تتردد دعوات متنوعة متعددة من تيارات سياسية وغيرها منسوبة إلى الدين الحق للحكم بالخلافة كنظام سياسي منسوب إلى الإسلام ، وكشأن ديني معطل . لكشف حقائق عن موضوع "الخلافة " للتميز بين الأصيل والدخيل ، والصواب والخطأ والحق والباطل ، والصحيح والسقيم .
أولاً : مفهوم الخلافة : الخلافة : لغة : مصدر يخلف خلافة أي : بقى بعده أو قام مقامه ، وكل من يخالف شخصاً آخر يسمى خليفة ، لذلك سمى من يخلف الرسول صلى الله عليه وسلم في إجراء الأحكام الشرعية ورئاسة المسلمين في أمور الدين والدنيا خليفة ، ويسمى خلافة وإمامة
اصطلاحاً : حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية ، والدنيوية الراجعة إليها .
ووضح واضع التعريف أنها : خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين والدنيا وهناك ألفاظ ذات صلة تزيد المصطلح وضوحاً :
الإمام الكبرى : رئاسة عامة في الدين والدينا خلافة عن النبي صلي الله عليه وسلم ، وسميت كبرى تمييزاً لها عن الإمامة الصغرى - وهي إمامة الصلاة .
وعلى هذا فالخلافة فمرادفة للإمامة الكبرى .
الإمارة : الولاية ، والولاية إما عامة فهي الخلافة أو الإمامة الكبرى أو العظمى ، وإما خاصة على ناحية كإقليم ، أو على عمل خاص من شئون الدولة كإمارة الجيش ، وتطلق منصب أمير .
السلطة : السيطرة والقهر والتحكم ، فإن كانت قاصرة على ناحية خاصة فليس بخليفة ، و إن كانت عامة فهو خليفة ، وفي العهود الإسلامية المتعاقبة والمختلفة وجدت خلافة بلا سلطة كما حصل في أواخر الحكم العباسي ، ووجدت سلطة بلا خلافة كما في حكم المماليك .
وجدت هذه المصطلحات (الخلافة - الإمارة) في عصور إسلامية على نحو دلالتها سالفة الذكر .
واطلق "سلطة " على حكام غير مسلمين محتلين للدولة أو الأقطار الإسلامية .
أما مصطلح " حكم " بمفهومه السياسي فأطلق مؤخراً على من يتولى السلطة العامة من المسلمين وغيرهم .
ثانياً : الحكم التكليفي : الخلافة كنظام سياسي في الفقة التراثي الموروث واجب كفاية ثابت بدليل " الإجماع " ولم تثبت بدليل : نصي معتبر " أي أنها من فروض الكفايات عند مذهب (أهل السنة ) وهي التي يقصد الشارع تحصيلها في الجملة من غير أن يقصد حصولها آحاد المكلفين .
ويرى الشيعة أن الإمامة أصل من أصول الدين لا يتم الدين إلا بها .
وخرج عن إجماع وجوب الإمامة بعض الخوارج وبعض المعتزلة
وعليه فالحكم التكليفي فيه فيرى أهل السنة " فرض كفاية " والشيعة أنها رأس الإسلام والخوارج أنها ليست أصلاً ولا فرضاً ووافقهم بعض المعتزلة .
ودليل المشروعية على الخلافة لم يرد نص قطعي الورود : القرآن الكريم ، السنة المتواترة ، وأما الدلالة من نصوص أتت في أمور لا تقصد الخلافة كنظام سياسي فدلالة ظنية مثل (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )
وجملة (وأولي الأمر منكم ) تدل على كل مسئولية كالعلماء والأمراء وما أشبه ولم تأت لواحد (خليفة مثلاً) .
