز بها السيد الرئيس مبارك "مرشح الحزب الوطني الديمقراطي" فقد اتضح فوزه بعد الحصول علي ما نسبته حوالي 6.88% من إجمالي الأصوات الصحيحة، كما جاء مرشح حزب الغد في المركز الثاني وبنسبة بلغت حوالي 6.7% في حين احتل مرشح حزب الوفد المركز الثالث مسجلا حوالي 8.2% من الاجمالي، وتشير تلك الارقام أو بالأحري تلك النسب للبون الشاسع في النسبة بين الفائز بالانتخابات ومن يليه مباشرة، واذا ما تغاضينا عن النسبة المرتفعة التي حققها مرشح الحزب الوطني، وايا كانت اسبابها، والتي نرجعها اساسا الي شخصه وليس الي الحزب السياسي الذي ينتمي اليه ويترأسه، فهل يمكن لنا الجزم بأننا نحيا حياة ديمقراطية حزبية صحيحة، عندما لا يحقق مرشحان لانتخابات الرئاسة بها، الا نحو مثل هذه النسب الهزيلة من الاصوات؟ ولم يقتصر الامر علي ذلك فحسب، بل ان مرشحي الاحزاب السبعة الآخرين مجتمعون لم تتجاوز النسبة التي حققوها 1% فقط من اجمالي عدد اصوات الناخبين التي تقاسمتها تلك الاحزاب. ما يؤكد علي هزلية الصورة بشكل أوسع هو النظر الي عدد الاصوات التي حصل عليها بعض مرشحي الاحزاب السياسية المصرية، والتي تتنافس لاعلي احد المقاعد في بعض المجالس المحلية القروية، ولكنها تتنافس - هم يدعون ذلك - علي منصب رئيس الجمهورية. أليس مما يثير الاسي والحزن معا، ان يحصل بعض هؤلاء علي ثمانية اصوات فقط في محافظة الوادي الجديد وعشرة اصوات في جنوبسيناء، ويحصل الآخر علي صوتين فقط في الوادي الجديد وعلي احدي عشر صوتا في جنوبسيناء، ويحصل الثالث علي احد عشر صوتا في محافظة البحر الاحمر، وعلي تسعة عشر صوتا في الاقصر، ويحصل الرابع علي ثلاثة عشر صوتا في جنوبسيناء وعلي ثمانية عشر صوتا في مرسي مطروح؟ الا يدل ذلك علي كآبة الصورة وقتامتها ترشحا ونتيجة؟ ان استخلاصات احدث الدراسات وثيقة الصلة بحديثنا الحالي، انما تؤكد علي ظهور العديد من الملاحظات والامور الموحية بتعثر تجربتنا الحزبية بل وربما عدم مصداقيتها بشكل ادق، ونستطيع التأكد من ذلك علي النحو الآتي: أولا: عندما لا ينجح الحزب الوطني "بكل هيلمانه وآلته الاعلامية الصخمة وجبروته" الا بنحو 5.33% في الجولات الانتخابية الثلاث، صحيح ان النسبة التي فاز بها الحزب ارتفعت "بقدرة قادر" الي نحو 70% بعد استقطاب المرشحين الفائزين باعتبارهم مستقلين، إلا انه من الصحيح كذلك ان الحزب قد فقد قاعدة جماهيرية عريضة كانت ربما تؤيده في السابق، ولم يعوضها الا الاستحواذ واستقطاب المستقلين الذين رضوا بالانضمام اليه بعد نجاحهم، وذلك تسهيلا لمصالح خاصة بدوائرهم. ثانيا: انه لا يمكن الاعتماد او الوثوق في كون الاحزاب السياسية الموجودة علي الساحة هي وحدة لتحليل الحياة الحزبية في مصر، بل ان الاصح في ذلك هو النظر الي التيارات السياسية التي تنتمي اليها تلك الاحزاب، حيث كشفت الانتخابات التشريعية الاخيرة، ان هذه الاحزاب تمثل اتجاهات تتنافس في اطار بناء سياسي واحد، ولا تمتلك هيكلا تنظيميا مستقرا، وبذلك فاننا لانتجاوز عندما نصفها بعدم الشعبية وافتقاد القدرة علي ان تشكل تيارا وطنيا وسياسيا في المجتمع، مقارنة بما حققته جماعة الاخوان المسلمين في ذلك الشأن. ثالثا: ان المعني المباشر لفشل الاحزاب السياسية في مصر نجده مجسدا في عزوف ثلاثة ارباع المصريين عن المشاركة السياسية بالتصويت في الانتخابات، كما نجده ايضا في اتجاه كتلة تصويتية كبيرة لانجاح المرشحين المستقلين لا مرشحي الاحزاب. ربما يؤشر ذلك كله الي ان الاغلبية في مصر قد فقدت الثقة في برامج الحكومة والاحزاب ايضا، لقد كشفت الانتخابات الاخيرة علي ان ثمة فرزا لافتا داخل معظم القوي السياسية أو الاجنحة الرئيسية داخلها، يمتد ذلك الي الحزب الوطني نفسه والي الاحزاب الاخري، اذن فليس هناك مفر من الحاجة لاحداث تطوير سياسي ومؤسسي داخل الاحزاب المصرية "محمد فايز فرحات ومختار شعيب - البرلمان الصعب "دراسة تحليلية للانتخابات البرلمانية 2005" كتاب الاهرام الاقتصادي - أول يناير 2006. ان كل ما سبق يرتبط بدعوتنا للبحث عن الطريق الثالث للاصلاح السياسي الذي نتمناه لمصر، ذلك الطريق الذي نتمكن عند السير فيه، من التخلص من المقاومة التقليدية التي تبديها الاغلبية من الصامتين والعازفين عن المشاركة السياسية في بلادنا، والذين يبدون وكأنهم يفضلون الرفض الخفي علي المعارضة المعلنة، كما يفضلون المقاومة السلبية علي الفعل الايجابي، هؤلاء العازفون الساعون لاستغلال عنصر الزمن والمراهنون - ولهم بعض الحق - علي افشال مايتصورونه عن طريق عدد التفاعل أو التجاوب. ان الطريق الثالث هو الذي يكفل لنا تحقيق النهضة المصرية، وذلك لن يتأتي بالضرورة الا بالاعتماد علي مباديء الديمقراطية الحقيقية كاطار حاكم لنظامنا السياسي.