والحض ندباً على تأمير مسافرين لأحدهما كقوله صلى الله عليه وسلم " لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم " فهذا في شأن السفر ولا صلة له بالإمامة الكبرى أو العظمى ، وأيضاً مثل خبر " من مات وليس في عنقة بيعة مات ميتة جاهلية " فهذا ليس في خصوص "خليفة عام لكل المسلمين في شتى الأعصار والأمطار " بدليل أن أحاديث أخرى تذكر " لإمام " " الأمير " ، " السلطان " : (من يطع الأمير فقد أطاعني ، ومن يعصى الأمير فقد عصاني " (من أهان السلطان أهانه الله )
" أريت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ، ويمنعونا حقنا ، فما تأمرنا ، فأعرض رواه مسلم ، " من بايع إماماً إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع ..." رواه مسلم ، " اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي " رواه البخاري .
فالأخبار وما ماثلها وناظرها وشابهها ذكرت اصطلاحاً "إمام " " أمير " "سلطان " "عامل " .....الخ .
بل وجاءت أخبار تدل على يتولى أو يستعمل لهما خاصة مثل :
عن أبي ذر - رضى الله عنه - قلت يا رسول الله صلي الله عليه وسلم : ألا تستعملنى ؟ ..رواه مسلم ، ما بال العامل نستعمله على بعض العمل ...متفق عليه .
وذكر الفقهاء في الفقه التراثي الموروث شروطاً لمن يتولى منصب الإمام منها "النسب " أي أن يكون "قريشاً " لحديث " الآئمة من قريش " وأصله في البخاري إن هذا الأمر في القريش " فتح الباري .
ودعوى إجماع الصحابة على مصطلح خلافة فيه نظر ففي سقسفة بنى ساعدة عرض الأنصار أميراً منهم ومن المهاجرين أمير عقب وفاة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
على ضوء ما ذكر :
الخلافة عمل ديني في المقام الأول وتحصر الخلافة الراشدة سادتنا
أبي بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله عنهما - لاتمام الدعوة الإسلامية وحدد ووصف ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخبار منهم : فعليكم بسنتي وسنة خلفاء الراشدين من بعدى عضوا عليها بالنواجذ ..سنن الترمذي .
ستكون خلافة على منها في النبوة ثم تكون ملكاً عضوضاً ، وبعدها ملك عضوض بدءً من السلطة أو الحكم الأموي والعباسي والتركي وهذا الملك لا ينسب للخلافة الراشدة بحال من الأحوال لأنها إستيلاء على بالقوة وانقلابات وهذه العهود فيها من المخالفات الشرعية الفاضحة والفادحة ما لا يمكن نسبته إلى خلافة راشدة .
بل الحق الذي يجب المصير إليه أن الخلافة الراشدة دينية لفترة مؤقتة لها ظروفها وملامحها وقادتها أكابر الصحابة من السابقين - رضى الله عنهم - لمهام دينية في المقام الأول .
وما بعد ذلك فنظام حكم وسلطة لا أكثر تسمى (خلافة إسلامية ) مجازاً وليس حقيقة .
إن الذين ينادون بإعادة الخلافة - مع حسن الظن بمقصدهم - على فرض وجوبية الخلافة كنظام سياسي هل وعوا أن حكام دول عربية معاصرين خاصة بالخليج العربي لا يصلحون لتبوأ إمامة كبرى لأنهم لا ينسبون إلى قريش ، وأن قادة تيارات منسوبة إلى الدين من جماعات وفرق لا يصلحون للغرض ذاته ، فإلى من يدعون لو فرضنا جدلاً أن حكماً سياسياً في ايامنا المعاصرة بمستجداتها ومستحدثاتها ومتغيراتها يمكن قيامة في ظل دول إسلامية عربية وغيرها لها كيانات سياسية يتعذر وحدتها سياسياً يمكن قيامه على أنه (خلافة) ، عمن؟ ولمن؟!!
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن توجهات وآراء أصحابها فقط ، ولا تعبر بالضرورة عن الموقع أوالقائمين عليه